سميرة عبد العزيز : جيناتى الفنية فى أولادى و أحفادى

26/03/2015 - 9:46:35

سميرة عبد العزيز سميرة عبد العزيز

كتبت - سهام صقر

هى كالماء غزيرة وسخية .. كالهواء والنسيم الرقيق .. غامرة كالضياء على وجهها قنديل من البهاء تحسها رقيقة كالنسيم ولكن صارمة إذا اكتشفت خطأ أو واجهت سلبية أو سفاهة تجدها لا ترتاح إلا إذا قامت بتصحيحه بنفس الرقة والرقى فهى متيمة بالاتقان وعندما تجد عدم استجابة لتصحيح الخطأ تتحول إلى متمردة عصية ترفض الابتذال والترخص هى سميرة عبد العزيز ابنة الإسكندرية بجبينها الوضاء وصفاؤها كصفاء بحرها القديم.


بمجرد وقوع بصرك عليها تدرك فى الحال أنها مصرية صميمة عاشقة لمصريتها وللفن فى أجل وأكمل المعانى, تشع فيها بوارق من الشعور بالمسئولية والقدرة على تحمل الصعاب لتصل إلى ما تريد.. لوجهها ملامح وكأن التى رسمتها ريشة الحب.            


 عندما استقبلتنا عند باب بيتها فى مدينة زايد بكرم وحفاوة المصريين الفطرية وكان رنين صوتها العذب كدمع الغنوة وعينين نبيلتين تترقرق فيها أصول الأشياء فعندما تراها لأول مرة كأنك تعرفها منذ زمن .. وهكذا كان اللقاء بوجدان غاية فى الثراء والعمق .. فهى شخصية شامخة من الزمن الجميل متواضعة معتدة بنفسها بمنتهى الاعتدال .. وكان لابد أن أسألها عن بداياتها وخاصة فى الإذاعة وارتباط الأذن المصرية بها من خلال برنامجها القيم الشهير "قال الفيلسوف".


وعن ارتباطها بالراحلة فاتن حمامة تقول: بدأت فى إذاعة الإسكندرية بعد أن اكتشفنى ملك الإذاعة حافظ عبد الوهاب.. "وجدير بالذكر أن حافظ عبد الوهاب هو من تبنى الراحل عبد الحليم حافظ وسماه على اسمه", وكان هذا الاكتشاف من خلال كلية التجارة عندما شاهدها على مسرح الجامعة فى مسرحية من بطولتها تلك المسرحية التى نالت فيها المركز الأول فى التمثيل على مستوى الجامعات والذى سلمنى كأس التكريم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.. وهذه الصورة هى والزعيم الراحل تتصدر مدخل بيتها المليء بعديد من جوائز التقدير والتكريم على مستوى الدولة والعالم العربي, ثم اخذنى الأستاذ حافظ عبد الوهاب "الكلام على لسانها" لتكون بدايتى فى عمل العديد من المسلسلات فى إذاعة الإسكندرية.. ثم انتقلت إلى القاهرة بناءً على نصيحة أحد المخرجين وعملت فى إذاعة القاهرة تحت إشراف أعمدة الإذاعة محمد محمود شعبان  بابا شارو, والمخرج العظيم حسنى عبد العزيز, والمؤلف محمود يوسف وهو أيضا من الصحفيين الأجلاء وكان له عامود يومى فى جريدة الجمهورية شهير باسم "شموع تحترق" حيث عملت فى عدة برامج كان أشهرها برنامج "أماكن لها تاريخ" واشتهر البرنامج بصوتها العذب المميز, وتستطرد قائلة ثم عرض عليها الأستاذ محمود يوسف برنامج "قال الفيلسوف" الذى تفوقت فيه بصوتها العذب وخفة ظلها ورصانتها وللقيم والحكم الذى يدعو إليها البرنامج ببساطة وتشويق, وقد أخذ الناس برقة صوتها وروعة إحساسها حتى أنها كان يصلها رسائل من معجبين ليخطبوا ودها.. وهو من أنجح البرامج الإذاعية وعمره الآن أكثر من ثلاثين عاما.


