قريبا من المشهد الروائي العربي

20/03/2015 - 3:42:15

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

    لا أحب التسلح بأقوال مأثورة، ولكن مقولة د. هـ. لورانس شغلتني، منذ وقت مبكر، قبل أن تحجز لي الأقدار مكانا في هذا الفضاء الروائي الوسيع، يقول: «إني أعتبر نفسي، لكوني روائيا، أرفع شأنا من القديس والعالم والفيلسوف والشاعر، فالرواية هي كتاب الحياة الوحيد الوضاء». لم يتخيل لورانس أن تمس غواية الرواية بعض الحكام.


    الرواية جسر حميم يتواصل عبره الباحثون عن الدفء الإنساني، ومن يحنون على الضعف البشري، ويرغبون في مد أيديهم إلى مأدبة فيها صنوف الجمال، جهزها بمحبة الموهوبون، لا الراغبون عن الجمال من كارهي الحياة.. المستضعفين والطغاة معا. حين يطول الأمد على الطاغية، ويفاجأ بأنه وحيد، محاصر ومعزول، لا يجد لنفسه ملجأ إلا الرواية. يترفع عن الجلوس في مقعد القارئ، فيقفز متخذا موقع «الكاتب»، ويسطر صفحات يسميها رواية أو قصة. هكذا فعل صدام حسين ومعمر القذافي، وكاد يفعلها بعض رجال حسني مبارك لولا أن أنقذتنا ثورة 25 يناير 2011.


    هكذا أيضا يستجيب لفتنة الرواية، ببراءة مضحكة أحيانا، بعض مخرجي الأفلام، وبعض «الخبراء».. خبراء الصحافة، وخبراء النقد الأدبي، وخبراء تحقيق التراث، وخبراء الترجمة، وخبراء القانون، وخبراء «الدعوة» محترفي دعوة المسلمين إلى الإسلام.


    لا يخلو الأمر من حنين مفكرين ونقاد مرموقين إلى كتابة رواية، لعلها استراحة محارب. هكذا فعل أو تمنى أن يفعل كثيرون: محمود أمين العالم، وفاروق عبد القادر، وإدوارد سعيد الذي حدث بعض أصدقائه عن شروعه في كتابة رواية، ثم مزق ما كتب، وربما كتب فصولا في رواية أخرى وتخلص منها، إذ رثاه محمود درويش بقصيدة «طباق»، وفيها يسأله:


هل كتبتَ الرواية؟


......


وماذا فعلتَ؟


«ضحكت على عبثي


ورميت الرواية


في سلة المهملات


المفكر يكبح سرد الروائي


والفيلسوف يشرح ورد المغنِّي».


    لا أريد لهذه الافتتاحية أن تطول، فتحول بين محبي «الرواية» وما سمحت إمكانات «الهلال» بنشره من مواد بلغت 55 (؟؟؟ سنتأكد)، تشمل دراسات وشهادات ونصوصا جديدة تدفعنا للزعم بأن هذا العدد ربما يصبح سجلا يرجع إليه من يريدون معرفة الحالة الرواية العربية.


    خططنا لننشر دراسة بانورامية عن ملامح ما بلغته الروائية العربية، تليها دراسات عن المشهد العام في كل بلد، ثم قراءات في روايات حديثة، ولكن.. ما كل نتمناه ندركه.


    هذا العدد الخاص بداية، سيليها اهتمام خاص بالإبداع، وفي القلب منه الرواية التي سحبت البساط من فنون الكتابة الأخرى، في ظل ضغوط كونية قاهرة تدفع الفرد للشعور باليتم، وانتظار من يهديه خيالا، «رواية» تمنحه أسبابا للمتعة والقلق، ثم اللهاث وراء معرفة مصائر أمثاله القلقين الباحثين عن يقين، في أماكن أخرى، قصية، يقربها خيال المبدعين إلى قراء ربما لم يولدوا بعد.


    صارت الرواية عروس الإبداع، وحققت نبوءة نجيب محفوظ، حين راهن على مستقبل هذا الفن، وكرس له حياته، بعزيمة لا تبالي بتجاهل النقاد، وهجوم عباس العقاد الذي استهان بالرواية، ورأى أنها دون الشعر، بل شبهها بقرن الخروب «قنطار من الخشب ودرهم من الحلاوة»، فكان رد محفوظ الشاب، قبل سبعين عاما: هذا العصر وجد «بغيته في القصة... هي شعر الدنيا الحديثة... أبرع فنون الأدب التي خلقها الإنسان المبدع في جميع العصور».


    ثم شهد محفوظ نبوءته تنمو وتثمر، وأجيالا جديدة تتمرد عليه، وبعضهم زعم أنه تجاوزه، ثم صمت عن هذا الادعاء لسبب لا يخص أدب محفوظ، وإنما لأن جائزة نوبل فاجأت الجميع، وطرقت باب الراهب، عن استحقاق، وصار مشروعا استثماريا.


    في هذا العدد إضاءات يستعاد بها ومعها الطريق إلى القاهرة، أسهم بها أدباء ونقاد يكتب يعضهم في «الهلال» ومصر للمرة الأولى، في صحبة مبدعين مصريين من أجيال مختلفة، بعضهم تجاوز التسعين (شريف حتاتة ويوسف الشاروني) وشهد تحولات وثورات، منذ انتفاضة العمال والطلبة عام 1946، وبعضهم أنضجته ثورة 25 يناير، مثل الشاعر الروائي المعتقل عمر حاذق.