التجربة الروائية: في أن تكون نموذجك الأوحد!

20/03/2015 - 3:31:14

رواية صنعائى لنادية الكوكبانى رواية صنعائى لنادية الكوكبانى

نادية الكوكباني - روائية من اليمن

    يتكرر مرور ذات السؤال في حياتكِ! الإجابة عنه بينكِ وبينكِ لا تكفي. ما تحتاجينه هو تحويل الإجابة إلى واقعٍ يرضيكِ ويحقق التوازن الذي تنشدينه في حياتكِ بين التخصص العلمي والهواية الأدبية!. سألتِ نفسكِ في المرة الأولى بعد الانتهاء من دراسة الهندسة المعمارية: ماذا بعد؟ سترضيكِ الإجابة بضرورة العودة للكتابة، لشغفكِ الوحيد الذي تجدين فيه ذاتكِ. للبوح بمكنونات ذاتكِ وبتفاعلكِ مع من حولكِ. ستفعلين وستقررين نشر ما تكتبين بقوة العودة وبإصرار نحت اسمكِ في عالم القصة القصيرة. اسمكِ الذي فضلته في السابق مستعاراً لا بد أن يجاهر بحقه في الظهور وبقوة هذه المرة. ستومض في طريقكِ مؤشرات تقول إن الاستمرار يحتاج إخلاصا أكثر فجائزة عربية "سعاد الصباح 2001" ومن ثم جائزة محلية "رئيس الجمهورية 2002" تشجعان على التفاني للاستمرار وتحقيق نجاح أكثر وأكثر... ستحاصركِ بعد اثبات الذات لاءات كثيرة من حولك ومحاذير مجتمعية قبلية دينية تقيد روحكِ المنطلقة للأدب وشغفك اللامتناهي للاستمرار. بعد معارك إثبات الذات ستبدأ معارك تثبيت الذات في هذا الثالوث المخيف من حولكِ. ستجدين أن الحل لا يتطلب أكثر من إصرارٍ على الاستمرار وتحمل تبعات هذا الحل من ألم وحزن وشعور قاتل بالوحدة والظلم.


    سيلح عليكِ السؤال بعد ثلاث مجاميع قصصية "زفرة ياسمين" 2000، "دحرجات" 2002، "تقشر غيم" 2004. ورغبة ملحة في الغوص في أعماق الذات وأعماق المجتمع. في نبش كل ما يحرك فيكِ ساكنا، ويتماس أو يتقاطع مع كل من حولك، في استرسال البوح وفي مزج  الواقع بالتخييل الذي حلمتِ به ولتطلقي لروحك العنان للتحليق في كل اتجاه.


    ماذا بعد القصة القصيرة؟ كلمة "رواية" كانت مرعبة ومخيفة، ارتجف لمرور كتابتها جسدكِ مراراً! كيف ستلجين هذا العالم المدهش؟ وكيف ستثبتين نفسكِ في زمن أصبح بالفعل زمن الرواية؟ تتجلى في أعماقكِ عبارة أوسكار وايلد: "كن نفسك!" لتوقني أكثر بأنكِ عالم مليء وزاخر بمحيطٍ بكر وما يحتاجه هو رغبة حقيقية في الاكتشاف! وإن مواده الخام ثروة أدبية تبحث عن إدراك حقيقي لقيمتها. ماذا تكتبين؟


    سؤال كان لا بد لكِ من الإجابة عنه بصدق. ستبدئين بذاتكِ؛ فلا يمكن لكِ أن تتخطيها. تحتاجين للتخلص من تراكمات طفولة نقية ومراهقة مولعة بالاكتشاف، تحتاجين أيضاً للتخلص من ممارسات ثقافية ومجتمعية نمطية لم تترك لك واحديتها حرية الاختيار أو البحث عن التعدد الذي ستكتشفينه لاحقا في العالم وفي الذوات البشرية. ستبدئين الكتابة بخوف البداية وخجل الارتباك. سيظهر في حياتك من يشجعك تماما كما سيظهر من يثبط عزيمتك ويحقر من بدايتك. لا يهم ستكونين نفسك كما قال أوسكار وايلد. ستفعلين ما ترينه صحيحاً وما يقنع ذاتك. يوماً عن يوم ستوقنين بأنكِ تتفاعلين مع أعماقكِ ومع محيطك بقدر تفاعل الآخرين من حولك مع نصوصك. ستجدين أن التميز هو ما أنت عليه في الواقع أو في عالم التخييل الذي تنشدينه لتثري تميزكِ ولتعتبري نفسكِ النموذج الأوحد الذي لن يتكرر.


    ستمر التجربة الأولى في رواية "حب ليس إلا" 2006. لم تكن سهلة ولم تكن صعبة. وجدتِ نفسكِ في نهايتها غير مدركة ماذا فعلتِ؟ من كتب من؟ أنتِ كتبت الرواية أم هي التي كتبتكِ؟ ستتلصصين على ذاتكِ كما فعل القُراء! ستُحاصرين بالأسئلة من كل جانب. سيكررون ما يتردد في أعماقك بطرق مختلفة: من كتب من؟ ستهربين وتقولين أنا من كتبت لكن ما كُتب لست أنا!!! ستجدين نفسك بين مطرقة المجتمع وسندان الذات الراغبة في الاستمرار وغير القادرة على المواجهة أو الإجابة عن كل تلك التساؤلات أو حل كل تلك المشاكل. آآآآآه من تلك المشاكل!


    ستمر التجربة الثانية رواية "عقيلات" 2009 بردود فعل مختلفة، صادمة ومحيرة في بعضها، لكنها مرضية في جانبها الآخر أرضتني، بتفاعل المتلقين والمتذوقين للعمل. لكنك بها ستتحررين من شعور أن ينال العمل رضا واستحسان كل من قرأه وأيضا التحرر الأكبر من واجب الكتابة في موضوع سبب لك ألما غائرا لن يخبو مع الزمن.


    وصول الروايتين للطبعة الثالثة يسبب لكِ النشوة ويحفزك على الاستمرار. وخلال تلك الفترة تلتقطين قصة هنا وقصة هناك. تتفاعلين مع ما يدور حولك فتكتبين مسودة لقصة أو فكرة تستحق الإنجاز. تكتشفين أن حب القصة وكتابتها لم يخبو في داخلك رغم متعة كتابة الرواية لتكون المجموعة القصصية الرابعة "عادة ليست سرية" 2012 عملا مغايراً ومتقدما على مستوى اللغة والموضوع، وهذا ما سمعته من الآخرين وما انتابهم من شعور أثناء القراءة، أما أنت فهي الممارسة والتراكم الذي أحدث تلك النقلة التي يقولون عنها أو اللغة التي بهرتهم أو المواضيع التي تم تناولها بطريقة مختلفة.


    وتأتي التجربة الروائية الثالثة "صنعائي" 2013" لتشعري أنكِ تكتبين بوعي أكبر وبمزاج عالٍ في أن تكوني النموذج الأوحد لذاتك، فقط ذاتك في الكتابة وفي الحياة.