بين السينما والواقع .. غابت الأم .. فظهر الدواعش

23/03/2015 - 12:53:20

فردوس محمد فردوس محمد

كتب - د . حسن عطية

ما أنبلها أيام عشنا أجمل ما فيها، وعايشنا أرق ما طرحته من رحمة ومودة ، كنا ندلف أطفالا لصالات السينما لنتعبد فى محراب الأم الحنون، ونتعلم كيفية الالتصاق بها ، والنوم بين جفنيها ، كانت تبكينا الرائعة (أمينة رزق) وهى تجسد شخصية الست "خديجة" التى ظلمها الريس عبد الواحد وألصق بها تهمة سرقة المصنع الذى تعمل به فى فيلم حسن الإمام الميلودرامي (بائعة الخبز) ، فتسجن لتخرج من السجن مصرة على البحث عن أبنائها المشردين فى غيبتها ، وكنا نلتف حول أنفسنا صبية متعلقين بصوت "أمينة" وهى تحبو على أولادها وتتحمل مسئولية حياتهم فى فيلم صلاح أبو سيف الواقعي (بداية ونهاية)، وتشرئب أعيننا نحوها وهى تتصدر الكادر ساعية لاحتواء الجميع بأحضانها .


لم تمنحها السماء حق الأمومة ، مثل "أمينة رزق" لكن "فردوس محمد" صارت على الشاشة أما لكل المصريين، كنا نهفو لخطواتها الواثقة على الشاشة كأم تحافظ على ابنها الشاب الريفى "إمام" (شكرى سرحان) وتنقذه من غواية المعلمة "شفاعات" (تحية كاريوكا) فى (شباب امرأة) ، وأم للفتى "رجب" (عمر الشريف) العاشق لابنة خالته "حميدة" (فاتن حمامة) والتى تقف إلى جوارها كى تعيدها إليه، وتكشف له عن أن غريمه - أحمد رمزى - على الفتاة ليس سوى شقيقه فى (صراع فى الميناء) ، ونزهو بها وهى تمنح ولديها "على" (شكرى سرحان) و"حسين" (صلاح ذو الفقار) كل الحب الذى يدفعهما للتقدم فى دراستيهما ، والتفوق على أقرانهما الأثرياء ، وهما مجرد أبناء الريس "عبد الواحد" (حسين رياض) خولي جنينة الباشا ، وكنا نضحك بقلب شفاف عليها وهى تقوم بدور الجارة الحانية على الفتاة الفقيرة "سوسن (فاتن حمامة) ، وتصر على الذهاب معها إلى الحى الراقي لحمايتها فى سهرة راقصة ، فيطلب منها (استيفان روستى) أن ترقص معه فى حفل بفيلم (سيدة القصر) ، فترد عليه ببراءة المرأة الشعبية "طب ما ترقص يا خويا حد منعك" ، فيأتيها رده الساخر "طب عن أذنك .. أروح أتحزم وأجيلك" .


كانت الأم حنونة على الشاشة ، لأنها كانت كذلك على أرض الواقع ، كنا نبجلها ونحترمها ، ونقف إلى جوارها وهى تبخر زوجها السيد "أحمد عبد الجواد" فى رحلته لطنطا ، بأداء رائع للعظيمة "آمال زايد" ، ونبتسم لبراءتها وهى ترقيه أثناء نزوله على السلالم حتى باب البيت بقوله تعالي "ومن شر النفاثات في العقد" ، ثم يدفعها أولادها لزيارة الأولياء ، فتكسر رجلها فى أول خروج لها دون أذن الزوج القاسى داخل بيته . وكذلك كانت الأم الرءوم على الشاشة"عزيزة حلمي" ، وهل يمكن لأحد نسيان دورها الرائع فى مسلسل (دموع فى عيون وقحة) ، حيث جسدت دور أم "جمعة الشوان" (عادل إمام) الخائفة عليه ، والمحتضنة لزوجته "فاطمة" (معالى زايد) التى فقدت بصرها فى غارة إسرائيلية على مدينتها الساحلية أثناء عدوان67.


ثم جاءت السبعينيات اللعينة، وغرق المجتمع فى انفتاح استهلاكي فاسد ، صنع نوعا من الشعور بالحرمان لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة مقارنة مع الانفتاحيين الذين شكلوا طبقة جديدة من المماليك الجدد ، مما حفز الطبقات الفقيرة والمتوسطة للرحيل لصحراوات الجدب الثرية ، فغاب الأب ، وتحول بالنسبة للأبناء إلي مجرد حوالة بريدية أو شيك بنكي ، وحاولت الأم أن تلعب دور الأب والأم معا ، وحاولت الشاشة السينمائية والتليفزيونية أن تعبر عن هذا الدور المزدوج ، لكن سرعان ما اجتاحت المجتمع ثورة تكنولوجية من منتصف التسعينيات هزت كيان الأسرة بدخول الموبايل والنت وشبكات التواصل الاجتماعي التى ألغت الحوار داخل الأسرة ، وصنعت عوالم افتراضية يعيشها كل فرد فى العائلة منعزلا عن الآخرين ، فتفسخت العلاقة بين الأجيال ، وظهرت الأفلام التى تسخر من أغانى "عبد الوهاب" و"أم كلثوم" وأشعار أمرؤ القيس وأفلام "نجيب الريحاني" وكل رومانسيات الأمس ، وشوهت الكوميديا صورة الأم ، وصارت البطولة على الشاشة للشباب المعلق فى الفراغ ، فلا أسرة له ، ولا بيتاً يأويه ، بل مجرد كائنات فردية تعشق وتتصارع فى الشوارع وداخل أروقة الجامعة .


غابت الأم ودورها الفاعل فى لم شمل الأسرة ، وتحول الإنسان إلى فرد غير منتم لعائلة ، وبالتالى لمجتمع ووطن ، فكان من السهل اصطياده لبث الأفكار المضادة للأسرة والوطن ، فتحول لداعشى صغير فى صورة عبوة متفجرة ، يفجر بها الغير ، أو ينفجر بينهم ، وتغافل المجتمع نفسه عن أن الأم هى تلك المدرسة التى كان عليه ألا يهملها وأن يعدها جيدا ليعد بها شعبا طيب الأعراق ، كما قال "شوقى" منذ قرن من الزمان ، فهل يمكن لنا ونحن نحتفل بعيد الأم والأسرة والمجتمع ، أن نعيد للأم دورها الحقيقى فى الحياة ؟ ، وهل يمكن لصناع الدراما السينمائية والتليفزيونية والإذاعية والمسرحية أن يعملوا على استعادة الدور الفاعل للأم على الشاشة وفضاء المسرح ، كى يكون للدراما دورها المؤثر فى الواقع ، وليس مجرد نقل الواقع بتشوهاته على الشاشة أو بفضاء المسرح ؟


أمنية وأمل ودعاء للأم المصرية أن تعود إلينا كى نتقدم معها ويتقدم الوطن.