زمن مارسيل بروست

20/03/2015 - 3:36:21

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

عادل أسعد الميري - روائي مصري

    (1)


    كنت ذلك المساء قد مشيت من المنزل الساحلي إلى الفندق الذي يقع على شاطىء البحر، وقد ضايقني جدا عدم حضور ألبرتين إلى المنزل حسب الاتفاق السابق بيننا، حيث بقيت طوال بعد الظهر في انتظارها ملولا متأففا. دخلت في الفندق أولا إلى البار حيث أخذت كأسا من النبيذ الأبيض، ثم مشيت بخطوة بطيئة إلى الشرفة المطلة على البحر، حيث تأملت الشمس وهي تميل إلى المغيب، ثم عنّ لي فجأة أن ألقي نظرة على قاعة الرقص، رغم أن الساعة كانت بالكاد الثامنة مساء، والقاعة لا تفتح أبوابها رسميا في هذا الوقت من العام إلا في التاسعة مساء، ولكن باقترابي من القاعة أمكنني أن أستمع إلى اسطوانة لموسيقى راقصة، وقد أدركت أن مسؤول الموسيقى بالقاعة قد أدار الاسطوانة إكراما لضيف عزيز عليه. لمحت من على باب القاعة، حيث وقفت للحظة واحدة قبل أن أستدير وأغادر المكان برمّته، الفتاة المراهقة جيزيل التي لم أكن أعرف اسمها بعد، وقد ارتدت فستانا خفيفا يقف عند منتصف الفخذين، بحمّالتين عند الكتفين، وبذراعين عاريتين، وقد قصّت شعرها الأسود الناعم على الموضة السائدة (آ لا جارسون)، وهي تلقي برأسها في دلال على كتف ألبرتين، وتقبّلها في عنقها قبلات خفيفة متتالية، وهي نصف مغمضة العينين.


    خرجت من جديد إلى الشرفة، ولم أعرف إن كانت ألبرتين قد لمحتني، أو أن جيزيل قد قالت لها أي شيء عني، الا أنه كان من الواضح لي ولأي شخص سيراني الآن، أنني على قدر كبير من الاضطراب، بل في الحقيقة كنت على وشك أن أرتجف تماما، حتى أن رعشة خفيفة قد ألمّت بأطراف أصابع يديّ. كنت أقول في نفسي (كم هو حجم العذاب المقدّر لي أن أعانيه لو تماديت في مشاعري الغرامية تجاه ألبرتين؟). بدا لي واضحا وضوح الشمس، أنها فتاة لاهية عابثة من النوع الذي يستمتع بتعذيب عشّاقه. أما آن الأوان لقطع هذه العلاقة حتى أنجو بنفسي من مصير مظلم. سبق أن حكى لي بعض الأصدقاء حكايات عن فجور ألبرتين، وعن قدرتها على الخداع، التي يمكنها أن تجعل منها عاهرة محترفة، لكني لم أكن أريد أبدا أن أصدق. هي قالت لي أمس إنها مريضة وإنها قد تلازم اليوم الفراش، وهأنذا أراها ترقص. يبدو أنها كانت تتوقّع ألا أغادر منزلي، أو أكتفي بالتنزه لبعض الوقت، فمن المؤكد أنها لم تكن تتوقّع أن أحضر مشيا إلى الفندق.


(2)


