آلهة الرق

20/03/2015 - 3:28:53

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

فتحي إمبابي - روائي مصري

    غادرت القوات غابات شامبى غربا إلى محطة الرول، توارت ظلال الغابة العملاقة، وبدا حوض بحر الغزال سهولا منبسطة، تقدم الملازم سالم خلاف جنوده في أشد شهور فصل الجفاف قحطا، كان الجو خانقا، وأمامه الأعشاب تحترق، ويعلو الفضاء سحابات الدخان، لكن الخشية من هبوب الرياح محملة بالنيران وسقوطه وسقوط جنده في شراك حرائق البراري التي أبادت قري بأكملها، جعله يبقي على السير على حواف المناقع، ولم تكن طرق الموصلات أقل إيلاما، فقد كانت الأعشاب تنمو بسرعة خيالية عقب سقوط الأمطار، فتسد الطرق وتخفيها خلال أيام قليلة، فتجعل من السير شديد المشقة، سار الجنود وهم يقصفون ذوائب البوص والبردى ليفتحوا ممرا وسط الأجمات والأعشاب المتشابكة، وبينما الملازم منهمك في قيادة جنوده، كانت زوجته الشابة ألفت السلحدار تكتم آلامها معبرة عن شجاعة عظيمة، وهي تخفى خوفها وقلقها من فقدان جنينها وسط البراري والمناقع.


    في الظهيرة بلغوا نهر لاو، جلسوا لتناول الطعام، كان يبحث عن إجابة على سؤال طالما راوده، وهو عدم توفر عربات للنقل تجرها الجياد، في أراضي لم تكن تسمح بوجود الحمير أو البغال، فشلت الحملة في ترويض الحمير الوحشية، أما الجمال فكانت سفن الصحراء، بينما تشكل حوض بحر الغزال من مراع ومناقع وبطائح ومستنقعات تمتد إلى تخوم السماء.


    عندما غادر ضفاف نهر لاو الذي ستدور على ضفافه أعنف المعارك بين القوات المصرية وقوات الأنصار، كانت السماء صافية تنعكس بزرقتها على بطاح أقل ازدحاما بحشائش البردي، والشمس تتكئ على كبد السماء، وأشجار السنط والطلح تصنع على امتداد البصر على صفحة الماء بقع من ظلال. لكن هذا الصفاء الإلهي والسلام الذي يخيم على الطبيعية، لم يكن يشابه الكراهية التي تحملها وجوه الأعداد القلية التي رآها من الزنوج، لحظتها استعاد أحداث ثورة الرول التي قام اليوزباشي محمد أفندي الصياد منذ شهور قليلة على قمعها.


***


    بدأ تمرد الرول عندما شن قومندان الرول الأسبق مرجان على أفندي ودون أي أوامر من قيادته غارة ضد بلدة خاضعة للحكم المصري، وكان مرجان يعمل في السابق ترجمانا للقوات المصرية ودليلا لها في المناطق المجهولة، لم يمض عليه في الجيش زمن كاف للحصول على التأهيل العسكري اللازم، فبدا له أن البزة التي ارتداها والقوات التي تحت أمرته، والتاج الجديد للخديوي سيمثلون له حماية كافية لقضاء ثارات قديمة بين القبائل على الماشية، لكن الأمور كلها انقلبت عليه، فبنفس الأسباب تألبت عليه قبائل الدينكا برمتها وأبيد هو ورجاله عن بكرة أبيهم.


    وفى الطريق إلى الرول كان التمرد ينتشر كالهشيم فقد تمكنت القبائل الثائرة من إبادة حامية محطة جوك مختار برمتها وإهلاك قسم من حاميات محطتي رومبيك وأجاك والذين استطاعوا النجاة منهم انضموا لقوات الصياد التي دعمها الحكمدار بحملة مؤلفة من 940 جندياً مسلحين ببنادق رمنجتون ومدفعين جبليين بقيادة اليوزباشي سليمان أفندي السوداني أرسلت من لادو، كما بعث إبراهيم أفندي جورحورو قومندان مكراكاً ومعه 600 رجل بعضهم العساكر غير النظامين والبعض الآخر من السودانيين. وضمت القوات عددا من محاربي قبائل النوير، وبعد حرب استمرت ثلاثة أشهر تمكن الصياد من إخضاع التمرد، والقضاء عليه، وتولى على أثره قيادة إقليم الرول، فعاث فيه فسادا، وقتلا وظلما وتنكيلا.


***


    في ظهيرة اليوم الثاني تمكن الملازم خلاف من بلوغ نهر النعام، ظهر على مرمى البصر عدد من الماشية تغوص في مخاضات النهر وتحرسها كلاب صغيرة، وفى مرمى الأفق كان ثمة أكواخ صغيرة مدورة لإحدى قرى دينكا الآجار، كان الرجال يجلسون في سكون وجمود قرب النار يدخنون الطباق، وقد زين وجوههم وصدورهم العارية وسواعدهم أسلاك ملونة، يتابعون نساءهم يخضن بسيقانهن في الوحل ليملأن جرارهن من ماء النهر ثم يحملنها على رؤوسهن عائدات إلى القرية.


    تجمع الصبية والنسوة يعرضون على الجنود مبادلة أغراضهم بما لديهم من بطاطا وموز وطيور. كانت النساء تدعوهم لدخول أكواخهن حيث تجمع داخلها أكوام من الطباق، وقامت سيدة شابة بعرض مصنوعات من الحلى الجلدية على زوجته ألفت السلحدار التي وقفت تحاول معرفة ثمنها، حتى جاء هو وعرض على المرأة بعض الخرز الملون فأخذته بامتنان.