  وعندما سألتها عن رفيق عمرها وزوجها الكاتب الكبير"محفوظ عبد الرحمن" لمعت عيناها حنانا وحبا فهى زوجة محبة جدا لزوجها وبدا صوتها طاغيا فى رقته مرهف الحس, وبوقار شديد يعبر عن إخلاص وتقدير قالت: على فكرة لقد حصل زوجى على جائزة النيل هذا العام هذا غير الجوائز التى حصل عليها قبل ذلك تقديرا لأعماله العظيمة, ثم واصلت الحديث عن زوجها وقالت: لقد التقيت بزوجى على الورق من خلال مسلسل عنترة وبدأنا من وقتها قصة حب انتهت بالزواج, وهو الزواج الثانى بالنسبة لى وله, ولى ابنة وهو له ولد وبنت, وأصبحنا أسرة واحدة وهم أشقاء لا فرق بينهم, وهم باسم ويعمل مخرجا ولكن خارج مصر وذلك نظرا للمناخ الفنى وما أصابه من انهيار, وأما الثانية فهى مها وتدرس فى جامعة كامبردج, والابنة الثالثة مرشدة سياحية, أما أحفادى فريدة راقصة باليه فى الأوبرا, والثانى على خالد عازف عود فى فرقة نصير شمه, فالفن ممتد فى الأبناء والأحفاد بأصالة الجينات الفنية القوية فى دم الأم والأب.   


وعندما جاءت سيرة الراحلة العظيمة فاتن حمامة حيث ظهرت سميرة عبد العزيز عبر الشاشات عند وفاتها تعبر عن علاقة صداقة قوية وحزن وألم شديد بفقدان الصديقة والفنانة واكتشفت من خلال حديثى معها أن هناك تشابها كبيرا بينهما فى الشخصية والروح الجلية فى الصوت الرقيق الناعم الذى ينم عن أنوثة طاغية الذى لا ينفى وقارا وقوة شخصية واعتدادا وثقة فى النفس فسألتها هل هذا التشابه بسبب التقارب بينكما أم لأن فاتن كانت قدوة بالنسبة لها فتطبعت بها فقالت:                                            إنها كانت تعشقها منذ إدراكها فكانت تقلدها فى طريقة لبسها بفاستينها الكلوش والجيبونات التى اشتهرت بها حتى كانت تصر أن تعمل نفس قصة شعرها وتسعى لتشاهد كل أفلامها فى السنيما بقوة, أما عن لقائهما فكان من خلال مسلسل ضمير أبلة حكمت وتحكى تفاصيل هذا اللقاء الذى أثمر صداقة قوية ورائعة إلى أن رحلت فاتن عن عالمنا, فكانت بروفة التصوير فى مدرسة وفاتن تلقى بخطبة للتلاميذ وكان رهبة فاتن حمامة تطغى على كل المشتركين فى العمل, ثم أثناء أداء فاتن للخطبة قالت كلمة خطأ لغويا وهى كلمة التلاميذ الجدد بفتح الدال بدلا من ضمها وماكان من سميرة إلا أن تركت اللوكيشن لتذهب للمخرجة أنعام محمد على لتقول لها أن تصلح الكلمة لفاتن ولم تجرؤ المخرجة أن تقول الملحوظة لفاتن فذهبت إليها سميرة المعتزة بلغتها العربية التى طالما أخذت من عمرها دراسة وحبا وأيضا استجابة لضميرها الثقافى والفنى وأيضا اتقانها وإخلاصها لرسالتها, فقالت لفاتن الكلمة نطقها الصحيح كذا وإن أحببت فقوليها بالعامية, وما كان من العظيمة فاتن إلا أنها تتقبل الملحوظة وتقولها بالعربية الفصحى, وبعد التصوير قالت فاتن لسميرة صح كده قالت سميرة أيوة فابتسمت فاتن وقبلتها قبلة حب وعرفان، ومن هنا انكسر حاجز الرهبة لتبدأ علاقة الود والصداقة الحميمة عندما طلبت منها فاتن أن تشاركها حجرتها فى مكان التصوير وتلازمها, ويجب هنا أن أذكر مدى عظمة فناني العصر الجميل كل يتقبل النقد من الآخر ونصحه حتى لو كان أصغر منه بلا عقد أو تكلف أو كبر النجومية, لقد كانت بساطتهم وتواضعهم سر عظمتهم وتربعهم فى قلوب الملايين وفى ذاكرة التاريخ, واسمحوا لى أن أروى موقفا آخر سردته الجميلة سميرة عبد العزيز مع فاتن لم استطع أن أخفيه عن القراء الأعزاء، وهو موقف منتهى الرقى والمرونة التى يتسم بها العظماء وهو أثناء تصوير المسلسل وكانت فاتن جديدة على طريقة الفيديو لأنها كان تعودها على طريقة السنيما فى التصوير فاعترضت فاتن على طريقة الالتفات من كاميرا إلى أخرى وقالت: "أنا لست فى تصوير منوعات", فأسرعت سميرة عبد العزيز وهى فنانة التليفزيون العريقة فهدأت من روع فاتن وشرحت لها أن طريقة تصوير الفيديو تختلف عن السينما وكانت فاتن غاضبة جدا فما كان منها إلا أنها امتثلت لكلام سميرة ونظرت لها نظرتها المشهورة خلاص "هاتعلمهالكو", ثم ذهبت للمخرجة إنعم محمد على وداعبتها قائلة: "فهمناها وهابقى أحسن منكو", وهكذا كانت مشاعر الود والتفاهم بين اثنين عظماء حتى أن فاتن عندما كانت تغضب تسأل عن سميرة وتقول فين البلسم!


