واقع العراق ومحنته.. في رواية حياة ثقيلة

25/03/2015 - 12:00:32

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

أسامة غالي - كاتب عراقي

    تتحدث رواية (حياة ثقيلة)، أحدث أعمال الروائي العراقي سلام إبراهيم ـ الصادرة عن (دار الأدهم) في القاهرة ـ عن تراجيديا الحياة العراقية وما آل إليه الوضع الاجتماعي والسياسي عقب الاحتلال، في إطار مكاني محدد هو "مدينة الديوانية"، وبصوغ أدبي شيق يتجاوب عنده الخيال مع الواقع، أي أن الروائي يتحدث عن تفاصيل حياته الثقيلة وما يرتبط بها بصورة انفعالية تأثرية، وبتماس مباشر مع الحدث حتى وهو يقص تفاصيل هامشية تتصل بالشخصيات الثانوية تجده حاضراً يحلل تارة ويستشرف أو يتنبأ تارة أخرى، وبالتالي يهيمن على الرواية صوت واحد وإن تعددت الشخصيات والأحداث.


    يختار سلام إبراهيم شخصياتٍ واقعية بمعرفةِ تامةِ بحيثياتها وتفاصيلها، إذ يذكرنا بأدباء (المدرسة الطبيعية) أمثال فلوبير وبلزاك من حيث اهتمامه بالتفاصيل الجزئية، دون أن يهمل قضايا الإنسان الكبرى، فهو عن طريق تلك التفاصيل يضيء سيرةَ مدينةٍ وحياةَ ناسٍ.


    يعود سلام إبراهيم إلى رصد التحولاتِ التي طرأتْ على الواقعِ العراقي سياسياً واجتماعياً، بعد كتابةِ رواياته الثلاث (الإرسي) و(الحياة لحظة) و(في باطن الجحيم)، وعياَ منه بأهمية هذه المرحلة والكشف عن ملابسات الأحداث ودورها في تكريس هموم وأوجاع الفرد العراقي، حيث يبدأ روايتَه بفصلٍ تحت عنوانٍ (لبناء عالمٍ جديدٍ) يضعُ فيه أمانيه المؤجلة وآلامه التي تركها له حلمه الأزليّ بمدينةٍ فاضلةٍ يسودها العدلُ ويتحققُ فيها نهجَ المساواة، وهو حلم طالما تاقَ إليه الفلاسفةُ والمصلحون، متسائلاً، بعد ان أدركَ صعوبةَ التغييرِ إبان سلطة الطوائف في العراق، عن السبب الرئيس وراء خسارتِنا الكبرى: (لمَ لا يحب الإنسان أخاه الإنسان؟) محيلاً الأمر إلى هشاشةِ الأفكارِ والمصالحِ السياسيةِ التي دفعتْ بالعراق نحو الاحتراب.


    وإذا كان سلام ابراهيم يعنونُ روايته بـ (حياة ثقيلة) لم تعدْ جرّاء فعل القراءة ثقيلةً فحسب، بل حياة مركبة ومعقدة وصاخبة، هكذا تبدو عندما يتناول شخصياته بالوصفِ والتحليلِ، دون أن يغفلَ عن سلوكِ هذه الشخصيات ووظائفهم، وعلاقاتهم ببعضهم، مستثمراَ الحوافزَ الرئيسيةَ للفعلِ، كـ (الرغبة/ التواصل/ المشاركة)، والتي تدفعُ إلى علاقاتٍ تقاربُ بين الشخصياتِ الروائيةِ، وكلُّ هذا يتمُ بأسلوبٍ سرديٍ واقعيٍ بحيث يلتقي القارئ بنمذجةٍ حيةٍ للواقعِ، نمذجةٌ مدهشةٌ لدرجةِ أن ما يُقرأ يتمثلُ في الذهنِ بكلِّ أبعاده وخصائصه الدقيقة، بما في ذلك الصوت وملامح الوجه وطرائق التفكير، وهو يعطي أهمية كبرى للجسدِ معبرا خلاله عن الحالاتِ النفسيةِ والمشاعرِ المكبوتةِ.


    "أتذكر تفاصيل تلك اللحظة بوضوح، أصابعه الطويلة المرتجفة تباعد حافتي الورقة المدرسية المخططة، خلفه بستان نخيل كان وقتها يحاذي روضة الأطفال الوحيدة في المدينة التي حولها الحرس القومي المليشيا الأولى لحزب البعث إلى معتقل تعذيب... كانت عيناه الواسعتان تزدادان توقدا واتساعا كلما نزلتا مع الأسطر. قرأ الرسالة مرات غير مصدق، ثم رفع وجهه الذي شحب بغتة وبدأ يتصبب عرقاَ".


    ثم يجيء الفصلُ الثاني تحت عنوان (وينك يا بلدي؟) ليحفزَ على سؤالِ المعنى والتنقيبِ في المفكرةِ المجتمعيةِ، وهو يتراوحُ ـ كما في الفصلِ الأولِ ـ بين سردٍ موغلٍ بالتفاصيل الدقيقة وبين سردٍ مكثفٍ، هذا وإن سلامَ إبراهيمَ يمزجُ  بين اللغةِ الفصحى واللغةِ العامية كي يمدَ جسورَ التواصلِ بين القارئ والنصِ ويثيرَ متعةَ القراءةِ على النهجِ الذي كتبَ به روائيون سابقون كالروائي المصري نجيب محفوظ في ملحمته (الحرافيش) والروائي العراقي غائب طعمة فرمان في روايته (المخاض).


