كيف رويت الحكايات؟

20/03/2015 - 3:37:33

رواية شجرة العابد لعمار على حسن رواية شجرة العابد لعمار على حسن

عمار علي حسن - كاتب مصري

    لا يزال يرن في أذني الصوت الشجي لأبي، وهو يردد مقاطع من سيرة بني هلال، ونحن نكدح سويا في الحقل تحت الشمس الحارقة. كنت أستوقفه ليحكي لي فلا يبخل عليَّ، ووجدته يزيد على السيرة الهلالية بسرد حكاية "شاور وضرغام" و"على الزيبق" و"أدهم الشرقاوي" وقصص من "ألف ليلة وليلة". وسألته من أين لك بكل هذا، فأخبرني أن رجلا في قريتنا العزلاء المنسية أجاد القراءة والكتابة في سن مبكرة، لكنه ترك المدرسة، وفتح مقهى صغيرا، وكان يجذب الزبائن بأن يقرأ عليهم كل ليلة صفحات من كتب السير التي اقتناها، ويقف عند نقطة مشوقة تدفعهم إلى ارتياد مقهاه في الليلة التالية.


    وخالتي التي تكبرني بسنوات قليلة، كانت مولعة بحكي ما سمعته من حكايات شعبية نتداولها في الصعيد، فكنت ألح عليها بأن تقصص عليَّ كل ما استقر في عقلها ووجدانها، فجادت عليَّ بكل ما لديها سعيدة بالبهجة التي تسكن عيني وأنا أتابعها في صمت ولهفة، محاولا أن أرسم صورا لما تنطق به.


    بعد سنوات اعتمدت على نفسي فتابعت بشغف "إذاعة الشعب" بانتظام حيث يشدو شاعر الربابة "جابر أبو حسين" بسيرة بني هلال، ونبشت في جوال الكتب القديمة التي كان جدي لأمي، وهو بقال، يحضره كل شهر لصناعة قراطيس الشاي والسكر واللب والفول السوداني، فوجدت بعض ما يقرأ، وللمصادفة أول كتاب قرأته وأنا في العاشرة كان رواية أجنبية مترجمة، منزوعا غلافها وصفحتها الأولى التي تحمل اسم المؤلف وعنوان الرواية، لكنني لم أهتم إلا بالحكاية التي كانت كاملة.


    في مدرستي الابتدائية لم تكن هناك مكتبة لكن حين التحقت بالمدرسة الإعدادية بقرية البرجاية، مركز المنيا، ذهبت إلى المكتبة في أول أيامي بها، وكان أول ما استعرته منها هو سيرة "حمزة البهلوان"، وعلى ضخامتها قرأتها في أسبوع من ولعي بها، ثم بدأت رحلة استعارة روايات كبار الكتاب المصريين والعرب، حتى أنني قرأت لكثيرين منهم كل ما كتبوا تقريبا.


    هكذا بدأت علاقتي بالرواية قارئا، أما كاتبا، فلهذه قصة أخرى. فقد كنت معروفًا أيام الجامعة بين زملائي بأنني ممن ينظمون القصيد، عموديا وحرا، ولا أزال أحتفظ في أوراقي القديمة بقصائد بهتت حروفها، لكن لم تفارق وجداني ومخيلتي، إذ سرعان ما انداحت في أعمالي النثرية والسردية، التي أحاول ألا أتخلى فيها عما منحني الشعر إياه من ضرورة الولع بالبلاغة والجمال والمفارقة وصناعة الدهشة والقدرة على إطلاق الخيال والتخييل.


    لكنني فهمت فيما بعد أنني كتبت الشعر في السن التي يكتب فيها كثيرون شعرا، ليعبروا عما يجيش بصدورهم، ويجول بخواطرهم. فرغم أن ما قرضته كان يروق لزملائي في الجامعة والمدينة الجامعية، فإنني لم ألبث أن انتقلت إلى السرد، وتمنيت أن يكون أول كتاب لي يظهر عليه اسمي هو رواية.


    وكنت أستعيد طيلة الوقت نبوءة مدرس اللغة العربية في الصف الثاني الإعدادي، حين قال لي: ستصير كاتبًا، فحدد لي في جملة قصيرة معالم طريقي. أتذكر أنها كانت "حصة تعبير" وكان الموضوع الذي كلفنا به هو "نصر أكتوبر"، فكتبت ما طلبه مني وسلمته إياه كما فعل زملائي، فجاء بعد يومين ووزع الكراسات علي الجميع واستثناني. ثم نادي اسمي، فخرجت إليه. وقبل أن أنطق ببنت شفة فاجأني غاضبا:


ـ افتح يديك.


    وكانت العصا ترقص في يمينه، لكنني سألته مندهشا عن سبب عقابي، فقال:


ـ من كتب لك هذا الموضوع؟


أجبته: أنا.


لم يصدقني، لكنه جاراني:


ـ نعم، أنت كتبته، لكن نقلته من أي مجلة أو صحيفة؟


أجبته في ثقة: لم أنقله، بل كتبته.


نظر إلي مستغربا وقال:


ـ كيف أصدقك؟


  قلت له: يمكن لحضرتك أن تطلب مني كتابة أي موضوع تريده من الآن حتى نهاية الحصة، ثم تقارن بين الاثنين، فإن وجدت ما كتبته الآن ضعيفا عما كتبته من قبل فساعتها أكون قد نقلته أو كتبه غيري.


هز رأسه مبتسما، وأزاح العصا جانبا، وقال:


ـ أنا صدقتك.