بادل الجنود الطباق بالخمور، بينما ترك آخرون قطعا من ملابسهم لقاء ما أخذته نساؤهم من طيور وأسبطة الموز والقرع العسلي.


    وفي الأرجاء تودد عدد من النساء للجنود، حاول الملازم خلاف الخروج بقواته من القرية، لكنه لم يجد سوى نصف جنوده، بينما البقية كانت تخوض معارك حميمة على أجساد النساء، عندما أوشك النهار على الانبلاج نفخ في البوق نوبة الجمع، فخرج الجنود وهم يقفزون عرايا من أكواخ، يحاولون اللحاق بسراياهم التي شرعت في المسير، وفي منتصف الليل دخل حامية الرول عاصمة الإقليم العاشر.


***


    بدت محطة الرول تفتقد إلى الانضباط العسكري، ورغم استقبال قومندان إقليم الرول الحافل له، فقد شعر بالتوجس، فعدم انتظام الجنود في طوابير الجندية، لم يكن في جسامة السير في أرجاء المحطة في حالة مزرية من سوء الهندام والسكر البين صباح مساء، أو تجاهله تحية العلم، وهو ما جعل الملازم خلاف يدير شؤون وحدته العسكرية بغض النظر عن السلوك العام لقوات المحطة، وطوال الشهر والنصف حافظت قواته على تأدية طوابير الصباح وسط أسس الانضباط العسكري اللازم والضروري، وكانت ساحة المحطة تشهد سخرية السكارى من ضباط صف وشاويشية ورقباء القوات الأخرى. فبدأ الصدام قادما لا محالة، فشكوى العساكر المصرية من قيام اليوزباشي باغتصاب مقنناتهم من لحوم وحبوب ومؤن الطعام، والتي تخصم من رواتبهم، وبمعنى آخر تمثل رواتبهم الحقيقية، لكن الأسوأ كانت حملات القومندان على القري القريبة، والاشتداد على الأهالي في جمع الضرائب، رغم أن زعماء القرى أوضحوا باحترام أن قراهم سبق ودفعت لحكومة الخديوي ما عليها من عاج وريش النعام.


    كان الملازم خلاف يعلم أن هناك علامات استفهام حول قيادة القومندان الصياد للإقليم، ففي مايو من العام الماضي شنت قبائل الآجار هجوما على محطة روميك انتهى بذبح وإبادة جميع موظفي المحطة وهاجموا المخازن وأشعلوا فيها النيران، وخلال أربعة أشهر امتدت الثورة إلى المناطق المحيطة بأجاك وشيمبي، وعندما أرسلت لجنة تحقيق من العاصمة لادو للبحث عن أسباب الثورة برئاسة البكباشي إبراهيم أظهرت النتائج أن أسباب حركة التمرد هي "تجارية" أي على ما يضاد المرغوب من العدالة، فقد استولي مأمور الرول  على تعيين عساكر الحكومة، وشن الغارات على الأهالي رغم امتثالهم للطاعة وتأدية المطلوب منهم، أما السبب المباشر للثورة فهو اجتراء مأمور رول على تكرار الضرائب العينية المقررة عليهم بالقوة وخروجه بذلك عن أصول العدل".


    في مساء اليوم أصدر اليوزباشي محمد أفندي الصياد تعليماته للملازم خلاف بالتحرك إلى محطة مشرع الرق بصحبة سريتين بيادة، ودون أن يبدي اعتراضه على تعليمات قائده، قرر تنفيذ الأوامر الموكلة إليه، لكن دهشته بلغت ذروتها عندما علم بأن القومندان دفع إليه بسريتين من القوات غير النظامية، وبهذا كان عليه أن يترك مؤن جنوده الذين كان عليهم البقاء في الرول في مخازن الرول.


    لكن هذا لم يفت في عضضه، فالاقتراب من مركز الأحداث في السودان الأوسط كان أحد مطالب التنظيم السري العسكري للضباط العرابين المنفيين، وفى الليل همس إلى زوجته بأن عليها أن تجهز نفسها للرحيل خلال أيام، شهقت فقد بدا أن زوجها نسى أن سوف تلد خلال أسابيع، وعندما انتبه إلى الأمر استطرد مفكرا مراجعا ما ذكره منذ لحظات "أنها تستطيع الانتظار حتى تلد".


    كانت فكرة سخيفة رفضتها على الفور، من سيكون بجانبها في تلك اللحظة المخيفة، بكت بكاء صامتا، تذكرت أمها فبكت بمرارة... تذكرت قصر أبيها المطل على النيل... تذكرت مربيتها... تذكرت الوطن البعيد... كانت تود أن يتحول بكاؤها إلى نحيب لكنها تعلم أنه متعب، وأن سوف يصطدم بقائده شاء أم أبى، وبينما تفكر فيما قاله، سمعته يقول "إنه أغبى ضابط في التاريخ العسكري". قالت وهي تخفى بكاءها لماذا يقول هذا عن نفسه واستطردت وهي تشهق "إن الجيش لن يجد ضابطا في كفاءته". استدار يضمها "ولكن من هو الضابط الذي يترك حبيبته في بلاد الأعداء" وأضاف لن ترحلي في محفة، ولكني سأجهز لكي تختروان، وأفرشه بالرياش الفاخر، وأعهد به لثمانية من الحمالين يحملونك برفق سيكون أفضل من فراش بغرفة نوم على النيل. تمدد على ظهره وهو يهمس: بتبكى.


- صعبت على نفسي.


   استدارت مبتعدة بجسدها، فهمس: لن أطلب من قومندان الرول البقاء، فلو فعلت سنكون في خطر شديد. يجب أن نرحل.


    (من رواية جديدة عنوانها "الجحيم")