عراقي في باريس .. رواية لا بطل كوني دينه الحب

25/03/2015 - 11:59:30

صموئيل شمعون صموئيل شمعون

حمه سعيد حسن - ناقد كردي عراقي - ترجمه عن الكردية: حسين عمر - مترجم كردي سوري

    "عراقيٌّ في باريس"، رواية طافحة بالصدق، موسيقى شعرية متناغمة، صورة شعرية متلوّنة، مسرحٌ شعري نابضٌ بالحركة، وكذلك يُعرف الشعر، الذي هو صورة بالكلمة، بأنّه أرفع الفنون. حينما ينغرز الشعر كسيفٍ من الشعور في القلب يبقى خالداً إلى الأبد حتى وإن لم يتبقّ من الشاعر، كجسد، أيّ أثر.


    الشعر هو قمّة الإبداع، لذلك يثير في وجداننا الحوار الأكثر حرارة والأكثر عمقاً. إنّ النزعة الشعرية في الرواية تتجلّى في التكثيف والاختزال، ولذلك يمكن لرواية ألا تتضمّن بيتاً شعرياً واحداً ولكن لغتها تكون شعرية. إذا كان أهمّ شاعر آشوري في العراق هو سركون بولص، فصموئيل شمعون هو الآخر أهمّ روائي اشتهر بين آشوريي العراق.


    رواية "عراقي في باريس" التي صدرت باللغة العربية عام 2005 وتُرجِمَت إلى الإنجليزية والفرنسية والسويدية وكذلك ترجمها، مؤخّرا الضليع (صباح إسماعيل) بأمانة إلى لغة كردية نقية وفصيحة، هي رواية في أوجه كثيرة منها فريدة من نوعها. الشخصية الرئيسية فيها والتي هي شخصية الراوي والكاتب أيضاً ليس بطلاً، إنّها شخصية معادية للبطولة، شخصٌ بائس ومنكوب، هاربٌ ولاجئ، شخصية مضّطهدة تتعرّض باستمرارٍ للظلم ليس له من تأثيرٍ يُذكَر.


    رواية "عراقي في باريس" هي سيرة ذاتية أو رواية تسير بساقين، الصراحة والجرأة، ليست الجرأة في الحياة وإنّما في السرد، يسرد الكاتب حياته بجرأة وبصدقٍ قلّ نظيره، سردٌ هو نموذجٌ رفيعٌ لجرأة التعبير، تتشابه بيوغرافيا الراوي مع سيرة سيزيفٍ حقيقي، سيزيف توصله تلك العثرة إلى مرحلة اليأس ومن ثمّ يحاول من جديد. لا يسعى الراوي إلى إظهار نفسه كبطل، وإنّما يكتب بجرأة فائقة انكساره، مثلما لا يخفي بأنّه قد تأثّر في حياته الأليمة بكلٍّ من فيكتور هوجو وهنري ميلر ولذلك سار على دربهما وأفشى الحقائق دون تحفّظٍ.


    تتشابه رواية "عراقيٌّ في باريس" في أوجهٍ كثيرة مع رواية "الخبز الحافي" في حين أنّ الاختلاف الأكثر وضوحاً بين الروايتين هو أنّ صموئيل شمعون يتحدّث باحترامٍ وتقدير عن والده (الأصمّ والأبكم) في حين أن محمد شكري (1935-2003) يتحدّث باستخفافٍ عن والده. من المهمّ للغاية أن يكون الكاتب جريئاً وصريحاً، ولكن كتابة الراوية فنّ أكثر مشقّة من كونها مجرّد صراحة وجرأة.


    تتألّف روايته من ثلاثة أقسام، يتحدّث القسم الأوّل عن شابّ يغادر العراق في سبعينيات القرن الماضي ويعيش لعدّة سنوات في دمشق وعمّان وبيروت والقاهرة ونيقوسيا وتونس. في القسم الثاني، تتناول الرواية استقرار الشخصية الرئيسية في باريس، أمّا القسم الثالث فيتناول بيوغرافيا الشخصية ذاتها في طفولتها في مدينة الحبانية حيث كان يعمل بائعاً متجوّلاً. القاسم المشترك بين الأقسام الثلاثة للرواية هو شخصية كانت مغرمة في طفولتها بالسينما ومن ثمّ يجد نفسه قادراً على أن يكون سينمائياً ويكتب السيناريو لفيلمٍ سينمائي.


    لم يكتب الروائي أحداث روايته في سياقٍ من التسلسل الزمني المتعاقب بل استفاد من تقنية فلاش باك بحيث تتداخل الأحداث زمنياً ويبقى الراوي في سرده محافظاً على نزعة التسامح والاعتراف بالآخر المختلَف ويتحاشى الوقوع في فخّ الانتقام. يبقى الكاتب لسنوات في باريس دون أن يتمكّن من تأمين مكانٍ يأوي إليه فينام في الشوارع وفي محطات المترو، ولكنّه لا يعاتب أحداً ولا جهةً في تعرّضه لتلك الأوضاع المزرية. بالإضافة إلى رسالة التسامح، يسعى الكاتب أيضاً إلى أن يقول لنا على نحوٍ غير مباشر: ليس كلّ جمالٍ أمرٌ إيجابي، ولا كلّ تذوّقٍ أدبي له علاقة بالأخلاق الحميدة. "أن الإنسان عندما يجد نفسه ملقى في الشارع، لا يكون أمامه إلا أن يلعب دور شهرزاد. عليه أن يؤجل الألم. على المشرد أن يكون ذكيا مثل شهرزاد ألف ليلة وليلة، أن يروي أحلامه وأوهامه ليغوي أسفلت الشوارع، ومصاطب الحدائق العامة، ومحطات القطار، ورياح الشتاءات القاسية وكذلك معدته، حينها سيرى المصاطب وقد أصبحت فراشا من ريش النعام، والريح الباردة ستمر من حول جسده بدفء وحنان".


