أنـا أراني أخرى

20/03/2015 - 3:26:29

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

سعيدة تاقي - كاتبة من المغرب

  وأخيراً وأنا أشـرف على عـتبـة الأربعـين أمتلك صوتي وجسدي. لم أمتلكهما دفعة واحدة. مرَّ زمن طويلٌ عليَّ لم أتوقَّع أنهما لي. ولم أسْعَ إلى المطالبة بهما. ليس لأنّني لم أعرف من ذا الذي يمتلكُ سلطة مساعدتي على استرداد جزء من هويَّتي. ولكن لأنَّني لم أفكِّر في أنّ العمرَ عارضٌ لجواهِر عديدة، تصقـلها الأيام والخبراتُ والمِحن.


  الآن أنا أشعرُ بهما.. وأعرِف بقوّةٍ كذلك أنَّه لم يكن لي أنْ أمتلكَهما من قبل، ولم يكن لي أنْ أصلَ إلى هذا الامتلاك إلّا في هذه اللحظة.


  هو كان يتابع ببسمة صامتة تقلّبات أمزجتي وأزيائي، ولا يتكلَّم. أدرِك في ابتسامته تلك أنني أتغيَّر، وأنّه يلاحظ ما أستَعـيدُه من نـزق طـفـلةٍ خذلتْها أعمارُ الطفولة. لم يكن يتدخَّلُ وأهواء خزانة ملابسي تعلِنُ الانفتاح على أزياء لم أتجرأ يوماً على ارتدائها. بل لم أفكِّر في عدِّها ضمن احتمالات الملابس المُمكنة، لأنها ببساطة لم تكنْ لي. ولم تكن طقوسُ تفكيرها الحيوية تلائم جمودَ الذُّنوب العديدة التي أحملها في مخزون ذاكرتي.


  في البدء، كان جسمي يصاب بالتصلُّب وأنّا أجرّب قطعة ما مختلفة.


 كانت القصّاتُ والألوان والأشكال إمكاناتِ معانٍ جديدة، لم أطمَحْ إلى التقاط دلالاتها من قبل. وكانت وهي تغلِّف تصَلُّـبي بمَرَحِها وحُبورها وانفتاحها، تشعرني بمزاجها الخاص. لا أتذكَّر متى بدأتُ في اقتناء القطع الأولى من تلك الملابس، لكني أذكر أنّني كنتُ أقتنيها لمجرَّد أنها أعجبتني. وفي أكثر درجات الإعجاب كنت أزمعُ أن أغيِّر بها ملامِحَ ما أرتديه داخل المنزل. لم يخطُر لي أنّني أمضي في مسار أفارقُ فيه ذاتـاً كنتُ أعتقدني إيّاها. لأنني ما زلتُ لم أعرِفني حقّ المعرفة، ما زلتُ أكتشِفني بعيداً عن ذاكرة التأثيم. كنتُ أنا أصحو داخل جسدي المعطوب. وأستعيد روابطي بالأنثى التي كنتُها في رسْم الولادة.


 كنتُ وأنا أمعنُ في تأمُّل صغيرتي "تَـودُّد" تكبُر وملامحُ شخصيتها تقوى، أدركُ أنّ زيّ الأمـومة الذي يغمُرني بفـيْضِه سيُخرجني من إهاب أمّي من جديد. وكأنَّني أولـدُ هذه المرَّة من رحِـم طفـلتي التي تشرف على بلوغ عمر الخمس سنوات، وأفارِقُ شيئاً فشيئاً صورة أمّي التي ترسُمُني.


 لكنني لم أتوقّع أنّ جـسـدي بدوره سيـنتـفـض. ويرمي عن جـلـده ما عـلقَ به من أزياء وأفكار وذنوب. كان يكفيني أنْ أفكِّرَ في غد صغيرتي، لأدركَ أنّ يومي ليسَ مناسباً لأحلام ذلك الغد. وأطيل التفكير، كيف لي أن أسقي براعِمها بقطْـرٍ يحنو على وريقاتها الهشة دون أي إتلاف.


 الآن، وأنا أبصِرُ من منظور صوتي الذي تحرَّر من خرسه لوحات ذلك الماضي، أفـقـه أشياء عديدة غابتْ عنِّي في حينها لأفاجئ ذاتي بما أنَا عليه. آمنت دوماً بأنَّني نِـتاجُ كلِّ ما عشته في حياتـي. صنَعَتْني تلك الدروب العتـيقة والأقواس الواطـئـة والأبـواب الشـامخـة والجدران الرطبة والسَّقـايـات المعـطاء، وشريطُ الخضرة الممـتد بين الأرض والسماء والمنتشر بين الحدائق والأصص، يعلو حينا على مزاج الجبل استوطنه المعمارُ، وينحني حينا على مزاج السهلِ يغدِق حنانَـه على الإنسان.


