مقامرة أوباما فى مصر!

30/03/2015 - 9:33:51

ثورة 30 يونيه وضعت نهاية المقامرة الأمريكية على الإخوان فى مصر ثورة 30 يونيه وضعت نهاية المقامرة الأمريكية على الإخوان فى مصر

كتب - عبد القادر شهيب

منذ أن تخطو الخطوة الأولى خارج الطائرة فى مدينة لاس فيجاس بالولايات المتحدة الأمريكية تشاهد الماكينات والآلات المقامرات .. مطار المدينة أشبه بكازينو القمار، وكأن المسئولين عن إدارة المدينة قد أعدوا مدينتهم منذ الوهلة الأولى لضيوفها وزوارها للانخراط فورا فى عمليات المقامرات وقبل حتي أن يستلموا حقائبهم.. فهى مدينة بمثابة كازينو واسع وممتد للقمار، ولذلك هى تغرى كل من يزورها بالانخراط فورا وحتى آخر سنت يملكه أو فى حوزته فى عمليات المقامرات.


ورغم أن مدينة لاس فيجاس تختص وحدها دون بقية المدن الأمريكية بهذا الطابع مثلما تتسم بالدعاية العلنية فى الشوارع لتجارة الجنس والدعارة باعتبارها أحد المشهيات لعمليات القمار، إلا أن إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية قامت أساسا على عمليات المقامرات .. إنها مقامرة سياسية مستمرة.. ومثلما ينخرط المقامرون فى لاس فيجاس فى عمليات المقامرات ويدفعون القمار رغم الخسائر المتتالية والمتلاحقة ، فإن من يديرون السياسة الخارجية الأمريكية أدمنوا هم أيضاً المقامرة السياسية رغم ما لحق بالولايات المتحدة من خسائر سياسية.


منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية التى شهدت صعود إمريكا كقوة عظمى بجانب الاتحاد السوفيتى والمقامرات السياسية للإدارات الأمريكية المختلفة وهى تحصد الخسائر الواحدة تلو الأخرى بسبب مقامراتها السياسية.


لقد كانت أولى المقامرات التى لجأت إليها أمريكا فى إدارة سياستها الخارجية استخدام الدين فى الحرب الباردة التى خاضتها ضد الاتحاد السوفيتى .. صحيح أن الاتحاد السوفيتى اختفى وانفرط عقده نتيجة لذلك وهو ما اعتبره الأمريكان انتصاراً لهم فى الحرب الباردة، إلا أن الجماعات والمجموعات التى احتضنوها ودعموها وساندوها لتحارب لهم الاتحاد السوفيتى سرعان ما انقلبت ضدهم .. فقد شكل من أسموا أنفسهم مجاهدين ضد السوفيت الكفار فى أفغانستان تنظيما جديدا أطلقوا عليه اسم تنظيم القاعدة.. وهذا التنظيم لم يكتف بتوجيه ضرباته داخل أفغانستان أو حتى خارجها فى منطقتنا، وإنما وسع نطاق ضرباته لتشمل الغرب الأوربى والولايات المتحدة ذاتها.. وهكذا وجد الأمريكان أنفسهم يذويقون مرارة طعم الإرهاب الذى استثمروه واستخدموه للتخلص من الاتحاد السوفيتى ولفرض نظام دولى أحادى القطبية بدلا من نظام القطبين الذى تمخضت عنه الحرب العالمية الثانية .. وقد بلغت المرارة ذروتها فى تفجير برجى نيويورك فى سبتمبر 2001.


غير أن ذلك لم ينبه الأمريكان إلى خطر صياغة سياساتهم الخارجية اعتمادا على المقامرة السياسية ومراجعة ذلك الأمر.. بل على العكس دفعهم إلى الانخراط فى هذه المقامرة .. فهم قاموا فى ظل سيطرة المحافظين الجدد على الحكم فى الولايات المتحدة خلال رئاسة جورج بوش الابن بغزو أفغانستان وكانت النتيجة ظهور حركة طالبان التى احتضنتها المخابرات الباكستانية تأسيسا ودعما والتى كانت أكثر تطرفا حتى من تنظيم القاعدة الذي استهدفه الأمريكان بغزوهم لأفغانستان للقضاء عليه .. بل إن تنظيم للقاعدة هذا تمدد وانتشر فى بلاد عديدة فى منطقتنا لدرجة أنه استوطن بعضا من هذه البلاد ونشر إرهابه فيها.


