حكاية العربي الأخير .. عزلة الذئب

20/03/2015 - 3:41:14

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

واسيني الأعرج - روائي جزائري

   أخيرا انتهت عاصفة العدّ والحسابات القلقة، ولم يبق إلا هو.


   صمت مثقل برائحة الموت، ورائحة آدم وحده، مزيج من عطر التراب وصدف البحر والحلزون الميت والرطوبة.


  مشى قليلا بخطوات غير ثابتة. لم يعد يرى شيئا، الأمطار مثل سحابة ثقيلة، غطت على كل شيء، حتى الزاوية الصغيرة، بمحاذاة العمود الكورنثي القديم، من بقايا بناء روماني انقرض، التي كان آدم يتخفى بجانبها عادة، كلما انتابته رغبة الخروج من عفن صمته وعزلته وحتى خوفه الذي ينتابه من حين لآخر.


   يتمادي الليل في سواد، كتلة من الرصاص مفرغة من أي حلم.


  كل شيء ما يزال في مكانه الأول، كما في بدء الخليقة. حتى صوت الكمان الحزين المنبعث من فراغ ما، ربما من داخله، لم يتغير إيقاعه منذ سنة، وربما أكثر، من قرن؟ حتى ألفه وأصبح جزءا من الديكور العام، وفوضاه الداخلية التي تنتظم فجأة كلما انتابها حنين قديم لأشياء لم تعد اليوم موجودة. الحديث عنها وحده يضع صاحبها في صف المجانين.


   تشمم المكان وكأنه يرتاده لأول مرة، كما يفعل عادة كلما سمع أو رأى المطر يسقط. ثم عطره الذي أصبح يشبه رائحة الذئاب من كثرة عفن المكان ورطوبته.


  الليل يزداد توحشا وضراوة.


   أصوات تأتي من بعيد، ربما من الرمال التي تحاصر هذا المكان المعزول من كل جوانبه كما في صحراء التتار[1]، لا هو سناتوريوم للراحة بعد عملية دقيقة، لأنه ضخم وحيطانه سوداء كأنها نجت من قصف جوي مدمر أو من حريق مهول. ولا هو مستشفى عادي خاص بمرضى معزولين عن بعضهم البعض خوفا من العدوى. لا أحد في هذا المعمار البدائي سوى آدم بصمته وذعره الذي تآلف معه، وحاسوبه الصغير الذي لا يغادر صدره أبدا. حقه الوحيد الذي حصل عليه، وكل ما طلبه عندما طرحت عليه لجنة حقوق الإنسان الآيل إلى الزوال


LIDHOPE


La Ligue des Droits de l’Homme en Pleine Extinction


    في الأماكن السفلى والعليا تتصاعد وتنتشر علامات الرطوبة الخضراء مشكلة خرائط بحدود واضحة، علتها شعيرات قطنية بيضاء. يتذكر آدم أن بعض الحيوانات، في المخبر النووي الذي اشتغل فيه طويلا، التي كانت تجرب عليها الأدوية والإشعاعات الجديدة، كانت توضع في مكان مشابه تماما للبناية التي يوجد بها الآن. تدرس كل حركاتها في أمكنة مغلقة قبل أن يتم الإجهاز عليها وحرقها في أماكن معزولة، ودفن رمادها في مقابر خاصة محصنة بالإسمنت المسلح من كل الجوانب.


    "بوووف، قصة بعيدة عليّ أن أنساها نهائيا إذا أردت لهذا الكائن المفرغ من كل شيء أن يستمر".


    أغمض آدم عينيه قليلا متتبعا بنظراته القلقة وقع المطر الذي لم يتوقف منذ سبعة أيام و5 ساعات و52 دقيقة و43 ثانية.


   مدخل المكان المبهم مملوء بالبرك الصغيرة التي يتلألأ داخلها ضوء الساحة الخافت. قضى زمنا طويلا يبحث عن تسمية للمكان لكنه مع الزمن أعفى نفسه من الأسئلة المملة وغير المؤدية. الشيء الوحيد الذي يعرفه جيدا هو أنه وحيد، وفي مكان مغلق، وفتحاته القليلة لا تقود إلى أي شيء. ولا حتى إلى الفراغ لأنه لا فراغ في هذا المكان الثقيل. كل شيء ممتلئ بشيء. الفتحات العليا داخل المقصورات كما يسميها ليتل بروز، لا تظهر سماء كم اشتهاها، ولا مطرا. شيء رمادي ورصاصي بلون واحد، لا يتغير أبدا. كلما تأمله، شعر بدنو الآجال، وبانتهاء كل شيء. لكنه يقاوم النهايات العبثية. هم أيضا يريدونه أن يبقى حيا لأنه من الكائنات المنقرضة التي لم تبق منها إلا عينات نادرة ضائعة في القفر والصحاري، يسميها ليتل بروز: العربي الحالم. أما الفتحات السفلية لم يدخلها، ورفض دائما اختبارها، لأنه كتب على القطعة الحديدية التي تغطيها: إذا مللت من الحياة، افتحها Si tu en marre de la vie, ouvre la.. أصيب بالقنوط قبل ثلاث سنوات وثمانية أشهر وسبعة أيام و5 ساعات، و33 دقيقة و21 ثانية، فجرب فتحها. حمل في يده بطارية الضوء التي وضعت تحت تصرفه في حالة الخروج ليلا نحو الساحة. وهو يستعد للنزول رأى الحائط مكسوا بكل أنواع العقارب والثعابين والحشرات التي يعجز عن تسميتها، تتحرك في تناغم كلي وكأنها تآلفت مع بعضها البعض مع الزمن ولم تعد تتقاتل عن المكان الضيق الذي يحتويها. لا يدري لماذا تمنى أن يكون حشرة تلتصق بحائط قديم حتى الموت، من دون أن تتعرض لأي أذى؟ ثم تغاضى عن الفكرة نهائيا. لقد بذل آدم جهودا كبيرة قبل أن يتآلف مع المكان ومدخله الصغير الذي لا يتجاوز المتر الواحد علوا، ونصف المتر عرضا، إذ عليه كلما خرج منها لتنفس هواء آخر أو عاد إلى مقصورته، أن ينحني بشكل جيد إذا أراد أن يمرّ. عندما سأل ليتل بروز لماذا الباب بهذا الشكل، أجابه آليا وكأنه كان مهيأ للإجابة.


