لعبة السرد في رواية الطلياني وحاشيتها

20/03/2015 - 3:23:06

رواية الطليانى رواية الطليانى

د. خالد الغريبـي - أكاديمي من تونس

في كتابه الموسوم "ست نزهات في غابة السرد" ترجمة سعيد ينكراد يعتبر "أمبرتو إيكو" السرد غابة كثيفة، مسالكها وعرة وعناصرها متنوّعة وأقاصيها بلا ضفاف، من دخلها تاه في مجاهلها.


    لعلّي أستحضر هذا الوصف الدال وأنا أقرأ رواية "الطلياني" المشتملة على 342 صفحة والصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر 2014، لشكري المبخوت. وشكري المبخوت كاتب ومثقف تونسي، وجامعي مرموق، له في النقد الأدبي صولات  وله في علوم اللغة والتداولية وبحوثها باع. وله مقام مميّز في فضاء الثقافة والإعلام وفي إدارة الشأن الجامعي، بوصفه عميدا سابقا ورئيس جامعة منوبة حاليا. ولشكري المبخوت صوته المستقلّ الحرّ في شؤون البلاد والعباد وفي قضايا الفن والبحث والإبداع.


    ورغم كون هذه الرواية عملا بكرا تدفّق من سنوات الصمت والتأمل وما اختزنته حكمة الفنان، فإن كاتبها يفجؤك بقلمه السردي النافذ والناقد وسلطته على إدارة عالم الحكاية كما يدير شؤون بحثه تشويقا لا ينقطع وترميزا موحيا بلا فوائض، ومراسا خفيا يشفّ عن معرفة بعلم السرد، ومقدرة مذهلة على إعادة تشكيل السياسي لصالح السردي بإفراغ الأيديولوجي من زوائده الشعاراتية المقدّسة، وإنزاله من طوباويته إلى جدل الواقع وصراعاته.


    لعلّك تلقى كل ذلك من خلال حكاية الطلياني: والطلياني هي كنية لبطل الرواية عبد الناصر، وقد سمّي كذلك لجمال وسم به. ربما تكون أمه زينب "توحّمت على إحدى الشخصيات في قناة "الراي أونو" الإيطالية..". ص 24.


    رواية الطلياني أحداث تأخذ بأعناق بعضها البعض، تتداعى في سرّ مكين وفي بنية من السرد تكسر خطية الزمان وداخله تكون: تقديما وتأخيرا، وصلَ البداية بالنهاية والمتون بالحاشيات، حيث تتكوّن الحكاية الأصل: حكاية  عبد الناصر "الطلياني" بعنقود من الحكايات، لها مقامات وحالات وتحوّلات، تنوس بين "التناتوس" و"الأيروس". من حادثة المقبرة تولد الحكاية، تجري وترسم مجراها متكتّمة بالسرّ الدفين، يوم نزل الطلياني ضربا مبرحا على إمام الحومة (الشيخ علالة) الذي انتهك عرضه واغتصبه وهو صبيّ. ولكن السرّ يظلّ معلّقا إلى الفصل الأخير من الرواية. وتظل ذاكرة الطفل موشومة بالاغتصاب، سرّا يعتمل في لا شعوره لا يبرح ذاكرته. فإن نسيه تذكّره من خلا ل قصّة رفيقته "زينة" ذات الأصول الريفية، المغتصبة بدورها. هكذا كانت مسيرة الطلياني اليساري في حركة الطلاب أيام الجمر يحاول كما تقول الأسطورة أن لا يلتفت إلى الوراء حتى لا يمسخ. ولكن مسيرة الجهاد ضد القهر الفكري والسياسي، مسكونا بعزيمة لا تلين  لم تنسه ما غار في جسده من جرح لا يبرأ. فكان مقاوما عنيدا ضد السائد، باللسان خطيبا وبالفكر مدافعا عن مبادئ تعلّمها من الكتب. وما إن دخل غمار الحياة صحفيا مرموقا حتى انكشفت له أسرار البلاد كما لم يكن يتصوّر. خاض عراكها بحماسة المبادئ تارة، وبروح المتردّد الخائف من السقوط في براثن سلطة شعارها الوعد لمن والاها والوعيد لمن ساومها البقاء مرة أخرى.


