مشاعر سرية

20/03/2015 - 3:27:45

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

صفاء عبد المنعم - كاتبة مصرية

    تبحث عنه بعينيها، أينما تحط بمشاعرها الحزينة على أى بقعة من الأرض، بعد أن تكون طارت وحلقت مئات الأميال، وعادت لكى تحط للحظات أو دقائق أو سويعات قليلة عندما تجده أمامها. ذلك الشيء الهلامى المشاعر، والذى لم يحدد موقفه منذ آلاف السنين، فهو حورسها الحبيب أو ربما يكون أوزيرها الصامت القابع فى مملكة الموتى.


    عندما رأتنى أمامها بعد غياب دام شهورا طويلة، وذلك بسبب انشغالى فى أحداث ثورة 25 يناير. سحبتنى من يدى كطفل صغير، وقالت وهى تبتسم، ابتسامة حب على مرارة على حزن: "أنت لازم تروحى دلوقتى؟ لسه بدرى، تعالى نقعد شوية على النيل". سرت وراءها متقطعة الأنفاس، بسبب البرد القارس، الذى لم أعد أحتمله لضعفى،  وبحكم السن والالتهاب الشعبى الذى أصاب به باستمرار. وأخذت تبحث بعينيها عن المكان المناسب الذى تجلس فيه امرأتان بمفردهما بدون قلق من المارة أو المتطفلين. وأخيرا وجدنا المكان المناسب، أمام مبنى معهد ناصر على كورنيش النيل، وجلسنا. هى تحكى. وأنا أنصت. هى تروى. وأنا أرسم المشهد التخيلى للمواقف والأحداث التى يجب علىّ أن أحكم من خلالها على ما حدث بينهما.


    قالت لى بعصبية وخوف وحب: أنا كنت باروح ميدان التحرير فى المظاهرات من ورا أمى، هل ده حرام؟ عشان خدعتها وكدبت عليها، وقلت لها أنى باروح الشغل؟ وأخويا كان بيروح التحرير، وبيقف بالليل فى اللجان الشعبية، وهى سعيدة وفرحانة وفخورة بيه! لو كنت مت أو هو مات، مين فينا من وجهة نظرها كان هيبقى البطل؟


    خزنت المعلومات فى رأسى وصمت. مر بائع الكوكاكولا وطلبت منه اتنين أسبرايت. وهى تمسح دموعها وتضحك: ليه الولد له الحق فى العلن؟ واحنا نسرق الحق فى الخفاء؟ ردى يا أستاذة يا متعلمة يا كبيرة!


    كان البرد قارسا لدرجة لم أتخيلها، ولم أعمل حسابها خصوصا وأن أمشير قد ذهب!


جاء البائع ووضع الزجاجتين فى يدى وأعطانى باقى العشرين جنيها. سألته عن مناديل ورقية. فأخرج من جيبه منديلا وأعطانى إياه ثم انصرف.


    أخذت هى تحكى وتروى عن مغامراتها فى ميدان التحرير. والشباب الذين كانوا يحيطون بها لحمايتها والخوف عليها. وأثناء استطرادها قالت بعفوية: أنا فى المظاهرات،  تعرفت عليه "سامر" ضابط خلع ملابسه، ووقف معنا يهتف، وحمله الأولاد على الأعناق، ولقد رأيته وهو سعيد ومتحرر من البدلة الميرى.


    رفعت الزجاجة الباردة على شفتىّ، ورشفت رشفة كبيرة ملأت فمى وبلعتها بسرعة. زغدتنى بكوعها:


_ تفتكرى الناس دى زينا بتخاف وتتألم وتحب وتكره؟


_ طبعا مش بشر.


ضحكت ضحكات مكتومة.


_ طيب ليه هو خلع البدلة؟ وبقى بنى آدم طبيعى؟ ما كان من الأول وهو لابسها؟


_ طبيعة عمله تمنعه من ذلك.