ثم تمادى الأمريكان أكثر وقاموا بغزو العراق فى إطار افتتاحهم لتنفيذ خطتهم التى أعدوها خصيصا لمنطقتنا وهى خطة الفوضى الخلاقة وقد تمخض هذا الغزو أولا على تمدد النفوذ الإيرانى فى العراق حتى وقع العراق كله باستثناء المناطق الكردية فيه فى قبضة الإيرانيين الذين كان الأمريكان يناصبونهم العداء ويحاصرونهم سياسيا واقتصادياً من خلال سلسلة من العقوبات الاقتصادية .. ثم تمخض هذا الغزو ثانيا عن خلق تنظيم إرهابى جديد أكثر شراسة وأكثر عنفا من تنظيم القاعدة وهو تنظيم داعش، والذى احتل المكانة الإرهابية للقاعدة وصار أقوى منه وأكثر قدرة على توجيه ضربات إرهابية فى عدة دول فى ذات الوقت.. بل إن هذا التنظيم صار يهدد أمريكا وأوربا وأخذ ينفذ بالفعل عمليات فيها على غرار ما حدث فى باريس فى حادث جريدة شارل ابدو.


ورغم ذلك مضى الأمريكان فى ممارسة مقامراتهم السياسية الخاسرة والمدمرة ولم يتوقفوا عن ممارسة عمليات القمار السياسى لوقف نزيف خسائرهم .. بل إنهم مع بداية العقد الثانى من الألفية تبنوا مقامرة جديدة تتمثل فى دعم ومساندة جماعة دينية هى جماعة الإخوان اعتبروها معتدلة للوصول إلى السلطة فى مصر وبقية دول منطقتنا حتى تروض لهم الجماعات الإرهابية الدينية الأكثر عنفا، وتغافل الأمريكان أنهم بذلك مثل المستجير من الرمضاء بالنار .. فتلك الجماعة قامت مثلها كبقية الجماعات الدينية الأخرى التى تمارس العنف على أساس تكفيرى، ومارست فى بداية نشأتها العنف والقتل والتفجير والتدمير.. بل إنها هى التى أفرخت لنا كل الجماعات والتنظيمات الإرهابية التى تتستر بالدين .. ومن المؤكد أن ذلك يدركه ويعلمه الأمريكان، غير أن إدمانهم المقامرة السياسية فى تخطيط وإدارة سياستهم الخارجية جعلهم لايكتفون فقط بمنحهم الإخوان التأييد لتوليهم السلطة فى مصر وبقية دول المنطقة أملا فى أن يقيموا نظاما سياسيا مشابهاً لذلك النظام الذى أقامه أردوغان وحزبه فى تركيا، وإنما دفعهم لتقديم ما احتاجه الإخوان من دعم للوصول إلى السلطة خاصة فى مصر.. وهكذا كان كيرى هو من طلب من جماعة الإخوان تقديم مرشح لخوض غمار الانتخابات الرئاسية فى مصر عام 2012، وكانت إدارة أوباما كلها هى من مارست ضغوطا مكثفة على مصر للإسراع بإعلان فوز المرشح الإخوانى محمد مرسى فى هذه الانتخابات رغم ما اكتنفها من أعمال ارتكبها الإخوان كانت تستدعى من وجهة نظر نصف أعضاء اللجنة القضائية التى أشرفت عليها إعادتها وتحديدا بعد اكتشاف بطاقات انتخابية مزورة للمطبعة الأميرية.


ولأن الأمريكان أدمنوا المقامرة السياسية بهذا الشكل فإنهم رفضوا فى البداية الاعتراف بحقيقة ما حدث فى 30 يونيه، والذى تمثل فى طوفان بشرى بعشرات الملايين من المصريين انفجر فى كل الميادين والشوارع، كما رفضوا القبول بما حدث فى الثالث من يوليو، والذى تمثل فى عزل مرسى وتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلى منصور رئاسة الجمهورية مؤقتا رثيما يتم استكمال تنفيذ خارطة الطريق التى توافق عليها ممثلون للقوى والتيارات السياسية المختلفة والمؤسسات الدينية مع ممثلى حركة تمرد التى بادرت بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، وأيضا قادة المؤسسة العسكرية.