الرواية والراوي


    ليس في هذا المجال أن نحدّد ما إن كانت الرواية ملتصقة بسيرة الذات أو باستنطاق التاريخ. وإنما لا بدّ من التأكيد أنّ خطاب الذات يتجلّى من خلال ضمير المتكلّم. ومن خلاله يلعب الراوي  ـ في الظاهر ـ لعبة الحياد وراء عين الكاميرا. يرصد الأقوال والأحوال، مرتكزا على معرفته بصناعة  فن السرد وزوايا التبئير. ومن حيل الكتابة أن الراوي وهو يتسافى عن شخصياته وحادثاتها يشعرك  أنه يتكلّم بألسنتها دون أن  يتماهى معها. فهو  يناقش مواقفها سرّا وعلنا لا بلسانه، وإنما بألسنة شخصيات معارضة.


ألم يكشف عيوبها من خلال انتمائها يسارا أو يمينا؟


     ألم يفضح  تذبذبها وازدواجية مخبرها ومظهرها في الوقت الذي يشيد بصمودها وحماستها في نحت كيانها في واقع قيمه متدهورة؟


    وليُحكِم السارد لعبة سرده تستّر وراء قناع صديقه الطليانيِ "وِلْد الحُومة". يلبس هذا القناع مرة  وينزعه أخرى. انظره يقول في الصفحة 40 "في تلك الغرفة المستقلّة (يعني غرفة عبد الناصر) بدأت علاقتي بالطلياني تتوطّد. فنحن من حيّ واحد تجمعنا الألعاب في الحيّ والمدرسة ويربطنا بوثاق صداقة خالصة، تبادل الأسرار واستكشاف الحياة. وأعترف أنني كنت أترك لعبد الناصر المبادرة في كل شيء لطبع فيّ ميال إلى الملاحظة والصمت والمشاركة في المحادثات بمقدار.."


    لعل السارد يرسم بهذه الإشارات معالم ميثاقه السردي، ميثاق يأخذ بسيرة الذات بطرف وبسيرة الواقع والتاريخ بطرف ثان، ما دام الراوي  يبدو عليما بكل الخفايا والطوايا والنوايا. ينسج من  وثاق هذه الصداقة الخالصة شبكة من الحكايات: حكاية عبد الناصر وتداعياتها في المقبرة سنة 1990 عند مواراة أبيه التراب، وحكاية "زينة" وخفايا اغتصابها، وحكاية "للاّجنينة" مع الشيخ علالة وغيرها من الحكايات المتّصلة. وكأن حادثة الاغتصاب غارت في لا شعور النص وفي لا وعي الطفل ثم تصّعدت في آخر الحكاية محكومة ببنية سردية قوامها حوارية الذات مع ذاتها، وحوارية الراوي مع المتقبل، وحوارية الروائي مع التاريخ.


    هكذا يتحوّل فعل الاغتصاب في الرواية إلى بؤرة دلالية لا تشمل الذوات، وإنّما تطول الفكر والموقف والسياسة: سياسة انكشفت ألاعيبها لعبد الناصر الصحافي في إحدى الجرائد الناطقة بالفرنسية من خلال ما يدور داخل دوائر قراصنة الإعلام والمال والسياسة التابعين لسلطة الحاكم من تحالفات بغيضة وصراعات دفينة، آلت إلى الانقلاب على نظام بورقيبة والتبشير بالعهد النوفمبري من خلال بيان واهم يلوّح بالتغيير.


    ذلك هو الربط المكين فيما أرى بين الذات والتاريخ وبين السارد بالقوة والسارد بالفعل. وداخل هذا الكلّ المتعدّد تضوع الروائح في الرواية وتنتشر.