    "عراقيٌّ في باريس" عبارة عن تجديدٍ في فنّ السرد، ليس لأنّ صموئيل شمعون وضع منهجاً جديداً، بل بدأ بكتابة الرواية من نقطة الصفر ولم يأخذ أيّ شرطٍ من شروط الرواية الكلاسيكية أو الحديثة بعين الاعتبار، مثلما لم تكن لديه النية في أن يكتب شيئاً نقيضاً للرواية، إنّها (حيلة) فنية في غاية البراءة وكذبة بيضاء ناصعة بحيث لا يمكننا أن نشعر بأنّه يكتب رواية إلا بعد الانتهاء من السرد، حيث أنّه يتحدّث طيلة نصّه بأّنّه يعمل على كتابة سيناريو فيلمه. تتجلّى لهفة الكاتب لكتابة السيناريو في وهج سرده، لقد روى، كبارعٍ في كتابة السيناريو، ذكرياته. لقد أحسن القول حينما قال: "الله هو السيناريست الأعظم، خالق هذا الفيلم الذي نحيا فيه جميعا".


    كان الكاتب لا يزال في الثانية عشرة من عمره حينما يستولي حزب البعث على السلطة وبذريعة أنّ الحبّانية قاعدة عسكرية ومنطقة حسّاسة يتم هدم بيته وترحيله عن موطنه. ما يميّز صموئيل شمعون عن سواه من الكتّاب العرب الذين كتبوا سيرهم الذاتية هو أنّه لا يقدّم نفسه كبطل ولا يعتبر نفسه دائماً على حق ولا يزعم بأنّه قد توقّع مسبقاً الأحداث ولا يستخفّ بهذا ولا بذاك، ولذلك لا أكون قد جانبتُ الحقيقة إن قلت بأنّ الصدق ينساب من كلّ روايته. أحد أكثر جوانب روايته إشراقاً هو أنّها قد كُتِبت بعفوية وبلغة الشارع، لغةٌ قريبة من نبض قلوب الناس، لغةٌ ليس فيها أيّ تعالٍ أو تصنّع. وعلى الرغم من أنّ رواية "عراقيٌّ في باريس" هي سيرة ذاتية، إلاّ أنّها مليئة أيضاً بالقصص، تماماً مثل شهرزاد في ألف ليلة وليلة، يروي صموئيل شمعون حكاية بعد حكاية، رواية مشبعة بالخيال والأسطورة، ما هو واقعيٌّ فيها هو أنّ والده ووالدته قد فرّا مراهقين يتيمين بسبب تلك المجزرة التي أُعدّت للمسيحيين والتي شارك فيها أيضاً بعض الخونة من الكرد في الربع الأوّل من القرن العشرين. أولئك الذين كان والداه من ضحاياهم، كانوا قد ولدوا كمسيحيين، الآن هو بنفسه يقول: "أنا إنسان، إنسانٌ كوني، إنسانٌ لا دين له، لستُ متعصباً لأيّة قومية" .يقول لنا الراوي بطريقة فنية: ديني هو الحبّ، الدين والقومية هما نسل الجغرافيا وهو لا يفتخر بالانتماء إلى أيّ دينٍ أو أيّة قومية.


    في تاريخنا القديم والحديث، تحوّل الكرد إلى ملاقط في أيادي جيش الخليفة، في أيادي المحتلين العرب والفرس والأتراك وشاركوا في إبادة أبناء المنطقة بل والكرد أيضاً. هذه حقيقة ويجب أن نعترف بها ونطلب المغفرة من أولئك الذين تضرّروا من الخونة الكرد. يجب أن نعترف بأنّ المسيحيين هم من سكان المنطقة الأصليين.


     لقد قرأتُ الكثير من الروايات، لا أتذكّر أنّ في أيّ منها، شُرِب هذا القدر من البيرة كما شُرِبَت في هذه الرواية. لا بدّ أنّه لم يبقَ بارٌ في باريس لم يشرب فيه الراوي البيرة. (وحدها ورقة الخريف النائمة تحت المطر، تعرف عطشي) وكأنّ النيران متّقدة في داخله ويُطفئها بالبيرة. (لولا وجود الوهم، لكانت الحياة جحيماً حقيقياً) ذاك الوهم الذي ينجد الكاتب، يمنح حياته أملاً، سيصبح ذات يوم سينمائياً. (إن الألم، هو ما يدفع المرء لأن يكون مهرجا) على الرغم من أنّ الراوي يمضي حياةً مليئة بالآلام والأوجاع، إلاّ أنّه يحتفظ في أعماقه ببريق الهزل. إنّ رواية "عراقيٌّ في باريس" التي تذكّرنا برواية "مدار السرطان" لهنري ميلر (1891-1980) لا سيما وأنّ في كلا الروايتين يتم مزج السيرة الذاتية مع القصّة والنقد الاجتماعي، هي أرفع نموذج للأدب الإنساني في المهجر كتبها عراقيّ، إنّها رواية تعلّمنا منذ بدايتها وحتى نهايتها أن نفكّر كبشر ونتصرّف كبشر. ربما نكون قد عشنا حياة مليئة بالأحداث المهمّة إلاّ أنّها لا تؤهلنا لكتابة سيرة ذاتية تثير اهتمام القارئ، المهم في الأمر هو أن نكون مثل صموئيل شمعون بارعين في فنّ السرد.


    (صدرت الترجمة الكردية لرواية "عراقي في باريس" عن مركز إنديشة، 2014، في مدينة السليمانية، العراق. بترجمة صباح إسماعيل، الذي ترجم من قبل رواية علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان". وعدة روايات عربية)