    كان اسم اللعبة هو (إلقاء القبض على فلان ووضعه خلف القضبان)، وهي لعبة تاريخية مورست في فرنسا منذ القرن التاسع الميلادي، وكان أطفال ومراهقو المناطق الريفية يلعبونها في الحقول، ثم انتقلت إلى حدائق المدن، وظلت تمارس في حدائق باريس إلى بدايات القرن العشرين، وورد ذكرها في أعمال العديد من أدباء فرنسا خاصة في منتصف القرن التاسع عشر. تحتاج اللعبة إلى فريقين متنافسين وملعب. أما الملعب فهو جزء مستطيل من مثل تلك الحدائق التي كانت تشغل جانبي جادة الشانزيليزيه، وهو بعرض حوالي ثلاثين مترا... وبطول متفاوت حسب عدد أفراد الفريقين، وعادة ما كان الطول ثلاثة أضعاف العرض، أي في حالتنا تلك حوالي تسعين مترا. هذه المسافة الطولية يتم تقسيمها إلى نصفين متساويين، وذلك عن طريق رسم خط بعرض الملعب، ويقف أفراد الفريقين في مواجهة بعضهما البعض على جانبي خط منتصف الملعب، ويتكون كل فريق من عدد من الفتيان والفتيات، وعادة ما تكون البنت على أحد جانبي الخط على علاقة بصبي على الجانب الآخر من الخط، وذلك لأن في حقيقة الأمر كانت هذه اللعبة هي فرصة للتلامس والاحتضان والشدّ والجذب بين البنات والفتيان، بل حتى لمس الفتيات في أماكن حسّاسة من أجسادهن، كالأثداء أو الأرداف، أثناء محاولة الفتيان الإيقاع ببنات الفريق الخصم في الأسر، وجرّهن حتى زاوية معيّنة هي مساحة صغيرة من الأرض عند خط نهاية عمق الملعب وتسمّى الزنزانة، حيث يتم ربطهن كأسرى وذلك بتقييد أيديهن إلى جذع شجرة أو إلى أي نوع من الأعمدة. عادة لا يتعرّض فتيان أحد الفريقين إلى فتيان الفريق الآخر، إلا إذا كانت هناك بين الصبيّين، منافسة على حب فتاة بعينها، في هذه الحالة يحاول الصبي من فريق الفتاة إنقاذها من أسر الفريق الخصم، في هذه الحالة فقط يمكن لصبي الفريق الخصم اعتراض طريق صبي آخر ومنعه من إنقاذ الفتاة، على ألا يتعدّى الأمر أبدا مرحلة الجذب من الملابس، أي أن توجيه اللكمات ممنوع، وهو ما قد يعرّض صاحبه إلى الطرد من اللعبة. في نهاية فترة زمنية محدّدة قد تكون نصف ساعة، أو قد تكون ساعة، يكون الفريق الفائز هو الفريق الذي يتمكن من الاحتفاظ بالعدد الأكبر من الأسرى. كان متوسّط سن اللاعبين في هذه اللعبة هو خمسة عشر عاما، ولم يكن يقبل فيها من هم دون الثالثة عشرة، فقبل هذا السن عادة لا يهتم الفتيان بالفتيات، أو من هم قد تعدّوا السابعة عشرة، فبعد هذه السن من المفروض أن تكون هناك وسائل أخرى لإشباع الرغبات التي تتعدّى حدود مجرّد الاحتضان.


(3)


    سكنت ذات صيف في أحد أجنحة القصر الريفي المنيف الخاص بالبارون، وكان هذا الجناح يعلو بقية عمارة القصر، مما مكنني ذات يوم من رؤية البارون وهو يكشف عن أحد الجوانب المجهولة في شخصيته، إلا أن تصرفه ذاك كشف لي أيضا عن مدى ما يمكن أن يوصف به من التهوّر. كان بالقصر في ذلك التوقيت نجّار موبيليا شاب نحيف القوام، تظهر في حركات يديه وتعبيرات وجهه، بعض ملامح أنثوية. كان هذا النجّار يقوم في أحد أركان أحد الأفنية الداخلية للقصر، بإصلاح بعض قطع موبيليا يستعملها بعض الخدم في أماكن سكناهم، ثم إن هذا النجار الشاب كان يستعمل إحدى الحجرات الأرضية المطلة على الفناء كورشة عمل مؤقتة، لحين الانتهاء من الإصلاحات المطلوبة منه. عندما اقترب البارون الخمسوني من النجّار الشاب العشريني، دار بينهما حوار هامس لم أتمكّن بالطبع من إدراك كنهه، إلا أني لمحت البارون وهو يمدّ يده إلى مؤخّرة الشاب يتحسّسها، ثم إذا به يجذبه في قوة وعنف إلى داخل الورشة، ويغلق بابها عليهما.


    كنت أتحرّك ببطء نحو الورشة، عابرا الفناء الصغير تحت البائكة التي تظلّل أحد جوانبه، معتقدا أنني بهذه الطريقة كنت مخفيّا عن العيون، وأن لا أحد يراقبني. بالاقتراب بما يكفي من الورشة تمكنت من سماع صوتين متباينين، أحدهما كان غليظا ويبدو كما لو أنه صوت خوار ثور يبتلع فريسة في قضمات كبيرة، والصوت الثاني كان نحيفا مرتجفّا كما لو كان لحيوان يُذْبَح. كنت لا زلت في نهاية مراهقتي وعلى قدر لا بأس به من البراءة، حتى أنني لم أفهم تماما ماذا كان يحدث خلف ذلك الباب، إلا أنني شعرت للحظة بالخوف من اكتشاف أمر وجودي هنا، فتراجعت فورا، عابرا الفناء من جديد، تحت نفس البائكة، صاعدا السلم إلى الطابق العلوي الذي أسكنه، عندما لمحت فتاة عشرينية تقف في إحدى النوافذ، كانت تنظر إلى حركتي السريعة على السلم، ثم تتابع بين وقت وآخر باب الورشة، الذي فتح فجأة ليتمكن كلانا من رؤية البارون وهو يمد يده إلى النجّار وبها بعض الأوراق المالية.


   (فصل من رواية "زمن مارسيل بروست" تحت الطبع)