المشكلة ليست في الطريق بل في عجلات العربة!

20/03/2015 - 3:24:41

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

خليل صويلح - روائي سوري

    أغبط أولئك الروائيين الذين ينظرون إلى أنفسهم بتبجيلٍ خاص، رغم أن معظم مؤلفاتهم يغطيها غبار النسيان. أولئك الذين يرتدون البزة الرسمية وربطة العنق في الكتابة، بوصفهم أنبياءً مؤجلين. منذ السطور الأولى في روايتي الأولى "ورّاق الحب" (2002)، كنت على قناعة غائمة أنه بإمكاني كتابة رواية جيّدة، وأنا أرتدي الجينز، ثم أكملتها، في ركن من المطبخ، فوق طاولة الطعام، بالبيجاما، من دون تذمّر، وبما يشبه الحمّى. كنت حينها قد طويت علاقتي بالشعر نهائياً، بصدور مجموعتي الثالثة "اقتفاء الأثر" (2001)، لكن بقايا "المجاز" لم تغادر معجمي السردي، فاكتشفت أهمية استثمار مزايا قصيدة النثر في الكتابة الروائية، أن تلتفت إلى المرئيات، وتستنفر الحواس، وتتجوّل في الأزقة الفرعية للحياة، وتمنح ما هو متروك جانباً عناية خاصة، وذلك عن طريق زجّه في المتن. لم أكن أعي وقتها، معنى تحطيم "السرديات الكبرى"، أو استراتيجيات كتابة ما بعد الحداثة، لكنني كنت أفعل ذلك بلا دراية نقدية، بالالتفات إلى ما يشبه الحياة اليومية في تشظياتها المستمرّة.


    كنت قرأت بالمصادفة عبارة لأحدهم، تقول "فتّش في الجوار". وجدتها عبارة سحرية حقاً، أن تفحص بإمعان ما هو قريب منك، وتظنه نافلاً، أن تقطف ثمار اليومي والعادي والمهمل، وتُنشئ نصّك المتخيّل بموازاة مشهديات الحياة. هناك عطب آخر يمنع اكتمال صورة الروائي لدي، فأن تعمل في الصحافة، يصعب أن تتفرّغ للعمل الأدبي الصرف، لذلك جاءت الكتابة الروائية، في الأوقات المسروقة، وليس العكس، وهي بذلك مهنة شاقة، لكن العمل في الصحافة الثقافية، يتيح لك، في المقابل، الاطلاع عن كثب على مقترحات الفنون الأخرى، وتالياً، إعادة تدويرها داخل مطحنة العمل الروائي. أحد أكثر الأسئلة التي تستفزني هو: ما تأثير الصحافة سلبيّاً على عملك الروائي؟ كنت أُجيب: أن تعمل في الصحافة أفضل من أن تكون موظفاً في وزارة التموين مثلاً.. أرى أن الصحافة رافد مهم في إثراء العمل الروائي لجهة الاستفادة من الصورة، واللون، والإيقاع، والخفّة، والكثافة، في العمارة الروائية. هكذا يحضر السرد لدي بوصفه متواليات بصرية في المقام الأول، والاستغناء عن الوصف المسهب. هنا أتكئ على تشيخوف أيضاً، حين قرأ نصّاً لكاتب آخر، وقد أهدر نحو نصف صفحة في وصف غيمة ممطرة، فأجابه ببساطة: "يكفي أن تكتب: كان الجو ممطراً".


    ربما بسبب الكثافة، لم أتمكّن من كتابة روايات ضخمة، كما يفعل كثيرون، وهم في حقيقة الأمر يرتكبون حماقة كبرى في حق القارئ أولاً وأخيراً، إذ يسهبون بالوصف والوقائع والأمثولات الفائضة عن حاجته. لطالما اعتمدت فكرة "القارئ شريكاً"، ليس من باب التواطؤ، بل لاختبار تأثير هذه العبارة أو تلك عليّ كقارئ أولاً. في حال كنت أكتبُ بشغف، أقول لنفسي، سيعيش القارئ الشغف نفسه، وفي حال كانت العجلات بحاجة لتزييت، أقول لنفسي أيضاً، سيشعر القارئ بقليل من النباهة، أن المشكلة ليست في الطريق، بل في عجلات العربة، وعليّ إصلاحها قبل أن تتلف، بالكتابة على نحوٍ آخر.


