مع العـقاد في ذكري رحيله

03/04/2015 - 8:20:37

العـقاد العـقاد

كتب - رجائي عطية

كان أول ما عرفت اسم العقاد، من عناوين مقالاته بجريدة الأساس التي كانت تصدر عن الهيئة السعدية التي استقلت عن الوفد للخلاف الذي شجر بين مصطفي النحاس من ناحية وأحمد ماهر والنقراشي من ناحية أخري، وكانت جريدة الأساس ضمن الجرائد اليومية التي تأتي لمنزلنا، فقد كان أبي عطية عبده المحامي، رحمه الله، وفديا من العاشقين لسعد زغلول، المحبين لمصطفي النحاس حتي فترة ما، ارتأي بعدها كما ارتأي ماهر والنقراشي أن الأمور لم تعد بالوفد كما كانت، فخرج معهما ومع إبراهيم عبد الهادي إلي الهيئة السعدية التي كانت جريدة الأساس الناطقة بلسانها.


ولكني لم أقرأ شيئًا للعقاد في هذه الصحيفة، وكان لقائي الحقيقي به أو بكتاباته، في إحدي زياراتي التي كنت أختلف فيها إلي قريتنا في أجازات الصيف، وأعشق سهرات وندوات جيل الآباء والأعمام والأخوال، وما كان يدور فيها من مناقشات لم أكن في سن الصبا أفهم معظمها، ولكنها كانت تبهرني وتستهويني، وكان عمي الأصغر كمال، رحمه الله، من عشاق القراءة، ولديه مكتبة لم يبخل بإعطائي منها بعض كتب العقاد.. أعطاني عبقرية محمد، وفاطمة الزهراء والفاطميين، وعبقرية عمر، وعبقرية خالد.. وهارون الرشيد لأحمد أمين، ولازلت أحتفظ بنسخ هذه الكتب في مكتبتي.. وأقبلت علي عبقريات العقاد بنهم شديد، بيد أن مداركي في سن الصبا لم تحتمل ملاحقة العقاد في تراكيبه اللغوية التي بدت لي عويصة، ومن ثم في التحصيل الموازي لعمق فكره وقوة عارضته، ولكني بقيت علي انبهاري بالعقاد، وسعيي الذي لا يكل لمحاولة الارتقاء إليه.. وساعدني آنذاك أنني أقبلت أيضًا علي كتابات طه حسين، التي كانت مع طلاوتها وجمال وبلاغة أسلوبها، لا تشق علي كما تشق علي كتابات العقاد، ومن مكتبة أبي أقبلت وأنا بالمرحلة الثانوية، علي كتاب محمد للدكتور محمد حسين هيكل، وعلي غيره من الكتابات الرصينة التي هيأتني شيئًا فشيئًا لحل مشكلتي في استيعاب العقاد والتحليق مع تراكيبه اللغوية وأعماقه الفكرية.


نسيت أن أقول إن أول ما اقتنيته من كتب العقاد، كان ضمن سلسلة كتاب الهلال، وسعر النسخة يبدأ بثمانية قروش، ولم يزد في معظم الأحوال عن عشرة قروش، إلاَّ في الطبعات الضخمة الممتازة فيرتفع إلي 12 قرشًا، وإلي جوار هذا كان يتابع النشر في سلسلة إقرأ لدار المعارف، فأقتني كتب شاعر الغزل : عمر بن أبي ربيعة، وجميل بثينة والصديقة بنت الصديق وغيرها بخمسة قروش، وأعاود اقتناء عبقرية الصديق بخمسة قروش ضمن سلسلة كتب ثقافية، أو أفيون الشعوب ـ المذاهب الهدامة بخمسة قروش رغم أن الناشر مكتبة خاصة هي الأنجلو المصرية، وكانت معنية بالكتب الأجنبية والكتب الرفيعة والنادرة، وكان بينها وبين العقاد علاقة متميزة، وأول ما رأيته بعيني كان فيها سنة 1955 وأنا بالسنة الأولي بالجامعة، ثم رأيته أكثر من مرة يتردد عليها ليقتني أحدث ما قذفت به المطابع في أوربا.. ذكرت ذلك لأوضح ما أتاحه لنا العقاد بالتزامه اللافت بمجانية الثقافة، مع أنه الذي باع مكتبته الخاصة أكثر من مرة ليواجه مطالب الحياة، ولهذا لم أجد مشقة وجيلي في أن نقتني ونقرأ كتب العقاد بأزهد الأثمان بميزانياتنا المحدودة أيام الدراسة وفي سنوات التكوين. أتيح لي فيها أن أقرأ من كتبه عبقرية محمد، وعبقرية عمر، وعبقرية الصديق، وعبقرية الإمام علي، وزعيم الثورة سعد زغلول، وعثمان بن عفان، وحياة المسيح، والإنسان في القرآن الكريم، ومطلع النور في مطالع البعثة المحمدية، والتفكير فريضة إسلامية ودرته الخالدة الله، وعبقرية خالد، والحسين أبو الشهداء، وشكسبير، وحقائق الإسلام وأباطيل خصومه، وما يقال عن الإسلام، والفلسفة القرآنية، ومعاوية في الميزان، وعمرو بن العاص، وإبراهيم أبو الأنبياء، والإنسان في القرآن الكريم، والمرأة في القرآن، وجحا الضاحك المضحك، والصديقة بنت الصديق، وغاندي، وهتلر، والكواكبي، والشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام، وحياة قلم، ورجال عرفتهم، والقائد الأعظم محمد علي جناح، وغاندي، وابن الرومي ـ حياته وشعره، وأبو نواس، وإبليس، وجوته، ومحمد عبده، وسيرة العقاد أنا.. والعنوان لطاهر الطناحي وضم مجموعة مقالات للعقاد عن سيرته وأسلوبه في كتابة المقالات وتأليف الكتب، ومراحل وسني حياته.. لم أذكر لك إلاَّ بعض كتبه التي كانت متاحة لنا بسعر لم يزد أبدًا عن 12 قرشًا!


