باب الظلام

25/03/2015 - 11:58:19

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

سلام إبراهيم - روائي عراقي

أقفلتُ بابَ غرفتي قائلا:


- دعوني أرتاح!


    ورميتُ جسدي التعبان على سريرٍ يشغل نفس موضع سريري لصق الجدار المجاور للباب المفتوحة على الصالة التي أقفلتها للتو.


    - ها أنتَ يا "سلام" عدت إلى رحمك، غرفتك المشتركة مع أخيك "كفاح" الذي يصغرك بثلاثة أعوام. ها هو الحلم الذي دَهْوَرَ أحوالك في المنفى وجعلك غير قادرٍ على الصحو يتحقق، هاأنتَ تتملى الغرفة، جدرانها، بابها الخشبية القديمة. لم يتغير شيء عدا الأثاث، مكتبتك التي نجرها والدك والمعلقة طوال الجدار الراقد تحته اختفت، سرير أخيك المقابل حل محله خزانة ملابس ابن أخيك الصغير.


    تخافتَ ضجيجُ العائلةِ المكدسةِ في الصالةِ والغرف الأخرى قليلا. قليلا إلى أن حلَّ صمتٌ أخذني إلى صمت تلك الليالي، ليالٍ أبعد من زمن هذا البيت، كنا لم نبنيه بعد، كان ذلك في ستينيات القرن الماضي، إذ انتقلنا إلى هذا المكان بعد مشادات ومشاكل مع أعمامي في بيت جدي الكبير وسط المدينة، فأشدنا على هذه القطعة التي تبلغ مساحتها مائتي متر مربع غرفتين؛ الأولى تطلُ على الشارع بنافذتين عبارة عن فتحات أربع بحجم قطعة من الآجر، وحوش كبير في نهايته بَنَتْ أمي بمساعدة عامل فقير غرفةً من الطينِ نستخدمها كمطبخ وحمام ومخزن. هاأنذا أراها الآن أمامي وهي تشد حزامها وتخلط الطين وتناوله للعامل الذي يرتب الجدار، تتصبب عرقاً متجهمة القسمات، خفيفة الحركة، وعقب أيام أربعة قامت الغرفة، فارتسمت البسمة على وجه أمي. ها هي تقوم في الصمت أمامي وكأن ما حدثَ حدث بالأمس فقط، تضعني عارياً في الطست النحاسي المدور الكبير، في عتمة غرفة الطين التي بلا نافذة، وعلى ضوء الفانوس الضعيف تبدأ بسكب الماء على رأسي، وفرك جسدي بالصابون فركاً متأنياً، لتحملني عقب التنشيف إلى الغرفة الأخرى.


    تفعل ذلك ثلاث مرات في الأسبوع شتاءً، ويا لتلك الشتاءات الباردة الماطرة، كنت أتضايق من أيام المطر إذ تتحول ساحة البيت الترابية إلى وحول. بينما الغرفة الوحيدة لا تدفئها منقلة الجمر الصغيرة، ولا أجسادنا المحشورة على الفراش الممتد من سرير أمي وأبي وحتى بابها المفتوح على الساحة الموحلة، فنلتصق ببعض تحت الغطاء بحثاً عن الدفء. أما في الصيفِ فالأمرُ أهونَ إذ كنا نتكفل الأمر بأنفسنا؛ نأخذُ حماماً في ساحةِ البيتِ الفسيحةِ عند اشتداد الحر في الظهيرة، وننتشر فيها بين الغرفتين عند أقدام سرير أمي وأبي الذي يخرجوه من الغرفة، وينصبوه عند حافة حديقة صغيرة، تجاور غرفة الطين، زرعها أبي خضروات وشجيرات ورد، يتأملها مساءَ كل يومٍ وهو يرتشف من كأسه بعد أن يفرغ من سماع أخبار إذاعة لندن التي لا يصدق إذاعة غيرها.


    في صبيحة باردة من شهر شباط 1963 لم توقظني أمي للذهاب إلى المدرسة كان يوم جمعة، فبقيت نائما حتى الظهيرة، وحينما استيقظت وأردت الخروج إلى الشارع منعني أبي قائلاً:


- لا تخرج، ممنوع التجوال!


- ليش؟


- انقلاب عسكري بابا!


