الترحال والعودة

20/03/2015 - 3:34:59

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

نبيل نعوم - روائي مصري

في منتصف القرن الماضي، كنت في مدرسة التوفيقية الثانوية بحي شبرا، وأسكن بالقرب منها، ولي صديق يقطن بالناحية الأخرى من محطة مصر للقطار جهة أحمد حلمي، خلف الكوبري. وكان من نافذة بشقته بإمكانه رؤية القطارات والمحطة عن بعد، ومعه استمتعت أحيانا عند زيارتي له، بمراقبة القاطرات تنفث البخار الأبيض والأسود ومن خلفها عربات مسرعة بما تحمل نحو الأفق.


كان صديقي عبد الفتاح من عائلة أصولها من الصعيد وكان شديد الذكاء والظرف، ولكنه وإن كان يحصل على الدرجات النهائية في المواد الصعبة في الدراسة كالرياضيات والعلوم، إلا أنه كان قليل الحظ في اللغة العربية. وإن كانت عائلته في الصعيد لها مكانة في صدارة المشايخ إلا أنه ولشغفه الشديد بالمعرفة، تساءل عن أسباب اتساع المسافة في الكتابة، بين اللغة الفصحى والعامية، وأيضا لهجة الصعيد التي كان يتنقل بينها وبين لكنة القاهرة بسهولة وخفة.


وإن قُطعت الصلة بيننا منذ تخرجنا من المدرسة الثانوية لأسباب تُسمى بمقتضيات الزمن، إلا أن تساؤلاته عن اللغة عادت إلى ذهني، أثناء وبعد دراستي بكلية الهندسة جامعة القاهرة في ستينيات القرن الماضي، بتعرفي على أصدقاء من الكتاب والشعراء الذين كتبوا بالعامية أو بالفصحى وقد جمعتنا وقتها الحياة بحلوها ومرها. ولأني لا أعرف كتابة الشهادة، واعترفت بذلك للأستاذ سعد القرش حين تكرم وسألني عن تجربتي الروائية، وسهل عليّ الأمر بأن أكتب عن صعوبة كتابتي في هذا الموضوع. والصعوبة بالنسبة لي في كتابة شهادة أو مذكرات، أنها تهدف قارئ جريدة أو مجلة بعينها، وقد يكون قرأ أو لم يقرأ أعمال كاتب الشهادة، وقد يهمه أو لا يهمه معرفة من هو، ولم وكيف يكتب. أما حين أكتب القصة أو الرواية فليست لدي معرفة بمن هو المتلقي، وأيضا لاستمتاعي شبه الأناني برؤية الصفحة أو الصفحات تمتلئ بالحروف المجنحة أو الملغاة، وحين أبلغ لذة، أو ملذة، أتوقف وأسير بالغرفة، أو أترك المكان وفكري مشغول بالذي يأتي أو قد لا يأتي كما في مسرحية صمويل بيكيت "في انتظار جودو"، أو كخطابات المحبوب، لا يفتحها المحب فورا، بل يصبر حتى يقتات الصبر على صبره، فأبلغ بذلك لذة تأجيل الأسف أو مضاعفة الغبطة.


والآن بعد تركي لمهنة الهندسة منذ حوالي ثلاثة أحقاب، فالكتابة صارت الحرفة الوحيدة التي لا أعرف حرفة أخرى تسعدني غيرها، وقد زاولتها حتى أثناء عملي كمهندس في مصر أولا في المعهد العالي لبحوث البناء في نهاية ستينيات القرن الماضي وبعدها لعشر سنوات في الولايات المتحدة. ولكني وأثناء قيامي بدور المهندس في مسرح الحياة كنت ألعب دور الكاتب في الكواليس. وبعدها قررت التوقف عن دور المهندس والاكتفاء بدور الكاتب حيث هو الآن موقعي. وحيث إن القصة القصيرة كانت مدخلي لكتابة الرواية، لذا سأعود ثانية إلى صديقي عبد الفتاح الذي كان يرى القطارات من نافذته والذي في أحد الأيام قال لي إنه كتب قصة قصيرة. كانت تلك الجملة أظرف ما سمعت منه، ولكنه أصر على أنه كتب قصة قصيرة، وحكاها لي عن قطار يسافر ويعود دائما ولكن بدون مسافرين. من شدة دهشتي لمدى براعة صديقي كدت لا أصدق ما أسمع، ولكني كي أتأكد مما وصل أذني وقتها، قررت إعادة كتابة قصته على الورق حتى أصدقه. وهذا ما أفعل إلى الآن تكرار كتابة القصة نفسها. الذهاب والعودة. وهكذا أصبح فعل الكتابة نفسها لجملة أو قصة أو رواية هو فعل لاستحضار الكون في اللحظة التي لا نملك سواها. وبتكرار الارتحال والعودة جذبتني اللغة العربية بلهجاتها وفصحاها وعاميتها ومدى ثراء الصوت والمعنى، فلم تعد الرواية أو القصة غايتي، بل الانغماس في الحرف يجرني للحرف. واللحظة للحظة، كما يقول الشاعر المصري اليوناني كفافيس:


"ليست الغاية الوصول إلى الميناء، بل هي الرحلة".