    ثم أطلق نبوءته التي قيدني بها، وظللت طيلة السنوات اللاحقة أدرس واقرأ كل ما يدفعني إلى أن أحقق ما بشرني به، ولهذا اخترت أن أدخل القسم الأدبي في الثانوية العامة، رغم أنني كنت أيضا متوفقا في المواد العلمية. ويظن كثيرون أن كتاباتي الأدبية لاحقة على انشغالي بالبحث في العلوم الإنسانية عامة، والاجتماع السياسي على وجه الخصوص، لكن العكس هو الصحيح، فأول ما نشر لي كانت قصة قصيرة احتلت الصفحة الأخيرة من جريدة "الشعب"، وأول رزق أكسبه من الكتابة كان عن قصة أيضا، بعد أن فزت بالمركز الأول في مسابقة أدبية لجامعة القاهرة سنة 1988، وأول محاولة لنشر كتاب كانت مجموعة قصصية ذهبت بها إلى سلسلة "إشراقات أدبية" التي كانت تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، لكنها لم تر النور، وتخليت عنها تماما، حين كتبت ما هو أفضل، واعتبرتها فرصة للتجريب والتجويد، وأول جائزة أحصل عليها كانت عن قصة.


    وإذا كانت الظروف قد دفعت كتابي "الصوفية والسياسة في مصر" كي يظهر أولا سنة 1997، فإنني سرعان ما نشرت مجموعتي القصصية الأولى "عرب العطيات" 1998 وبعدها بثلاث سنوات صدرت روايتي الأولى "حكاية شمردل". وبلغ انشغالي بالأدب حدا كبيرا لدرجة أنني طوعت له دراستي للدكتوراه، فجعلتها عن "القيم السياسية في الرواية العربية" مدفوعا بالرغبة في معرفة الرواية بنصها ونقدها أكثر من معرفة السياسية بتصاريفها وأحوالها.


    وبعدها توازى إنتاجي الأدبي مع العلمي، لكني لم أقصر أبدا في الأول، بل جعلته هو الأساس ولو أنه يعينني على العيش ما كتبت غيره، فحتى الآن لي سبع روايات هي "حكاية شمردل" و"جدران المدى" و"زهر الخريف" و"شجرة العابد" و"سقوط الصمت" و"السلفي" و"جبل الطير" وشرعت منذ مدة في كتابة رواية ثامنة، بينما كتبت أربع مجموعات قصصية هي "عرب العطيات" و"أحلام منسية" و"التي هي أحزن" و"حكايات الحب الأول" وهناك خامسة في الطريق بعنوان "أخت روحي" عبارة عن أقاصيص قصيرة جدا، وهناك دراسة بعنوان "النص والسلطة والمجتمع: القيم السياسية في الرواية العربية" وأخرى نقدية هي "بهجة الحكايا: على خطى نجيب محفوظ".


    في كل مرة أبدأ كتابة رواية جديدة يرد على ذهني شخصان، أبي في حقله، وسيدة الحافلة. الأب كان يرفع أول ضربة فأس في أرض قاحلة ممتدة أمامه، لكنه لا ييأس بل يواصل الضربات، والفأس تقضم التربة في نهم، فإذا بالبوار يرحل ويزدهي الطمي تحت قدميه وخلفهما، مشتاقا إلى البذور لينبت الزرع البهي. ضربة وراء ضربة يتغير الحال من الفراغ إلى الامتلاء، ومن العدم إلى الوجود، أو على الأقل من اليباب إلى العمار. أما السيدة فهي تلك التي رأيتها ذات يوم في حافلة ركبتها من جامعة القاهرة إلى ميدان التحرير، كنت طالب دراسات عليا أعد أطروحتي للماجستير، وقد جمعت مادتي العلمية حتى وصلت إلى حد التشبع، لكن أصابني كسل فقعدت أسابيع عن البدء في الكتابة، إلى أن رأيتها تجلس على مقعد أمامي، وفي يدها إبرة تريكو وخيوط ذات ألوان أربعة، تدور بينها حتى تصنع عقدة، وتتبعها بأخرى، وهكذا حتى يصبح خطا منسوجا بإحكام.


    وقفت أتابع دأبها في شغف عميق، وتعلمت منها أن تراكم القليل يصبح كثيرا، وتتابع الصغير يجعله كبيرا. وقلت لنفسي وأنا واقف أمامها مشدوها: حرف وراء حرف، تولد كلمة، وكلمات تصنع جملة، وعبارات تصبح فقرة، وفقرات تصبح صفحة، وصفحات تصير فصلا، وفصول تتابع تخلق كتابا. ومن يومها كلما بدأت في كتابة رواية تأتيني صورة هذه السيدة، ممتزجة بصورة أبي مع فأسه.


    ظني أن الأدب هو الأبقى، لذا أنحاز إليه بكل كياني، وأعطيه من وقتي الكثير والكثير، دون أن أتخلى عن دوري في الحياة العامة، رغم أنه يحدث جلبة تثير غبارا كثيفا يغطي أمام أعين البعض على كتاباتي الأدبية أو هكذا يريدون، ويجلب أحيانا عليَّ متاعب من كتاب ونقاد يختلفون معي في توجهي السياسي، فيعاقبونني بهذا في حديثهم أو تقييمهم لأعمالي الروائية والقصصية، سواء أفصحوا عن ذلك أو كتموه، وإن كنت لا أعدم كثيرين من العدول الذي يحتفون بأعمالي الإبداعية، فيتحدثون ويكتبون عنها، وهم غاية في الاقتناع والامتنان.


   الأدب كان خياري الأول، وهو خياري الأخير، وما بين البداية والنهاية هناك أشياء كثيرة أتمنى ألا تذهب سدى، وتروح بلا جدوى.