لاتكتبوا إلا للخيال الإنساني العظيم

20/03/2015 - 3:32:19

رواية دماء ابوللو لزين عبد الهادى رواية دماء ابوللو لزين عبد الهادى

زين عبد الهادي - كاتب مصري

    لماذا أكتب ؟


    أكتب لأني أعشق التاريخ، خاصة التاريخ المنسي والهامشى، التاريخ الحقيقي للإنسانية، والرواية في عصر المعلومات مسألة في غاية الصعوبة، إذ يزدحم العالم بملايين الأقاصيص والحكايات الغرائبية، فهل يمكننى أن أقدم ذلك؟ لا يمكنني الهروب بعيدا عن تخصصي العلمي الذي أعشقه، لأنى أجيد الحديث بالأرقام ربما أكثر من الحروف لأنه حديث موجع وحقيقي، في الرواية أستعيد الإنسان داخلي، الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة في عالم بارع يستطيع إخفاء الحقيقة تحت آلاف الوجوه البلاستيكية المشوهة، الحقيقة التي تشكلها الآن - ونحن نكتب ونتكلم - كل من  أجهزة المخابرات والشركات العظمى وأفلام السينما وباعة المخدرات وشركات الأسلحة وشركات الاتصالات ومؤسسة راند كوربوريشن والرؤساء الأمريكيين ورؤساء دول العالم الثالث، والإرهاب الديني والسياسي وغير ذلك من منتجات عصرنا الجميل جدا!


    هذا هو مشروعي الحقيقي، العلاقة بين الأساطير القديمة والتاريخ المسكوت عنه وبين عالم المعلومات والمعرفة، نصفه ملعب قديم للغاية ونصفه ملعب جديد للغاية، فهل يلتقي الضدان، أم أن ذلك الجديد هو تواصل للقديم أو مجرد صورة جديدة في المرآة السحرية.


    ربما لم يبدأ مشروعي الروائي إلا عام 2007 مع إصدار "دماء أبوللو"، وتحدد بشكل كبير في "أسد قصر النيل"، وأعتقد أن الاثنين معا يشكلان أفكاري الحقيقية عن عالم الكتابة السردية فيما يتعلق بالرواية، الشكل والمضمون، ففي "أسد قصر النيل" لم أكتب إلا عن الفوضى، باستخدام أسلوب خاص بي في الكتابة اسمه الفوضى الروائية أحتفظ بحقوقه كاملة لأنه خرج من فوضى العالم الذي نعيش فيه، لأنه من الصعوبة بمكان أن تزدحم الرواية بعشرات الشخصيات، وبمئات التفاصيل والآراء التي يمكن أن تتفق معها وتختلف معها، كيف يمكن أن تبني نظاما دقيقا للفوضى وتعيد تفكيكه وتركيبه، والفوضى هنا تأتي من أمرين: الأول أنك تشاهد ما يحدث في العالم وفي الشارع وأنت واقف على قمة الجبل الجليدي، والشارع رمز  للميجا كوزموبوليتانية التي أصبحت كقاطرة هائلة تهرس كل شيء، حتى القمامة والأفكار، ومع تغير هائل في شكل الحياة وسرعة وتيرتها.


الأمر الثاني يتعلق بالعالم الموازي الذي أصبح ثلث سكان العالم يعيشون فيه، وأعتقد أنني استفدت كثيرا من هذه الخاصية نظرا لأن هذا العالم لا يعني برامج الدردشة "الشات" والبريد الإلكتروني كما صوره البعض، إن هناك تغيرا هائلا في البنية الاجتماعية على المستوى الجمعي، والبنية النفسية على المستوى الفردى، وأظن أن البعض لم يدرك ذلك بعد، لقد رصدت كل شيء في المدينة. ولو خضعت لما أكتب لقدمت 1700 صفحة في رواية لكنى حذفت 1200 صفحة يمكننى استخدامها في عمل آخر، كما استخدمت أساليب متعددة تصلح للعمل الروائي منها السرد كمؤرخ، واستخدمت علم المعلومات بتطرف كبير في الرواية، وكانت الشخصيات غير مكتملة لأن العالم غير مكتمل في الأساس ومن يدعى اكتماله أحمق، وهذا يرتد بنا بعيدا عن الواقعية المعروفة إلى ما يعرف "بالواقعية الافتراضية"، كما أن اللغة لها جانبها الوحشي المفكك والمعبر عن الواقع.


    كيف يمكننى التعبير عن واقع قبيح للغاية بجمال، كما يمكنني الادعاء بأنه إذا خلا عمل الروائي من الموسوعية الذهنية أعتقد هنا أننا لا نتحدث عن الرواية بل نتحدث عن موقف شخصي محدد من الحياة ويجب أن نتوقف عن موقفنا الفردى الضيق من العالم لأن ذلك سينتج روايات لا حدود لعددها ولا حدود لصفحاتها، نحن بلد وعالم يعاني من موت الجمال والقيم، فكيف نعيد للعالم حدوده الأسطورية القديمة. الأمر الآخر أنني دائم البحث عن مخرج جديد لكتابة الرواية وهو هاجس لكل روائي. دعنى أجرب واحكم أنت على التراكم. أو ألق بأعمالي في أتون اللهب، وإن لم نستطع في مصر أن نتوقف قليلا لنرى كيف يمكن أن نخرج بالرواية لآفاق رحبة فلا أعتقد أننا سنتقدم على صعيد الرواية العالمية. هذا سر ابتعاد المسافات الزمنية لي في الكتابة، كما أنني من المؤمنين بأن الخيال العميق والموغل في التاريخ والمستقبل معا هو الأب الحقيقي للعمل الإبداعي والتجريب هو أمه التي يهرب منها الجميع.