   وعند انتهاء التصوير ذهبت فنانتنا سميرة عبد العزيز إلى فاتن لتودعها وقالت ياريت نتقابل فقالت فاتن بلهفة: "ايه ده هو احنا  مش هانشوف بعض تانى.. احنا لازم نتقابل أنا بحبك قوى وخلاص احنا بقينا صحاب", وأسرعت فأعطتها رقم تليفونها وبدأت رحلة صداقة قوية بين القامتين كانت رحلة وفاء وأخوة وعلاقة نبيلة تعلمت سميرة عبد العزيز منها البساطة وعدم التكلف فى التمثيل والمكياج وأيضا بساطة الحياة مع مراعاة الحدود فى العلاقات بين الناس لذلك كانت الناس تذوب حبا فى فاتن حمامة وفى نفس الوقت ترهبها احتراما وتقدير وكذلك سميرة عبد العزيز لذلك كانت العلاقة بينهما قوية قوة صدقهما للفن والاحترام للفكر والمبادئ, وهكذا فسميرة عبد العزيز التى كانت فاتن حمامة قدوتها وسارت على دربها فتلاقا فكانا مكملين لبعض كأصدقاء, هي سميرة عبد العزيز التى كان أولى جوائزها فى التمثيل من الزعيم عبد الناصر وهى التى كانت نجمة المسرح القومى فى عصره الذهبى مع مسرحيات وطنى عكا وصلاح الدين وانطونيو وكليوباترا وساندتها العملاقة سميحة أيوب, وكانت لها معها مواقف أقل ما يقال عنها إنها عظيمة من عظماء سميرة عبد العزيز التى أخذت العديد من الجوائز من المسرح القومى وجائزة الميكروفون الذهبي من الإذاعة لما سألتها عن أعز الجوائز على قلبها, قالت أنا راضية جدا وسعيدة لما وصلت إليه ولكن أغلى جائزة على قلبى جائزة حب الناس عندما منحونى لقب الفنانة المحترمة.


سميرة عبد العزيز المحترمة إنسانة وفنانة فى نهاية حديثى كان لابد أن أذكر أن مجلة حواء العزيزة كانت وجه الخير على فنانتنا الجميلة فكانت نجمة الغلاف فى بداياتها وشرفنى أن تكون ضيفتى الآن فى مجلتنا الحبيبة.