  صنعني كلُّ ذلك الصمت والخوف والانكسار. صنعـتني الدّهشة والشهقة والوجفة. صنعني الألم والأمل والفرح والحزن. صنعتني الأسـفار والهزائم والأحلام. كل ذلك قد شكَّـلني فعلاً. لكنني أكتشف، وأنا أفرِغُ روحي على هذه الأسطر، أنَّني أخفي في أعماقي أخرى لم أصل إلى أغوارها.


 أيمكن أن أكون أخرى سأكتشفها حين أبلغ عُمر الأربعين؟


 جسدي الذي كان يحملني كل هذه السنوات أراه لأول مرة بشكل مختلِف، لأنّني مختلفةٌ. أولأنني أدرك أنَّني أختلف عمن كنتُ أظُنُّني.


 أذكُر في طفولتي كيف كانت تذهلني أولئك العجائز المتقدّمات في العمر اللاتي كنت أصادفهن في كل زوايا مدينتي تِطْوان. أذكر إلى اليوم كيف كانت سيقانهن مسبوكةً في بياض ناصع ولافت، تعـلوها على الركبة أو أعـلى قليلاً تنانيرُهن أو فساتينهن القصيرة. وأذكر كيف كانت أكتافهنَّ وأذرعهن البضّة العارية تُطـلُّ من أكمام القـمـصان القـصيرة أو المنحسِرة. أذكر أنَّني سألتُ أمي يوماً، ربما في سنّ السادسة أو السابعة، عن سبب الاختلاف الواضح بين أزيائهن وجلبابِها الرمادي الذي يغمر كلّ جسدها ويغطي شعرها، ولـثامِها الأبيض المطرَّز الذي يخفي نصف وجهها من منتصف الأنف إلى العنق.


 لا أذكر جوابها الآن. هل لسبب أنَّها لم تجِبني أم لأنّها لم تُقنِعني، لا يهمُّ. ما أذكره بقوّة عن ذلك اليوم، هو بداية وعيي بالاختلاف بين البشر. منذ تلك اللحظة أدركتُ أنّ أبي ليس النموذج الوحيد للآباء، وأنّ أمي قد تشبِه الكثيرات لكنها ليست صورة وحيدة عن الأم. أدركتُ يومها أنَّــنا نحنُ "الأطفال" يصنعنا آباؤنا كيفما يريدون. وأنّ آباء آخرين غير أبويّ يصنعون أبناءهم بأشكال وأزياء وأفكار تشبِههم. قد يكون ذاك اليوم أول يوم أقيسُ فيه نفسي بالمقارنة إلى أمّي وإلى مَمَّا شمس الضحى التي تشبهها رغم الاختلافات، ولم ترقني نتيجة القياس. فرفضتُ أن أكون مثلهما. وكانت تلك أمنيتي الخفيَّة، أسرَرْتُ بها إلى الله في مناجاتي له. ولم أتمكّن من امتـلاك الجـرأة على تحقيقها إلا بعد أكثر من عشر سنوات على وفاة أبي. وظلت الأسئلة رفـيقـة وفيّة لطفولـتي المتعثِّرة. كنت أفكِّــر كثيراً، وأتساءلُ كثيراً. لم أكن أعثر لأسئلتي عن أجوبة. ولم أكن أبحث عنها خارجي. ولم يكن أي فردٍ من أفراد أسرتي يعتقد بأنني أختلف عنهم كثيراً، إلى غاية عام 1984. كنت في الخامسة عشرة حينها، أزهو بما أطوي عليه دواخلي من أحلام ويحاصِرني ما يفهَمونه من معادِلاتٍ للخارج. كنت مشدودةً إلى الحركة والتجول في أحياء المدينة وأزقتها. وكانت أسرتي تمانع كثيراً خرجاتي تلك. لم تكن أمي الاستثناء. لكني كنت أفاجئها بمغادرتي البيت حين تحاصرني للبقاء.


 بعد وفاة أبي لم يعدْ إخوتي يهتمون بأمري، أو كيف نتدبَّر أنا وأمّي معيشتنا. لكنهم كانوا حريصين على طرْق الباب في صباحٍ لا يعقدون لبدايته أيَّ خـيرٍ، كي ينـبِّهوني بتهديد لا يُخفي أدلَّـته إلى أنّ ملابِسي يجب أنْ تكون أكثر حـشـمة. وكلَّما ازداد حرصي على إرضائـهم ازداد تدخُّلُهم. كانت ملابِسي تلك فيما أذكرُ تدعوهم في غـفـلةٍ منّي لزيارتنا أنا وأمّي، أمّهم التي ظلَّتْ وفيَّةً لولاء هُو لَهم ضدَّ كلِّ تعاطف مع معاناتي.