    رواية الطلياني كما يبدو لي تحتفي احتفاء جليّا بالروائح: روائح الأمكنة والأطعمة ومناخات البهجة، حيث يتحوّل الروائي فيها عن طريق شخصية الطلياني إلى صناّف أطعمة "فقد أعدّ عجة بالرنكة. صبها في قوالب من عجين مورّق لها شكل قوارب ودوائر، أعدّ بالقلقال قالبا من العجين لطاجين خلطته من "الريقوطة" والتن والجبن الإيطالي سهل الذوبان وأوراق البقدنوس والبيض. قطع سلطة تونسية أضاف إليها بعض الخسّ وزيّنها بقطع من الليمون المملّح والزيتون المقصوص ثم رشّ عليها نعناعا مجففا مسحوقا، أعدّ صلصة بالرند والإكليل وكثير من الثوم، حمّر غلال البحر في المقلاة مخلوطة بالبصل والفلفل والزعتر، أعدّ للسمكتين الزيت المخلوط بالثوم والكمون. دهنهما به وتركهما في الثلاجة في صحفة من البلور غطّاها بغلاف شفاف.." (ص 220) ويتحوّل أيضا من خلال بطله إلى صنّاف  في تذوق رائحة الجسد، جسد جنينة: "في تلك الأيام بدأ يعرف الروائح.. وعرف بالخصوص رائحة جنينة" (ص 38)، جنينة التي جنّنت الكبار والصغار لأنّها بكل بساطة كوكتيل من الروائح "رائحة السواك واللوبان العربي المرّ، رائحة النعناع والزعتر والحناء والحرقوص، رائحة القهوة التركية الممزوجة بقشرة البرتقال المجفّفة المرحيّة (ص 324). لَلاّ جنينة هي كيميا من الروائح. يقول عنها  الطلياني، مخاطبا صديقه: "اجمع هذه الروائح كلّها لو استطعت واخلطها خلطا ورشّ بها للاّجنينة سأميّزها في جسدها وأغراضها وملابسها ولحافها، رائحة رائحة. كان جسمها مصفاة تستخلص من هذه الروائح روحها. (ص324).


    على هذا النسق من الاحتفاء بالروائح وتفجير رموزها الثاوية في الثقافة كانت إلماعة الروائي إلى فضاء رائحة زينة ذات الأصول الريفية رفيقة الطلياني في النضال: "في موسم الحصاد، تعم رائحة السنابل والتراب المتيبس الغرفة. كانت هذه الرائحة على عطونتها وقوتها تثير زينة. تظلّ تستنشقها لسبب لا تعرفه. ولم تحب في حياتها إلاّ هذه الرائحة ورائحة زيت الزيتون منذ كانت أمها تدهن به جسدها وتكبس به شعرها.." (ص 108).


    هكذا تكون للرائحة معنى المعنى حين تفوح من أزمنة الاغتصاب، فرحا يذوب في ولائم الجسد والأكل والشراب ولا خلاص. بلادا مغمّسة في الأوجاع تنهشها الذئاب. مثقّفين مازالوا يستمنون بأفكارهم الطوباوية. هجوما كاسحا لفكر الردة والتكفير، نظاما يتهاوى على واقع التاريخ.


    تلك هي رواية الطلياني. هي منّا إلينا. سواء أكنّا شهودا على أحداثها، ممثّلين أو كومبارس أم مجرّد قرّاء لا صلة لنا بها إلا بالتخييل.


    لعلّ الرواية بمتنها وحاشيتها تنزع عنّا ورقة التوت وتدفئنا ببيانها الآسر وألاعيبها الساحرة.


    رواية الطلياني تحرّرك من واقعك لتكون في أسر ذاكرتك. وعلى قدر صدقها في تعرية النفوس والكشف عن هشاشتها يكون فعل التطهير من صناعة الأوهام. ومتى تطّهرنا من أوهامنا نكون الأقدر على تحقيق أحلامنا. تلك هي الرسالة المشفّرة التي ترسلها إلينا الرواية من خلال التشكيلات السردية التي تنسجها: أمكنة وأزمنة و شخصيات وأحداثا  مصنوعة من عجينة اللغة ومكوّنات القصّ ووقائع التاريخ.