    لم أفهم شيئاً بادئ الأمر، ورأيتهم؛ أبي وأمي وإخوتي الثلاثة يجلسونَ حول منضدةٍ صغيرةٍ عليها مذياع خشبي قديم يستمعونَ إلى أناشيد حماسية وبيانات، وقتها لم أفقه منها شيئاً، لكن نشيد واحد ظل عالقاً في ذاكرتي حتى الآن، وأكاد أرتعد كلما تذكرتُ صوتَ المجموعةِ وهي تهدر بأصواتٍ ارتبطت بقسوة تلك الأيام؛


(الله أكبر.. الله أكبر


الله أكبر فوق كيد المعتدي


والله للمظلوم خير مؤيد


أنا باليقين وبالسلاح سأقتدي


ونور الحق يسطع في يدي


قولوا معي.. قولوا معي


الله.. الله.. الله أكبر


الله فوق المعتدي).


    يَنهَدُ أبي شتماً ويدّور بكرة المذياع فيتحرك المؤشر الداكن في لوحة الأرقام باحثاً عن إذاعته المفضلة مرددا:


- ما راحْ نعرفْ حقيقيةْ ما يجري إلا لمنْ نسمعْ نشرةْ أخبارْ لندن!


    ولكن صوت مذيعها يضيع بين موجات الأصوات والضجيج المبهم بتداخل لغاتٍ مختلفة مع موسيقى وأزيز.


- أش يجيبْ المغربْ حتى تصيرْ واضحةْ!


    يقول ذلك بغضب، ويرجع المؤشر على إذاعة بغداد الضاجة بأناشيد حماسية وبيانات يتلوها المذيع في صوت جهوري متحمس يزيد من هلع أمي وأختي الكبيرة "ساجدة" بينما يوقد غضب أبي فيرعد ويشتم:


- كلاب.. كلاب معقولة قتلوه وسيطروا على السلطة.. معقولة!


    كان يقصد "عبد الكريم قاسم" الزعيم الأوحد وقائد ثورة 14 تموز 1958.


    كان الوقت ثقيلاً. أحسست بأنني مسجون. حاولت التسلل من الغرفة مستغلاً جدلا ثار بينهم لم أفهم منه شيئاً، بلغتُ بابَ البيت الخشبي وفتحتهُ، وجدتُ الشارعَ خاوياً موحشاً والجيران يختبئون خلفَ الأبوابِ بينما اختفى ضجيج المدينة المألوف. عبرتُ العتبة مسحوراً بالجو الجديد الغريب، وما أن ابتعدتُ عدة أمتار حتى سمعت صوت أمي الحازم يأمرني بالعودة، فتوقفت والتفت وجدتها تؤشر بيدها وتردد بصوتٍ خفيض يشي بخشية غامضةٍ:


- يمه أرجع.. أرجع!


    داخلني خوف مبهم، فرجعتُ ودخلتُ البيتَ، كانَ المساء يزدهر في الزوايا والظلال والغرف، وأسرتي أصابها الخرس بينما كان أبي ينصت لنشرة أخبار لندن ضارباً فخذيه العاريتين بكفيه المفتوحتين بين الحين والحين لاعناً غباء الشيوعيين الذين فرطوا بالسلطة:


- عرفناها هذا تاليه أنطوها للعفالقة السفلة!


