فم الحوت

02/04/2015 - 10:04:30

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

من نافذة القطار أرى الأشجار على الجانبين تركض، تذكرني بموظف يريد اللحاق بموعد عمله، البيوت على الجانبين أراها من خلف الأشجار تركض هي الأخرى، تصبح ماضيا في ثوان، ما الفرق بين هذه الشجار وذكرياتنا؟ ما الفرق بين البيوت وأحداث عشناها؟ تكون بين أيدينا تحت نظرنا، ثم تركض بعيدا ولا يظل منها إلا تخيلنا لها، هل هي التي تتركنا وترحل؟ أم نحن من يترك ويرحل؟ هل أحداثنا التي عشناها هي التي تذهب وتصبح مجرد ذكرى؟ أم نحن الذين نحياها ثم نرحل، من منا الذكرى بالنسبة للآخر؟


****


الجو المحيط بك يغير استقبالك لنفس الأشياء، أسير في الشارع تنهب قدمي الطريق، أتطلع للبيوت من حولي، هي نفس البيوت، لكنها في ظلمة الليل تختلف عن وضح النهار، في الليل كانت نوافذها تطل على الطريق تبعث ضوءا خفيفا ينبعث من الداخل، تبدو لي وكأنها عيون أجهدها السهر، عيون آثرت أن تبقي مستيقظة حتى تحرس أهل الدار، الآن مع بزوغ الفجر أرى نفس النوافذ لكنها الآن عيونا باسمة تستقبل الصباح بأمل، تتمطي ستائرها من خلف زجاجها، تزيح عنها إجهاد السهر، وتنظر للطريق في تفاؤل على أمل أن يحمل الصباح الجديد بشرى أو أخبار سارة، وأبواب البيوت يقف الباب منها وسط البناء وكأنه ثغر فتاة تتثاءب بدلال وتفرك عينيها وترحب بصباح جديد، في الليل كانت نفس الأبواب موصدة تخفي وراءها من احتمى بها، غامضة وجامدة، الآن تفتح ذراعيها، تفرج عن ابتسامة صبوح، الأشياء هي نفسها لكن عامل الوقت يجعلها تختلف.


****


من خلف النافذة، أرى الشمس وهي تبدأ في إرسال أشعتها فيتراجع الظلام أمام هيبة النور، يتراجع شيئا فشيئا، الدنيا تغلق صندوق أسرارها وتحكم إغلاقه، ففي وجود الشمس لا مكان للأسرار، أنظر في اتجاه الشروق، رتوش اللون الأحمر تبدأ في الحضور، خطوط حمراء أتصورها أحمر شفاة بلون أرجواني جميل، لست أدري لماذا تصورت وقتها أن الشمس في فترة انشغالها بالتزين لتقابلنا في صباح جديد، ثم طبعت قبلة على صفحة السماء، قبلة من الشمس للأرض وكأنها توقع بشفتيها قبلة تسبق حضورها، ونفس الشيء تفعله قبل مغادرتها، في شفق أحمر رائق يغطي السماء وقت الغروب، يا له من رومانسي هذا القرص الملتهب الذي يسكن كبد السماء.


****


كانت الحافلة مزدحمة جدا، نفوس وقلوب وأجساد يعج بها المكان، الكل يجمعهم حيز واحد لكن كل منهم له دنياه، الكل يتنفسون في مساحة واحدة، لكن لكل عالمه، عدد من البشر في مكان واحد في وقت واحد لكن ليسوا معا، عجيب أمر الإنسان، وجاء وقت الوصول، الحافلة تقذفك، تشعر كأنها تبصقك، وكأنك كنت محتجزا في فم حوت، لكن انتبه فلست أنت يونس، ولن تجد شجرة اليقطين لتحتضنك عندما تخرج وكأنك كنت في معركة، ستخرج وحيدا غريبا تتلمس الطريق.