"لا تشغل بالك، لا توجد أية مؤامرة ضدك أنت المولع بنظرية المؤامرات. المسالة أبسط من ذلك كله. فقط ليظل جسمك رشيقا، ينحني ويقوم باستمرار، وكأنه يؤدي صلواته في كل وقت. يخفّف الآرتروز وداء المفاصل أيضا. لهذا نحبذه في هذا المكان، حتى لا تحاكمنا عليه لجنة حقوق الإنسان الآيل إلى الزوال التي لا تعترف للأسف بما تقدمه مؤسستنا من مساعدة لزبائننا الذي يؤتى بهم إلى هذا المكان، الذين لا يخرجون عادة من هنا إلا للذهاب محو مكان آخر في أعماق هذا القفر. للأسف لا يعودون لكن نسألهم عن آرائهم في الفرق بين المكانين".


   تعوّد آدم على كل شيء إلا على أن يكون ليس هو؟ تبدو هذه المسألة معقدة قليلا. أن تكون لستَ أنت، عليك أن تموت وتعيش ثانية. وهذا أمر مستحيل طبعا. أو تُقتل وتستعاد بشكل آخر، هذه فكرة ممكنة، لكنها تحتاج إلى زمن طويل وصبر كبير، ومخابر عديدة. في البدايات التي ابتعدت اليوم كثيرا، عندما سأل ليتل بروز عن وضعه الشخصي لأنه لا يفهم لماذا اقتادوه إلى هذا المكان، وهو خبير نووي اشتغل مع كبار الشخصيات على الرغم من اختلافه معها، في العراق وسوريا وإيران ومصر والجزائر، لأنه كان يؤمن أن امتلاك النووي كليا يحتاج إلى خبرة استثنائية غير متوفرة اليوم عند أي من هذه الدول، وأن العلماء الذين أشرفوا على إنشاء هذه المخابر الطردية الصغيرة لا تخفى على أحد، ثم إن المعلومات التي تصلهم من خلال الأقمار الاصطناعية والمخبرين المبثوثين في كل مكان، دقيقة جدا ولا تحتمل أي شك. الأحسن انتهاج سياسة الجزرة والعصا بدل التدمير الشامل، بالخصوص قتل العلماء الذين تكونوا في أمريكا وأوروبا، وعادوا إلى بلدانهم. لكن لا أحد سمع لرأيه، على الرغم من أنه كان يعرف أن المسألة أكبر. حتى كبير الخبراء وضعه يوما في الزاوية وقال له بحدة: قل لي يا آدم، ماذا تريد؟ هل مللت من الحياة؟ أمامك مستقبل كبير، فلا تحرقه. لم يجبه، بل لم يترك له فرصة أن يسأله عن السبب. فهمه على الفور. قيل له لاحقا "إنك متعب فقط يا آدم، عليك أن ترتاح قليلا في سناتوريوم عسكري يعفيك من المتاعب ويخففها عليك". وبعد مدة خمس سنوات وثلاثة أشهر، وثمانية أيام و11 ساعة و54 دقيقة و60 ثانية بالضبط، من الحجز، قيل له "لا تشغل بالك كثيرا. مهمتك انتهت في هذا المكان. ستخرج من هنا نحو بريتك الطبيعية، لأنك لا تتحدث إلا عن عالم انقرض منذ سنوات، ولم تعد مؤذيا. حديثك عن أشياء انقرضت أو هي في طريقها إلى ذلك، كالعرب واللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والنفط والغاز الصخري والإرهاب، والبلد الأصلي، لم يعد مخيفا كما كان منذ زمن بعيد. لا شيء مما في رأسك، بقي اليوم. عالم انتهى منذ نصف قرن، على الأقل".


   [1] رواية للكاتب الإيطالي دينو بوزاتي Dino Buzzati نشرت في 1940 تحت عنوان: Il deserto dei Tartari وأثارت جدلا كبيرا يوم صدورها.


    (فصل من رواية قيد النشر)