على شاطئ النورماندي

20/03/2015 - 3:33:39

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

مها حسن - روائية سورية تقيم في باريس

    على النقيض من زوجي، أؤمن بنظرية البيت الأول، فيما استطاع هو التحرر من هذا الأسر، وفتح أبوابه لاحتمالات البيوت المتعددة. قد يساعدني هذا السرد على الخروج من حبس التجربة الأولى، لأرمي مفتاح ذلك البيت، الرجل، البلد، وأتحول إلى شرفة مُشرعة على جميع الاتجاهات. فأنا فتاة بسيطة، لم أكن أريد من الدنيا، سوى الزواج من الرجل الذي أحبه، وبيت صغير يجمعني به، يكون له مطبخ واسع. أهم شيء بالنسبة لي هو المطبخ، ولعي العميق. أحبّ الطهي، أعتبره فعلاً إبداعياً معجوناً بالحب والعطاء. أحب أن أطهو لمن أحبّ. أن يأكلوا من يديّ. أغذّيهم بمشاعري. "الأكل نفَس"، تقول النساء حولي. مهارة الطهي ليست فقط تطبيق الوصفة، بل الحب. أن نطهو بعناية، برفق، برقّة، تلك هي الوصفة الناجحة.


أحببت مصطفى، وكدت أموت لأجله ، أو بسببه، لأكثر من مرة.


أحببت الطب أيضاً. كنت مولعة، مع ولعي بالطهي، بالتشريح.


أجد علاقة عميقة بين فنّي الطهي، والتشريح.


ليس التشريح علماً بالنسبة لي، بل هو فن، فن يمارسه الطبيب برعاية، بعناية، برقّة.


    لا أفهم في التصنيفات، ولا تعنيني، لا أعرف إن كان البعض سيصفني بالنسوية، ولكنني أعتبر الطهي والتشريح، مهارة النساء. عملان يحتاجان إلى الدقة والحب.


    تجيد المرأة الدقة والحب، أكثر من الرجل. لأنها أكثر صبراً، ورغبة في العطاء، وتتركز متعتها في المنح لا في الأخذ.


عشقت المطبخ، وغرفة العمليات.


    انحصرت أحلامي، في العمل كطبيبة، أعالج الجسد البشري الذي أنا مهووسة به، وبرعايته، والزواج من مصطفى، لأطبخ له كل ما يحب، ولأُظهر مهاراتي في الطهي. لم تتحقق أمنيتي في الزواج من مصطفي، أما الطب...


  لا، يجب أن أحدّثكم من البداية.


  أعتقد أن البداية كانت في سنة 2000، حين أوشكتُ على الموت.


قررت الانتحار آنذاك. إذ اكتشفت أنني حامل، ورفض مصطفى الزواج مني.


لم يكن أمامي سوى الموت، قررت الانتحار!


هذه ليست بداية جيدة. سأبدأ بطريقة أخرى:


    أكره رائحة البحر!


    أحب البحر كثيراً. أحب المجيء إلى هنا، للتجوال على شاطئه، للاستلقاء على رمله، للكتابة أمام هذا المد الواسع، الأزرق السماوي اللامنتهي.


إلا أنني لا أحب هذه الرائحة، زنخ البحر!


    تذكّرني هذه الرائحة، بمدينة حلب. برفقة صديقاتي في المدرسة، نهرب من الدوام أحياناً، ونذهب للتسكع في أسواق المدينة، في حي التلل، والعزيزية، نتفرّج على الملابس النسائية الداخلية، وقمصان النوم الشفافة، ذات الألوان المُبهجة. يصادف أحياناً، بل غالباً، أن نمرّ من الحديقة العامة، وحين نصل جوار نهر قويق[1] الجاف، تقتحم رائحته القذرة أنوفنا، فنسدّها بأصابعنا "يع.." نصرخ ونهرول ضاحكات.


    مرت كل هذه السنين، ولا تزال حلب تقطنني كمرض عُضال. أقارن بين كل ما أحياه، وبين ما حييته في حلب. حين أجد شارعاً ما، للمرة الأولى، ملتفّاً بطريقة مختلفة، يهبط قلبي، وأشعر أنني في حلب. كلما نمتُ، اعتقدت أنني في حلب، وحين أصحو، أتذكر أنني في باريس.


    حاولت فعل كل شيء، لأقتلع حلب من داخلي. تلك القلعة الضخمة، الشوارع العتيقة الراسخة، البيوت القوية الصامدة، والأهم، رائحة مطبخها!