    لا يمكنني قراءة رواية دون الأمرين، بالإضافة إلى ذلك فإن اختلاط الواقعي بالخيالي والتاريخي بالمزيف والبنيوية بالتفكيكية هو تاريخنا الرسمي في الكتب المدرسية، وأخيرا  أنا ابن ما قرأت وما أعيش. ولكنى في بعض الأحيان أحب لعبة الابن الضال، كما أننى أرى أن الجنون أحد مرتكزات الأعمال الروائية الكوزموبوليتانية. كيف لا تلتقطه أرواحنا وأقلامنا، الأمر الأخير أنا لا أكتب إلا للمستقبل.


    الكتابة للمستقبل عمل مرهق لأنه يعتمد على عشرات النظريات العلمية، بجانب الاطلاع على كل ما يكتب في التحليل النقدي الجديد، في الخارج بالطبع وليس هنا، لأن لدينا من لا يستطيع الفكاك من أسر النظريات النقدية البالية التي ظهرت في الستينيات والسبعينيات، ولعلك عزيزي القارئ تعلم أن الكاتب ومثقف العصور القديمة قد انتهى، وأن فكرة الإحساس نفسها تكاد تنتهي من الرواية لكن ذلك لا يعني أن الرواية تنتهي، وإنما تبحث عن جذور جديدة في عالم لا تلتقطه يدك، فعما قليل وخلال ربع قرن سينتهي عالم الورق، وستقرأ الأجيال القادمة عبر أجهزة لم تخترع بعد، نرى الآن بداياتها، كما أن الكتابة تحتاج للتعرف على شكل العالم القادم، وليس معنى ذلك أن أكتب عن المتخيل القادم، وإنما أن أكتب عن هذا الصراع الذي يستعر تحت الرماد بين الإنسان الذي تشرب بالأفكار القديمة وعن جدلية العالم والإنسان وعن القدرية القاتلة التي تحكمه منذ هوميروس وسوفوكليس وأساطير أجا ممنون وعوليس والتي تكررت في الأدب الحديث، وصراع الإنسان للفكاك منها، وسقوط الآلهة القديمة، والتحول نحو الإله الجديد الذي أصبح يرتدي عباءة زيوس وأبوللو، الإنسان أعني هذا الذي تتحكم فيه البرمجيات والسيناريوهات التي تنتجها مؤسسات التفكير العالمية، فيما نحن قابعون نتحدث عن عصر الصناعة والزراعة، لا نتقدم إلا بقدر استهلاكي معين ووفق ما يريده الآخر لنا، تدحرنا نظريات المؤامرة ونحن نشارك فيها مرغمين لأنه لا سبيل لتجاوزها.


   إذن القدرية الجديدة ليست تلك القدرية التي فرضت علينا من العوالم الميتافيزيقية، وإنما فرضها علينا الإله الجديد الذي يتخفى تحت اسم إنسان في العالم الجديد الذي يقبع هناك على الضفة الأخرى من المحيط.


    لا يمكن لمشروع روائي أن ينمو بشكل جيد في ظروف ينقسم فيها العالم ويتحول، بل لن يكون الأمر أكثر من رواية واحدة ستمثل هذا المشروع، سينتهي عالم المشروعات الروائية، لأن طبيعة العالم السيكولوجية تحورت وتحولت بشكل كامل، إنه أي القارئ لا يريد أن يقرأ نفس الكلمات كل مرة، لا يريد أن يضع نفس الماكياج كل مرة، الروائي صاحب المشروع الآن يمسك بين يديه بكتلة من اللهب، اسمها الحقيقي أن تكون كلمتك في الرواية مرة واحدة، وأخيرة، فلن يقرؤك العالم مرة أخرى، فقد فك شفرتك، هل نستطيع الآن أن نحافظ على تلك الشفرة، هل نستطيع في كل مرة أن نقدم أفكارا جديدة للعالم دون أن يكتشف أحد أمرنا، وهل سيحتمل العالم الذي يريد أن يرى ممثلة جميلة جديدة في كل لحظة أن يرى أن ما يكتب هي أفكار جديدة لم تقدم من قبل في كل مرة!


    إن الموقف الذي نحن فيه الآن - أي كل الروائيين بلا استثناء -  هو موقف لا نحسد عليه، إن وصول المصريين للعالمية في الرواية يعني أن هناك مدرسة جديدة يجب أن تقام على صرح الماضى الذي خلفه لنا يحيى حقي ونجيب محفوظ، هذه المدرسة قوامها دعم الخيال الإنساني وبلا حدود، الخيال هو التاريخ الحقيقي للحضارات، للإنسانية جمعاء، الخيال الذي قتله التطرف واللامبالاة والبيروقراطية والعادات المشوهة!


    إن دعوتي لأصدقائي وصديقاتي من الروائيين هي أن يتوقفوا للحظات، وأن يعيدوا التفكير في كل كلمة تكتب، نحن في حاجة يا أصدقائي للخيال، والخيال فقط الذي يدعم الجمال والقيم الإنسانية العظيمة، ويفجر الطاقة ويعيد الروح للوطن العربي كله، لاتكتبوا  إلا لذلك!