    ورويدا.. رويدا بدأت أفهم فداحة ما حدث، إذ لم أعد أذهب إلى دكان عمي "خليل" الحلاق وسط المدينة كما أفعل كل يوم عقب عودتي من المدرسة، ولم أعد ألعب مع رفاق طفولتي في الشارع، وعدت أنصت وأنصت للقصص والروايات التي تأتينا من الجيران، ومن بعض الغرباء الذين يحّلونَ في بيتنا ليلاً ويختفونَ قبيل الفجر، وكانت الأخبار التي يروونها لأبي مرعبةً، كانوا يشاركوننا الأكل والكلام ويجلسونَ معنا بوجود أبي وأخواتي وأمي دون حرجٍ أو خشية، كنت أسمع أسماء رجال ونساء أوقفهم الحرس القومي في روضة الأطفال الوحيدة وقتها والواقعة على نهر الديوانية، عن طرق تعذيب فظيعة، رجال يعلقون بالمقلوب في مراوح السقوف، يجّلسون عراة عنوة على أفواه قناني زجاجية مكسرة، عن صمود رجال ونساء يسمونهم رفاق، عن موت أحدهم تحت التعذيب، قالها زائر بصوت حزين وبكى، سأعلم لاحقاً أنه معلم يدعى "جبار شبرم" شيوعي قتلوه ودفنوه سراً خارج المدينة خلف معامل الآجر على طريق الدغارة، سيعترف القتلة حينما انقلب عليهم "عبد السلام عارف" وتقوم السلطات بحفر مقبرة جماعية دفنوا فيها العديد من الرجال الغرباء عن المدينة بينهم فتاة يقال إنها من البصرة كانت معلمة في مدينة أخرى. ومع تواتر الأخبار التي يأتي بها الضيوف الغامضون، بدأت أكتشف سر هلع أمي وأختي وغضب والدي الذي راح يشرب من جديد كل ليلة ومع حلول المساء يحضر فأس النجارة يمسكها بقوة ويقول لأمي:


- اسمعي ما واحد يأخذكن وأني حي، أقتل منهم واحد اثنين ويقتلوني وما يحدث بعدي ما يهمني!


    وكان كلما سمع ضجيجاً في الشارع يحمل فأسه ويخطو بحذر إلى مدخل البيت، ويتلصص من ثقوب الباب الصغيرة ويلبث جامداً. كنت أتسلل من الغرفة خلفه، وأطل من فتحة الدهليز القصير، فينتبه لي ويؤشر دون أن يرفع صوته كي أعود إلى الغرفةِ. كانَ قلبي يهبط إلى قدمي ويضج بنبضاته متخيلاً المشهد الذي رسمه أبي بجملته القصيرة، أتخيلهم وهم يقرعون الباب حاملين بنادقهم "البور سعيد"، بملابسهم الكاكية، ووجوههم المتجهمة، بشواربهم الطويلة الكثيفة المثنية إلى الأسفل من الجانبين كرقم 8، والتي عدت أراها في السوق والشوارع والمدرسة مع رفع حظر التجوال الصباحي، يطلبون من أبي الدخول فيضرب الأقرب إليه على رأسه بالفأس، يشهرون السلاح ويردونه فيسقط نازفاً فيدخلونَ ويأخذونَ أمي وأختي الكبيرة وسط صراخ أخوتي وأخواتي.


    مشهد مريع ظللتُ أرسمهُ، بأشكالٍ وسيناريوهات مختلفةٍ كل مساء مكتشفاً سر ذلك الخوف، فقد كانت تصحبني أمي إلى مقر رابطة المرأة العراقية في مدخل شارع السراي مقابل "جامع الحاجم القديم" كان مكتظا بالنساء، وكانت أمي من الشخصيات المحورية هي وأختي الكبيرة ساجدة، وكنت أجلس وسطهن وهن يعّلمنَّ النسوة الفقيرات الخياطة بمكينة "سنجر" التي وقتها كانت جديدة، وكان الجو في المقر ذاك وسط النسوة مشتعل بالفرح والضحك والانطلاق وكنت أشعر بلذة غامضة ظلت تضيء ذاكرتي وأحنّ إليها حتى الآن.


    أدركت وقتها أن عائلتي أجمعها متورطة في السياسة، وتعمل في الحزب الشيوعي. بينما اعتقل الحرس القومي عمي "خليل" وعمي "موسى" ووضعا في موقف حي العصري المجاور لمدرستي الابتدائية "الثقافة". لازمني الهلع ومخيلتي الشاطحة مساء كل يوم، وأبي يخفي الفأس تحت المخدة، ويعب الكأس تلو الكأس، متابعاً أخبار إذاعته المفضلة، ويهرع مع اقتراب ضجة أقدام من باب البيت، حاملاً الفأس وكامناً خلف الباب، وفي كل مرة ألحقه حتى فم الدهليز، فيزجرني بالإشارة وهو ينظر من ثقب رتبه بخبرة نجار عتيد، بحيث يشرف على المسرح القريب من الباب. ولم أتخلص ويتخلص وتتخلص العائلة من هذا الرعب والاحتمال إلا بسقوط الحرس القومي في 18 تشرين 1963.


  (فصل من رواية "دونت إسبيك أسطب" قيد النشر)