_ هى الوطنية فيها طبيعة عمل؟


_ عشان الموقف مختلف، دى مظاهرات ضد الفساد ونظام الحكم؟ وهو جزء من النظام ومطالب بحمايته!


    أعتقد أنها لم تقتنع بوجهة نظرى، بدليل أنها أخذت تنظر إلى النيل وترشف بعض المياة الغازية وهى لا تبالى بالجمل والكلمات التى تتساقط من فمى فى سرعة وبلاغة ربما تكون كبيرة على قدراتها العقلية أو كما نسميها (كلام مثقفين).


    البرد زحف على قلبى وعلى أطرافى، وبدأت تدخل أطرافى فى حالة من الرعشات والتشنجات الصغيرة قد تتطور، وأنا أحاول السيطرة على نفسى، أفرغت زجاجة الأسبرايت فى جوفى علها تخرجنى من هذا البرد بخلق برد داخلى مواز للبرد الخارجى.


    وعندما لمحتنى بطرف عينها وأنا أهتز بردا، قالت لى: أنت بردانه يا أبلة؟ ثم خلعت الشال الذى كان على كتفيها وأعطته لى، فظهرت العباية التى كانت ترتديها،  وأظهرت رقة الحال التى هى عليها، ولكنها لم تخجل، بل ظلت تحدثنى عن الثورة والزملاء فى الميدان والأولاد والبنات والخيام والباعة الجائلين والمجتمع والناس. وأنا أتتبع كل كلمة تخرج من بين شفتيها فى تلقائية وبساطة وأرسم المشاهد والمواقف التى حدثت هناك، وأتخيل كم المعاناة التى عاناها هؤلاء الشباب، وهؤلاء الناس من الفقر والعيش على حد الكفاف، وبرغم ذلك مازال لديهم طاقة للحب والمشاعر النبيلة التى لم تلوثها الأيام. وقبل أن أنهض من مكانى لأن البرد كان يزداد حدة، والكلمات تزداد غضبا، قلت لها بتواضع: أنا أديتك روايتى الجديدة "بيت فنانة"؟


    أجابت بحذر: أيوه يا أبلة وقرأتها وأديتها لأصحابى وأنا بفتخر أنى أعرفك. واحنا فى ميدان التحرير، حكيت لهم عنك، وعن شجاعتك، وكتباتك اللى اتعلمت منها كتير  وقلت لهم وأنا بحلم ممكن تكون الأبلة من الثوار دول، أو من الأدباء العظام، ومن مفجرى الثورة.


    شردت للحظات، وأنا أرسم صورة المشهد. وهى تحكى وهم يسمعون لها. وتخيلت نفسى بجوارهم عظيمة وشامخة ومرفوعة القامة، أو أتلقى رصاصة حية فى قلبى وأسقط بين أيديهم، ويلفونى فى علم مصر الحبيبة، وتصنع لى جنازة فخيمة تليق بى، ويلف بها الثوار شوارع القاهرة وهم يهتفون "عيش، حرية، عدالة أجتماعية".


    أوقفت التاكسى، ونادتنى: يا أبلة، آسفه أخرتك كتير النهار دا،  مع السلامة.


    بعد أن تركتها، وركبت التاكسى. انطلق بى سريعا وكان الجو باردا والسماء ملبدة بالغيوم، وطوال الطريق أحث السائق على السرعة، لأننى كنت أشعر ببرد شديد يجتاح مشاعرى، وعندما عدت إلى البيت، اتصلت بها كى أطمئن عليها، خصوصا وأننى بحركة ندالة تركتها فى الشارع بمفردها، وهى بحركة جدعنة أركبتنى التاكسى، وأوصت السائق علىّ: خلى بالك من الأستاذة.


 -  هاى سوسو، إزيك. وصلتى بالسلامة؟


- إزيك يا أبلة الحمد لله وصلت،  طمنينى على صحتك.