ولذلك سارع الأمريكان - فى إدارة أوباما- بمناصبه العداء لتلك الملايين المصرية التى خرجت يوم 30 يونيه وتمثل ذلك فى قيامهم بتجميد المساعدات العسكرية التى كانت تحصل عليها مصر سنويا منذ إبرام اتفاقية كامب ديفيد وحرضوا أوربا وإفريقيا على عدم القبول بنتائج 30 يونيه فى مصر .. ومارسوا أيضا ضغوطا سياسية علينا أولا من أجل عودة مرسى إلى منصبه كرئيس للجمهورية وأن يتولى هو الإشراف على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يمكنه أن يشارك فيها أو تدفع جماعته بمرشح آخر بديل له .. ومع مرور الوقت وتثبيت الوضع السياسى الجديد فى مصر، خاصة بعد إقرار الدستور الجديد للبلاد عام 2014، أخذ الأمريكان يمارسون ضغوطهم من أجل إنقاذ قادة جماعة الإخوان من الملاحقة الأمنية والمساءلة القانونية على ما ارتكبوه من جرائم عنف، وإدماج تلك الجماعة مجددا فى العملية السياسية الجارية داخل مصر.


لقد اضطر الأمريكان بحكم براجماتيتهم إلى إجراء تعديل ومراجعة فى مواقفهم تجاه مصر 30 يونيه لأنهم لا يقدرون على المغامرة بخسارة مصر .. وساهم فى ذلك عوامل أمريكية داخلية وأخرى خارجية .. أما العوامل الأمريكية الداخلية فقد تمثلت فى أن العلاقة مع مصر والتعامل معها صارت واحدة من قضايا الصراع السياسى الدائر الآن بين الديمقراطيين والجمهوريين فقد وجد الجمهوريون أنهم يستطيعون إحراج إدارة أوباما بملفين أساسيين أولهما ملف العلاقة مع مصر وتحديدا موقف إدارة أوباما من الإخوان، وثانيهما الملف النووى الإيرانى.. بينما تمثلت العوامل الخارجية فى أمرين، أولهما نجاح الإدارة المصرية الجديدة فى تثبيت أقدامها ونجاحها فى محاصرة الإخوان وإضعاف تنظيمهم.. وثانيهما التقارب الروسى المصرى الذى جعل الأمريكان يخشون أن يكون ذلك على حساب العلاقة المصرية الأمريكية.


لكن هذا التعديل وهذه المراجعة فى المواقف الأمريكية تجاه مصر لم ينه تماما تلك المقامرة الأمريكية التى راهنت على وصول الإخوان إلى الحكم فى بلادنا.. فإن إدارة أوباما ومعها مؤسسات مهمة داخل أمريكا مازالت ترى ثمة جدوى فى الرهان على الإخوان.. وهذا ما يفسر لنا لماذا مازالت الاتصالات الأمريكية مع الجماعة وقادتها مستمرة حتى الآن .. فهذه الاتصالات لا تتم لأن واشنطن محرجة من الإخوان، فنحن نعرف أنه ليس ثمة شىء يحرج الأمريكان .. ولكن هذه الاتصالات تتم لأن واشنطن - وتحديدا الإدارة الأمريكية - راغبة فيها، وتعتقد أنها ذات جدوى للسياسة الأمريكية ومفيدة للمصالح الأمريكية.


إنها باختصار وبلغة أهلنا البسيطة تعنى أن أمريكا لم ترم بعد طوبة الإخوان، وإنما مازالت ترى أنها فى مقدورها الاستفادة منهم ومن جماعتهم ولذلك تحرص على استمرار اتصالاتها بهم.. إنها باختصار تدخرهم لاستخدامهم مستقبلا للنيل منا ولإجهاض ما نمطح فى تحقيقه .. فإذا كانت أمريكا لاتتحمل أن تغرق مصر فإنها فى ذات الوقت لاتريد أن تبحر سفينتنا بقوة .. إنها تريدها بالكاد طافية على سطح الماء .