    في فرنسا، لم أتذوق يوماً طعاماً حلبياً، أو طعاماً يشبهه. لا أقترب من المطاعم التركية واللبنانية، أتحاشى كل ما يأخذني إلى حلب. أسدّ أذنيّ ، كما سددتُ أنفي كلما مررت جوار قويق، حين أسمع العرب يتحدثون في المترو أو الشارع. لا أخبر أحداً أنني سورية. منذ سنوات طويلة، قطعت علاقتي بكل من هو عربي أو سوريّ. أريد أن أشفى من ذاكرتي، من حلب.


    أنا على شاطئ النورماندي الآن. أكتب وأنا أتأمل زرقته اللامتناهية.


    حين وصلت إلى فرنسا، أقمت في باريس، ورغبت دوماً بزيارة شاطئ الإنزال، كما يسمونه بالفرنسية، حيث حطت قوات الحلفاء في نهاية الحرب الثانية عتادها، على شاطئ النورماندي، ومنه دخل الحلفاء أوروبا، وسمي شاطئ النورماندي هكذا، شاهداً على بداية نهايات الحرب.


    عام 1944 قامت سلسة من المعارك بين ألمانيا و قوات الحلفاء . تم إنزال قوات أمريكية وبريطانية على شواطئ (نورماندي) الواقعة في شمال فرنسا، وقد شاركت فيها 6900 من السفن الحربية (منها 4100 سفينة إنزال) و12000 طائرة حربية، ومليون جندي بين مظلات وبحرية، وقاد العملية الجنرال الأمريكي (أيزنهاور)، وتمكّن الحلفاء من احتلال الشاطئ، ثم أكملوا باتجاه مدينة (برلين).


    أحب هذه البيوت الكبيرة من الباتون، بقايا الجسور التي كان الجنود يختبئون فيها، حيث تنمو الآن هذه الإشنيات، التي تثير هذه الرائحة التي لا أحبها، زنخ البحر!


    هذه هي المرة الثانية التي أجيء فيها إلى النورماندي، منذ سنتين جئت مع ريتشارد ونزلنا في الفندق ذاته. في كل صباح، بعد تناول الفطور، أقود سيارتي إلى هنا، الشاطئ مدهش في الصباحات الطازجة، والازدحام قليل.


    نحن الآن في خريف 2010. تعلمت قيادة السيارة منذ سنة، إلا أنني لا أحب هذه الرائحة، لكن البحر يغويني، أمام هذه الشاشة اللامنتهية من اللازورد، وأطياف الجيوش التي لا تزال ماثلة أمامي، متطابقة تماماً وفق ما قصّ عليّ ريتشارد من تفاصيل الإنزال البحري.


    حاولت تعلم السباحة، إلا أنني فشلت. لم أفهم كيف عليّ أن أترك جسدي لتيارات المياه تحمله. طالبني ريتشارد بأن أتركني أطوف، بينما أصرخ خائفة، شعرتُ أن الماء يأخذني لمكان ما، وأني سأغيب. خفت من الماء، وظل عشقي للبحر محروماً من الاقتران بهذا الحبيب، ظل عشقي  بطعم الحرمان، أحبه من بعيد.


    أخلع حذائي في السيارة، أتقدم حاملة كمبيوتري الماكينتوش، أجلس قبالة الشاطئ، بعد أن أرطب قدميّ، وأترك ملوحة البحر وطزاجته الصباحية، تدخل جسدي وتتسلل إلى أعماق روحي، فتنتعش أفكاري، وأجهز للكتابة.


    في باريس، لم أكتب يوما بهذه التلقائية. كانت الكتابة قهراً ذاتياً، وعذاباً دائماً. علاقتي بالكتابة علاقة صعبة. علاقة الأم المبالغة بطفل تخاف عليه. ذلك النمط من الأمهات اللواتي يُطلق عليهن وصف المتملّكة. حين لا أكتب، أشعر بالذنب، وحين أكتب، فإنني غالباً لا أحب كتابتي. في رأسي، تكون كتابتي متراصفة ومتواجدة، وربما منضّدة بطريقة ما. وما إن أبدأ بنسخها على الماكنتوش، أو الورق، حتى تأخذ شكلاً آخر، ليس كما في داخلي. أعجز دوماً عن التقاط كتابتي كما تصورتها.


    الفارق بين زمن التفكير وزمن التدوين هو سبب فشلي كما أعتقد في نجاحي في الكتابة كما أخطط لها في رأسي.


    زمن التفكير أسرع من زمن الكتابة، ومنطق تسلسل الأفكار في الدماغ أسرع منه ونحن ندون تلك الأفكار، أو حتى ونحن نتحدث بها. نحن نفهمها أكثر حين نفكر بها، تجريدياً، بينما نحتاج للغة توضيحية، تشخيصية، لفهم أفكارنا أو عرضها.