 ملابسي تلك، أفارقها اليوم بحسرةٍ على عمرٍ مضى لم أعرِف فيه شكل جسدي.


 هو عُمرٌ مرَّ سريعاً. بطيئاً. مرَّ وكفى.


 لم يعُد بإمكاني العودة من جديد لاقتناصِ لحظاته الهارِبة. لم يعُد بإمكاني أن أعيش ما كُـنـتُه، دون ما كُنتُ عليه. سيَّجوا للأسف علاقتي بذاتي وصوتي وجسدي. أوهموني لسنواتٍ طويلة أنَّ زيّي أكثر أهميَّةً من شخصي. أوهموني أنَّ ما أرتديه من ملابسَ يُعلِنُني فلا حاجة لإطلاق سراح صوتي. أوهموني أنّ البراءة هي براءةُ الثياب من تُهمةِ الفِسْق. أوهموني كذلك أنّ الظّاهرَ أهمُّ من الباطن، لأنّ السَّرائر يعلَمها الله الخبير والحقيقةَ هي ما يراه البشر.


 كانوا يخـذلون ثـقـتي بنـضجهم في كلِّ مرة. وكنتُ إكـراماً لأمِّي أحكِمُ وثاقَ جسدي مثلما يرغبون، وأكدِّسُ فوقه الطَّبقات. لم أكن أميِّزُ بين ألوان للصيف وألوان للشتاء. لا أذكر أنَّ الأحمر مثلاً كان لوناً اشتَهَـتْه ملابِسي... كنتُ مجبولةً منذ أنْ كانت اختيارات ملابسي شأناً لأمي على الألوان المحايدة، تلك الألوان التي تغرقُ في الصمتِ المهذَب أثناء مرورها أمامَ الأعين.


 وأنا أرتديه الآن على مقربة من عمر الأربعين ذلك الأحمر الفاقعُ، أتساءل بصدق ما ذنب كل تلك الألوان لنحمِّلها أفكاراً ذابلةً تغار من إشراق نضارتها؟


 كنتُ دون أنْ أدري ولسنوات عديدة أحارب في كل ملابسي الألوانَ الصارخة، وكأنّه لا يمكنني أن أرتدي إلا لوناً يشبه خرسي. كنت أمعنُ في مراوغة السوق كي لا تستدرجني تلك الألوانُ الخبيثة. لم يكُن الأمرُ مجرَّدَ ملابِسَ تستُرُ عُري الجسد أو عناوينَ لأزياء مدعومة بقبولِ إخوتي، بلْ كـانَ قـالـباً صلـبـاً سـكـبـوا في عـمـقه بحـرص شـديدٍ ولامـبـالاة مـتـناهـية أنـوثَـتي. وتركوني أنمو في غفلةٍ من انسِحاقها... كانوا حريصين على أن يطمسوا كل المعالم البادية للعين التي تميِّزُ اختلافي عنهم، كأنّه لم يكن مقدرّاً لأنثى أنْ تُخلقَ وأن تولَدَ وأنْ تعيش. وكأنّه ليس من حقي أن أحيا إلا في صورة مشوَّهةٍ في استنساخها العبثي لأجسادِهم، بعيداً عن جسدي بعد طمسِ معالِمه. وحين أعود لتذكُّر من كنتُ ألمسُ بوجعٍ حجم التجاهُل الذي أفرغوه على تيهي وسط زحامِ ذكورتهم. وألمسُ بغبنٍ قُيودَ أمّي التي منعتْها من تفتيتِ قالَـبها الذي حملتُه لعقود طويلة، قبل أن تمنعَها من إعفائي من قالبٍ ينتظرُني بإصرار مقيت، لأنّني أنثى.


 لم أنسَ الألم. ذاك ما أكتشفه والكلماتُ تغادرني لترسُمَ أمسي الذي كان، هناك بمدينتي تـطـوان. لكنّني رمـيـتُ أثَـارهُ خـلـفـي.


 لصوتي الآن صدى آخر. يكـلِّـلُ ذلك الصمت الذي طواني لزمنٍ طويلٍ. يتجاوز جسدي الذي يعلِنُ يومَهُ الأول في الحياة، ويهفو إلى نسجِ الحكاية بصوتي أنا.


 لستُ السارد عزيز، ولستُ الكاتبَ عِمران، ولستُ التشكيلي عزيز، ولستُ مهدية الحكاية، أنا مهدية الأخرى التي لم ترفع صوتها في كلِّ أجزاء الرواية. بل تواتر الرواة نقلَ ما يظنُّونه حكايتي. ولم تكن إلا مراياهم تعكِسُ ملامحَ انسحاب صوتي خلفَ صخَب أصواتهم. حكاية مهدية المؤنّثة، لم تُروَ...


(فصل من رواية "إِنِّـي وضعْتُها أنـثـى" قيد النشر)