    ومن الطبيعي، في الفصل الثاني، أن يقص سلام إبراهيم تفاصيل تتعلقُ بصديقه "سعد" وزوجته التي "أخذته تماماً، فكفَ عن علاقاته العابرةِ بالنساءِ، ولم يلبثْ أن تزوجها بعد مشقةٍ"، والمدينةِ التي خبرَ المؤلف واقعها وظروفها، ليخلصَ بعد ذلك إلى توصيفِ مشكلةٍ اجتماعيةٍ عامةٍ، تكمن في تلك المعاناةِ التي لحقتْ صديقه سعد بعد أن تركَ زوجته في العراق ليأوي إلى وطنٍ يعصمه من الظلمِ، وإذ هي ترتبطُ بشخصٍ آخرٍ، بمعنى أنها تمنحُ جسدها لمن ترغب بالرغمِ من أنها متزوجة، حيث يبدو الموقفُ الأساسيُ هو موقفٌ حسيٌ، إنه موقفٌ متصلٌ كلّ الاتصالِ بالجسدِ والشهوةِ والغريزة.


    "لم تكن لدي في تلك الجلسة رغبة في الحوار وأنا مطحون بخبر خفوت نيرانك، كنت راغبا في التلاشي والغياب متخيلاً وضعك وضعي فماذا سأفعل لو فقدت زوجتي بهذه الطريقة؟". أما ما يتعلقُ بالمدينةِ، فينتقلُ سلام إبراهيم من أسلوبِ الوصفِ إلى الغنائيةِ، حيث يتحدثُ عن المدينةِ بطريقةٍ شعريةٍ.. "الزمن بدا لي متوقفاً، فالمكان نفسه، مدخل السوق نفسه، المقاهي نفسها، الرواد فقط من اختلف، الساحة الفاصلة بين بناية دائرة الأمن التي كانت تبث الرعب فينا ومدخل السوق الجانبي من جهة العم عارف نفسها، القلعة القديمة بنوافذها وأركانها المدورة... قلت مع نفسي مخاطباً الديوانية: ـ إذن.. أنت باقية ونحن نتوارى ونغيب!"


    بعد هذا يجيء الفصلُ الثالث والأخير بشخصياتٍ أخرى وبسردِ أحداثٍ تختلفُ عما كان عليه الفصلان الأول والثاني، تبدو أنها لا تلتقي في المنظورِ الخاصِ للرواية، مع أنها  تلتقي في المنظورِ العامِ، حيث تهيمن ثيمةٍ على فعلِ السردِ عند سلام إبراهيم، وهي ثيمةُ (العنف والحب) على غرارِ الرواية الروسية (الحرب والسلام) لتولستوي، فثمة تقارب رؤيوي بـتتابع صور الحياة التي تعيشها أجيال معينة، الشباب الذي يؤول إلى النضج والكمال، الفرص التي تلتقي أو تتعارض وتتجدد، الأمل الذي يزدهر ثم يذوي ليعاود الظهور في حياة أخرى، العمر الذي وهن وهو يتطلع الى شعلة الشباب مرة أخرى.


    إنّ الشخصية الرئيسية في الفصل الأخير تتمثل بـ (عبد الحسين داخل)، الشخصية التي تصدرت الإهداء في الرواية، وهي شخصية واقعية. يتحدث سلام إبراهيم عن علاقته بها، وبأسلوب درامي ماتع، يثير الإشفاق والخوف، الخوف من لجة الموت والإشفاق على حياة باتت ثقيلة.. "كنت مدركاً أن الأمر لا يتعلق بوجوده فقط لكن بكل تاريخه المهلك المعذب ونضاله من أجل البقاء حياً شريفاً وتفانيه من أجل إخوته وأبنائه فقد تمكن من الوصول بأختيه، وأخيه الى بناء بيوت عامرة برغم الجوع والحصار والهروب والسجن وكل شيء، والآن تضيع ابنته: ـ إلهي أين عدالتك؟!".


    يخضع تسلسلَ القصِ في الرواية إلى ترتيبِ فصولٍ أو أقسامٍ مستقلةٍ، فلكلِّ فصلٍ خصوصيةٍ متأتيةٍ من تنوعِ الثيماتِ الداخليةِ تبعاً لتنوعِ الأحداثِ واختلافِ الشخصياتِ المندمجةِ في الرواية.. وإذا اتجهنا نحو مسألةِ ترتيبِ الفعلِ داخلِ الزمنِ أو ما يصطلحُ عليه بـ (الحبكةِ)، نجدُ أن لكلِّ فصلٍ حبكةً تختلفُ عما في الفصلِ الآخر، لكنْ لا بمعنى أن هناك بدايةً ووسطاً ونهايةً وتدفقاً فعلياً يشي إلى السببية، بل بمعنى أن الزمنَ حاضرٌ يستمدُ الروائي منه جميع مفرداته.


    يتعرضُ الكاتب في روايته إلى قضية مهمة ألا وهي التحرر وتحليل النزوعِ الإنساني الذي يخفتُ تارة بسببِ الضغوطاتِ الاجتماعيةِ وحكم التقاليد والأعراف ويظهرُ تارة أخرى، متمرداَ على السائدِ واللامعقولِ، في مواجهةٍ صعبةٍ مع الحياة التي اختلفتْ معايرها وتحولتْ إلى قبوٍ مظلمٍ، وفضحُ السياساتِ التي دجنتْ المجتمعَ عبر شعاراتٍ زائفةٍ ودعاوى كاذبة لا تمتْ بصلةٍ إلى الواقعِ الإنساني، أو بتعبير سارتر: "أن نواجه هذا المنظر غير المتوقع، تعري دعوانا الإنسانية. هذه هي دعوانا الإنسانية مكشوفة العورات غير جميلة، إنها لم تكن إلا أيديولوجيا كاذبة، لقد كانت تسويغاً مزوقاً للنهب والسلب).