تيارات معاكسة لمقاومة تحرير المرأة (2)

26/03/2015 - 9:28:17

رجائى عطيه رجائى عطيه

كتب - رجائى عطية

     ساق مصطفى صادق الرافعى فى حملته على قاسم أمين أنه كان كالمخدوع المغتر بآرائه، وكان مصلحا فيه روح القاضى، والقاضى بحكم عمله مقلّدٌ متّبع يسند الرأى دائما إلى نص لم يكن له فيه عمل، ومن ثم كثرت أغلاط الرجل حتى جعل الفرق بين فساد الجاهلة وفساد المتعلمة، إن الجاهلة «لا تكلف نفسها عناء البحث عن صفات الرجل الذى تريد أن تقدم إليه أفضل ما لديها، وهو نفسها».. وإن المتعلمة على خلاف ذلك لا يجرى قدرها بمن يحل لها إلاَّ بعد محبة شديدة يسبقها علمٌ تام بأحواله وشمائله وصفاته، فتختاره من بين مئات وألوف ممن تراهم فى كل وقت! وهى تحاذر أن تضع ثقتها فى شخص لا يكون أهلا لها، ولا تسلم نفسها ـ إلاَّ بعد مناضلة يختلف زمنها وقوة الدفاع فيها حسب الأمزجة، وهى بكل حال تستتر بظاهر التعفف.


      ويعقب الرافعى بأن هذا كلام قاضٍ من المتفلسفين علـى مذهب «لامبروزو» يقول لإحدى الفاجرتين ـ وهذه عبارة الرافعى ـ أيتها الجاهلة الحمقاء، كيف لم تتحاشىْ ولم تتستّرى فلا يكون عليـك سبيل؟ وهذا نظر قاصر، فمتى كان فى الحب اختيار، ومتى كان الاختيار يقع «فيما يجرى به القدر»، ومتى كان نظر العاشقة كنظر المعلمة إلى صبيانها تدرس به الصفات والشمائل فى مئات الألوف ممن تراهم فى كل وقت لتصطفى منهم واحداً تختاره!


           والملاحظ فى عبارة وحملة الأستاذ مصطفى صادق الرافعى الضارية على الأستاذ قاسم أمين، إنه لا يلاحظ مبالغاته هو اللامزة حين يفترض افتراضاً أن المتعلمة تختار من بين مئات وألوف ممن تراهم فى كل وقت، وأنها تدرس الصفات والشمائل فى مئات الألوف ممن تراهم فى كل وقت لتصطفى وتختار منهم واحداً.. والرافعى يفترض هذا الافتراض المبالغ اللامز لتستقيم له أسباب حملته، فيأخذ فيها على قاسم أمين أنه أغفل فى هذا أيضا حساب الزمن، فكثير من المنكرات والآثام فد انحلّ فيها المعنى الدينى، وثبت فى مكانه معنى اجتماعي مقرر، فأصبحت المتعلمة لا تتخوف من ذلك على نفسها شيئا، بل هى تقارفه وتستأثر به دون الجاهلة، وتلبس له
(السواريه) وتقدم فيه للرجال المهذبين مـرةً ذراعها ومرةً خصرها !


          وينتقل الرافعى من مهاجمة قاسم أمين وآرائه، إلى مهاجمة مصطفى كمال ( أتاتورك ) فى تحرير المرأة وتمزيق الحجاب، فيأخذ عليه أن حقده على الدين وأهل الدين هو الدليل على أنه ثائر لا مصلح، احتذى حذو الناس فى أوروبا، وجعل رذائلهم مـن فضائلهم، وكأنه يعتنف الآراء ويأخذها أخذاً عسكرياً!    


          تساءلت وأنا أتابع ما يُدَار حول المرأة وحقوقها ما لها وما ليس لها، أين هى من هذا كله.. ولماذا تسكت حواء ولا تبدى رأيها ـ أمس واليوم ـ فى منظور يجعل منها لعبة ودمية.. ولا يخرج بها عن كونها مفاتن جسدية تقدم ـ إن قدمت ـ نفسها، فلا عقل ولا شخصية ولا مزية لها سوى هذه المفاتن التى يدور حولها طلب الرجال ، وكيف تستر ويُستر معها وجهها خلف برقع أو نقاب لأنه هو الآخر عورة واجبة الحجب عن عيون الرجال!


       لم يكن مصطفى صادق الرافعى هو الوحيد الذى شن هذه الحملة ضد قاسم أمين وضد تحرير المرأة فى مصر، ومضى عهد طويل على عزل أو انعزال المرأة عن مناقشة أخص قضاياها، وفيما عدا نماذج قليلة انبرت وناضلت ذكرنا منها هدى شعراوى وسيزا نبراوى ودرية شفيق، انفرد الرجال بالحديث فى أخص ما يخص المرأة، وبدا أن الذكورية طاغية طغيانًا حجب النساء اللاتى استسلم معظمهن لهذا المنطق الذى جرى على تصنيفهن فى باب الدمى وسلعة الإمتاع.. بلا حول ولا قوة ولا رأى إلاَّ ما يراه ويستحسنه أو يستقبحه الذكور! وهذا مؤسف لا يستقيم عليه حال! ولا يقوم به إنصاف!