كان فضل العقاد في التنوير عريضًا، وكان فضله علي الفكر والثقافة عميقًا، وكانت الفرصة التي أتاحها لنا فرصة نادرة تجد مكوناتها في صفحة وجدان كل من تلقوا منه، أيا كانت اتجاهاتهم أو مواقفهم منه، ومما يذكر أن أعظم ما كتبه الأديب الموسوعي أنيس منصور، كان كتابه عن العقاد : في صالون العقاد كانت لنا أيام، فقد كان تحليقه معه فاتحة لإبحار سبح فيه أنيس منصور بسلاسة وعمق واقتدار.


مع اهتماماتي المبكرة بالفكر الإسلامي، وجدت ضالتي الحقيقية في كتابات العقاد الإسلامية، ويندر ألا أرجع إليه في أي موضوع تصديت علي مر السنين للكتابة فيه، وظني أنه أعظم من خدموا الإسلام وقدموه للعالم بفهم وعمق واستنارة.


ومع مرور الأيام تجرأت للكتابة عن العقاد أو عن بعض مؤلفاته، وكان أول ما كتبته مقالاً عن كتابه «عبقرية خالد»، نشر بمجلة «منبر الإسلام» في يونيو 1969، ثم عن كتابه الرائع : «الإنسان في القرآن الكريم».. منبر الإسلام مارس 1970، وكتاب «ما يقال عن الإسلام» في مايو من نفس العام، ثم مؤلفه «الصهيونية العالمية في رؤية عميقة سبقت زمانها»، نشرته مجلة منبر الإسلام في أغسطس 1970.


كان العقاد ولا يزال هو الزاد الذي أعود إليه، واغترف منه، فكتبت عن كتابه الضافي اللغة الشاعرة، وسلسلة مقالات عن درته الله بحث في العقيدة الإلهية، وتناولت بعض كتاباته القديمة في مجلة المشكاة التي أعاد نشرها في كتابه مطالعات في الكتب والحياة، ورثاءه المتميز للكاتب الصحفي الأديب فرح أنطون، ومراجعـاته في الآداب والفنون، فضلاً عن الفصول وهذه الشجرة.. ولا يمضي أسبوع دون أن أعاود القراءة والاغتراف من كتابات ومؤلفات عباس العقاد.


أخذني الحديث، وكنت أنوي أن أحدثك اليوم عن كتابه عبقرية محمد، وقد كانت قراءته ضمن محاولاتي الأولي للاقتراب من العقاد، فوجدت هذا الكتاب غير الكتب التي كتبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل الذي اقتربت طبعاته من المائة، أو علي هامـش السيرة للدكتور طـه حسين، أو محمد للأستاذ توفيق الحكيم الذي انتهج في كتابته أسلوبه الحواري المتميز، والذي شجعني بعد سنوات لكتابة مطول السيرة النبوية في رحاب التنزيل بمجلداته السـت، أما عبقرية محمد فمسألة أخري، أرجو أن أعود إليها بمشيئة الله. رحم الله العقاد الذي رحل عن دنيانا في مارس 1964، وأجزل له العطاء بحق ما قدم لدينه ولأمته وللانسانية!