    الآن، بعد ست روايات أنجزتها، في الوقت المستقطع، من أسباب العيش، أشعر بالدهشة حقاً، ذلك ما إن أنتهي من كتابة رواية، حتى أتيقّن تماماً بأنها ستكون الأخيرة، ولن يحالفني الإلهام مجدّداً، في كتابة رواية أخرى، نظراً لحالة الاستنزاف الكلّي التي تصيبني خلال الكتابة، وكم القراءات المجاورة في البحث عن معلومة صغيرة، قد لا تفيدني لاحقاً، كما كنت أرتجي. هل قلت الإلهام؟ هذه كلمة زئبقية إلى حدّ كبير، فأنا أعمل على ثيمة مركزية، ثم أحشد كل ما يتعلّق بها، في عملية تركيب معقّدة. على هذا المنوال، لا أتردّد في استدعاء شخصية تاريخية إلى شوارع اليوم، أو عبارة من كتاب تراثي مهمل، أو مشهد صادفته من نافذة تاكسي، وأنا ذاهب إلى مكان عملي، في عملية امتصاص عميقة، إذ يتحوّل دماغي إلى مغناطيس ضخم في جذب كل ما يمكن استثماره في نسيج العمل بقصد حياكته على مهل، بنوع من الارتجالات التي قد تطيح المسلك الأول للشخصيات، أو ما أفضّل أن اسميه "كتابة اللايقين". الروائي بهذا المعنى طوبوغرافي يقوم على تهوية التربة واكتشاف الكنوز المهملة في الطبقات العميقة للأرض، وتالياً، لن يتردّد بوضع وعاء فخّاري مصنوع قبل ثلاثة آلاف سنة، إلى جانب منتجات الميديا الجديدة على سطح القماشة السرديّة، وإذا به يحتل مواقع عالم الاجتماع، والمؤرخ، والحكّاء، في آنٍ واحد، وخلط هذا المزيج إلى حدود التشظّي، بقصد إرباك كسل القارئ وتحطيم توقعاته في تلخيص النص على هيئة حكاية تُروى.


    لا أجيد صناعة حكاية متسلسلة ومتكاملة، أو على نحوٍ أدقّ، لا أرغب في تحقيق ذلك. فأنت لا تستطيع التنبؤ بما يحدث بعد قليل، في الشارع الذي تعبره كل يوم باطمئنان، ما يربك، في توقيتٍ ما، ما تخطّط له، وهو ما تفعله مسالك الرواية خلال الكتابة، في نوع من العصيان على معجم الخنوع المعتاد، وإلا تحوّل السرد إلى ما يشبه المعلبات الجاهزة، أو وصفة تحضير الملوخية. لا وصفات جاهزة في كتابة الرواية، فوصايا إيتالو كالفينو، لا تتقاطع مع ما يقترحه ميلان كونديرا، أوماركيز، أوامبرتو إيكو، أونجيب محفوظ. لكل روائي خلائطه الخاصّة، ومطبخه السرّي، ومرجعياته الحكائية في إنجاز" الإمتاع والمؤانسة"، وفقاً لعنوان كتاب أبي حيّان التوحيدي.


    أن تكتب حكايات الآخرين بضمير المتكلّم(!)، هذا ما انتبهت إليه باكراً، وكأن ضمير المتكلّم في الرواية العربية، ضمير موءود، وشبهة يحسن الابتعاد عنها، فسعيت، في جميع رواياتي، إلى استعادة ضمير المتكلّم، بصرف النظر عن حجم الاتهامات التي سوف تطالني، وإذا بالقرّاء والنقّاد يتعاملون مع نصوصي على أنها سيرة ذاتية صرفة، خصوصاً، أنني لا أتوانى عن ذكر أسماء أماكن حقيقية، بما يشبه خريطة واقعية لمدينة دمشق التي دارت في شوارعها، ومقاهيها، وحاناتها، معظم وقائع رواياتي، من وجهة نظر كائن شهواني من أصول بدوية (لطالما كنت أنظرُ بريبة إلى موعد بين عاشقين يحدث في مقهى "الوردة الحمراء" مثلاً، وهو مكان متخيّل، وبناء على ذلك، استدعيت في رواياتي، أسماء أمكنة دمشقية معروفة، مثل مقهى "الروضة"، أو حي "باب توما"، أو "ساحة يوسف العظمة").


    في روايتي" ورّاق الحب" وصفتُ شخصية ممثلة شابة بأنها "نصف قديسة، ونصف عاهرة"، فاستدرجني أحد النقّاد لمعرفة اسمها الحقيقي، عسى أن ينال شيئاً من عسلها، لكنها، في الواقع، كانت مجرد صحفية خرقاء. هذه واحدة من "جرائم ضمير المتكلم" التي تدين المؤلف وليس الراوي، مهما حاول إثبات براءته من آثام شخصياته، لكنني أجدُ متعة أكبر، في تشريح الشخصيات والأمكنة والوقائع، من وجهة نظر الراوي، فالعزلة التي يعيشها الفرد، وسط الحشود، تحتاج إلى تمارين مستمرّة لمعرفة الذات، في المقام الأول، مثلما هي قراءة سوسيولوجية في مفاصل مجتمع مشوّه، ومعطوب، وغرائزي، لا بد من إحالته، بين فترةٍ وأخرى، إلى غرفة العناية المشدّدة. لا عزاء إذن، لروائي لا يكتب عن محيطه من داخل هذه الغرفة، متوقعاً نجاة شخصياته من طعنةٍ مؤكدة، وإلّا، فنحن إزاء موضوع إنشاء سقيم.