- أنا بخير والحمد لله، أخذت قرص أسبرين وشربت كوب شاى دافىء. قوليلى روحتى إزاى؟ كنت قلقانة عليكى خالص.


- أبدا يا أبلة أخذتها مشى من عند معهد ناصر لحد المظلات، وبعدين ركبت ميكروباص المطرية.


    لقد أصابتها العدوى، أصبحت تحب المشى مثلما كنت أحبه فى شبابى، وأنا فى مثل سنها، كنت أمشى من ميدان التحرير إلى المطرية وكتبت ذلك كثيرا فى مجموعة "بنات فى بنات". لقد هجرت موطنى القديم ومكان ميلادى وحياتى هناك فى المطرية،  تركت قلبى الذى يهفو إليها ومشاعرى وعمرى، وقمت بتخزينهم فى مكان راق نسبيا عن المكان الأول، ولكن لا أتعاطف معه، وأخفى مشاعرى، أنا أحب المطرية وأحب الناس والشوارع، وكل شىء فيها يذكرنى بطفولتى، وبرواية "من حلاوة الروح". عندما أدخلها أشعر براحة نفسية غريبة مهما كان بى من حزن أو آلام تزول تماما، وأنشغل بالجلوس لأطول فترة ممكنة، إنها مدينة "أون القديمة" مدينة أجدادى العظام، إنهم الفراعنة أحبابى.


   سوسو تعيش فى المطرية، هى وأبناؤها وأمها، وهى الصداقة الوحيدة التى مازالت قائمة. كل فترة زمنية أذهب لزيارة سوسو وأهلها. هى تقوم بواجبات الضيافة، وأحيانا تدعونى على فتة كوارع أو محشى بمبار ضانى، وأنا أحيانا أدعوها إلى حديقة الحيوان بالجيزة ونقضى يوما رائعا.


    فى هذا اليوم قررت سوسو النزول إلى الانتخابات يوم 19 مارس وقول كلمة (لا) على تعديلات الدستور. حدثتنى طويلا عن فائدة الدور الذى تفعله بين الناس وما تقوم به من توعيه لهم، وأنها تود أن تقوم به مثلما كنت أفعل قديما فى الثمانينيات أيام الدور والواجب وحب الوطن. هى ترانى مثل الأسماء الكبيرة التى تسمع عنها، وقالت لى: أنا قدمت فى الجامعة المفتوحة يا أبلة وهادرس إعلام.


    فرحت كثيرا من قلبى لأنها لأول مرة تختار شيئا فى حياتها ومحببا لها مثل السكر. ضحكت وقلت لها: القطة طلع لها ضوافر. والله يا نملة كبرتى وبقالك لسان.


    ضحكت وهى سعيدة: الله يا أبلة لحد أمتى هافضل أقول نعم، حاضر؟ مش فيه ثورة! وأنا بعمل كده عشان خاطر أولادى ومستقبلهم ويعرفوا يختاروا وميطلعوش زى،  أحنا اتربينا غلط على الطاعة العمياء.


   كانت سوسو تتحدث معى بكل صراحة ووضوح، وأحيانا تحكى لى بعض الأسرار التى تخفيها عن الآخرين. فهى بالنسبة لى أخت صغرى. وأنا بالنسبة لها الجبل الشامخ الذى تود تسلقه أو الوصول إليه. إنها تفتخر بى أكثر مما أفتخر بنفسى، ودائما ما كانت تقول لى: أنت يا أبلة مش عارفة قيمة نفسك، لازم تفتخرى بيها شوية، شوية كتير.


    أضحك وأنا أعطيها قطعة الحلوى فى عيد ميلاد إحدى البنات: "التواضع من شيم أهل العلم، والفخر من شيم أهل الجهل". تضحك وهى تمد الشوكة لتعطينى قطعة حلوى فى فمى: والله أنت سكر وكلامك عسل.


    (فصل من رواية "حافة الروح" قيد النشر)