    عموماً لا أعتبر نفسي كاتبة، ولكن ريتشارد يصرّ على هذا. يقول أن لدي عوالم أسطورية تتحرك بداخلي، ما علي سوى أن أغمض عينيّ، وأتركها تخرج من داخلي. يقول: العالم الآن بحاجة للكتّاب، العالم دون قراءة قاحل، نحن نحتاج الكتّاب حتى يساعدونا على الحلم.


    الكتابة ليست الصورة، السينما تختلف عن الرواية. أف، لقد بدأت بالثرثرة، وهذا ما أكرهه في كتابتي. لقد بدأت بداية جيدة هذا الصباح، وأنا أتحدث عن زنخ البحر، وكدت أدخل في شرح الفرق بين الرواية والسينما، وهذا ما لم يكن في رأسي طيلة الليل.


    أنا أكتب على مراحل. أكتب في السرير، أرتب كتابتي، أرصفها في شاشات من الورق المفترض أمامي، أحيانا أدوّن جواري بعض الملاحظات، وفي الصباح، كما يحدث الآن، أفرغ كل ما سجلته في ذاكرتي البصرية في العتمة، على صفحة الماكنتوش.


    هنا، في النورماندي، تحدث لي أشياء جديدة. غالباً ما يخلق لي المكان الجديد مشاعر جديدة. حين جئنا إلى مدينة "كان"، منذ عامين، ذهبنا في اليوم الأول، لملء خزان السيارة بالبنزين، ودخلنا الطرقات المذهلة للمدينة. راقبت المساحات الواسعة من اللون الأخضر، مزارع البقر، كما في السينما الأمريكية. ثم يأتي الأزرق، البحر. حينها، قررت أني سأشتري ذات يوم بيتا هنا، وأكمل حياتي بهدوء في النورماندي.


    ما يحدث لي، منذ وصولي، منذ أربعة أيام، أنني أكتب دون توقف، كما لو أنني أعوّض كل السنوات التي قضيتها أفعل أشياء أخرى "أضيعها في العيش كما يقول إليوت"، كما لو أنني أكتب لسنواتي الخمس والثلاثين.


    منذ أربعة أيام، لم أهدأ، أكتب منذ الصباح، أحضر إلى الشاطئ، في الظهيرة أتناول طعامي في أحد المطاعم الكثيرة القريبة من الشاطئ، ثم أذهب إلى الفندق، آخذ قيلولة صغيرة، عادة تلازمني منذ صباي المبكر، أعتقد أني أشحن بطاريتي التي يستهلكها الطعام، ثم أستيقظ، آخذ فنجاناً من القهوة أمام ترّاس الفندق، أتجول قليلاً في سيارتي، أنقّب عن ركن جديد، بستان أخضر، حقل قريب من الأبقار، الشاطئ ثانية، مقهى مطل على البحر. أفتح الماكنتوش وأكتب قرابة ثلاث ساعات. بعد العشاء، أعود للكتابة، أي أنني أكتب حوالي عشر ساعات، أنا التي أُصاب عادة  بالملل بعد ساعة من الجلوس أمام الكمبيوتر، وتؤلمني أصابعي.


حدث ذلك في عام 2000.


حين قررت الانتحار.


اكتشفت أنني حامل، ورفض مصطفى الزواج مني.


لم يكن أمامي سوى الموت، قررت الانتحار!


    لأنهم سيقتلونني في جميع الأحوال، قررت الانتحار حسب طريقة البنات: التسمم بالدواء. قبل أن أرمي بالأقراص في جوفي، دُقَّ الباب، وسمعت صوت أم مصطفى، هرعت إلى الصالة حافية، أسترقّ السمع. أم مصطفى بصحبة أم بلال. ها قد منحني الله فرصة جديدة للعيش. يبدو أن قلب مصطفى قد رأف بي، وقرر أن يصلح غلطته معي. جاءت السيدتان لطلب يدي.


    ارتديت أجمل ملابسي، ثم ذهبت أحضّر القهوة كما طلبت أمي، وحين دخلت عليهن بخجل مصطنع، حيث السيدتان، وأمي وأختي الكبيرة سعاد تجلسن معاً وتثرثرن، صاحت أم بلال فرحة: يا إلهي ما أجمل كنتي!


    السيدتان قادمتان لخطبتي، لا لمصطفى الذي أحمل جنينه في أحشائي، بل لصديقه بلال.


(فصل من رواية "على شاطئ النورماندي" قيد النشر)