لم أولد لأكتب

20/03/2015 - 3:21:36

كارل ماركس كارل ماركس

أحمد زغلول الشيطي - روائي مصري

    لا بد أن من ولد ليكتب، أو عاش ليروي محظوظ جدا لامتلاك يقين مبكر بدوره في هذه الحياة. يحزنني أنني لم أولد لأكتب، ولم أعش لأروي. أنا فقط حائر أو خائف، لذلك فأنا أكتب، أحيانا دون أمل، أكتب أحيانا لأن الحياة تهرب مني، أتوقف أحياناً لأن نصوصي تأكل روحي. ثلاثة عشر عاماً بعد "ورود سامة لصقر". لم يترك لي النص فسحة للتنفس، ثمة نصوص متوحشة، اضطر رامبو بعد "فصل في الجحيم" أن يرحل إلى اليمن وأن ينخرط في تجارة العبيد. اضطررت بدوري إلى السير في نفق له فوهة واحدة. عليك أن تكتب كتباً آمنة لتعيد الكرة مراراً. هل أريد أن أفعل ذلك؟ لا أدرك في غالب الأحيان ما كنه هذا الألق الذي يواتينى إذا ما أظهرت الكتابة شيئا كنت عاجزاً عن تلمسه، مثل الحفر على الخشب، حين كنت أعمل"أيمجى" في الاجازات الصيفية، وكيف أنك يجب أن تتلمس طريقك في سديم الخشب، إن لم تسر (الدفرة) أو الازميل مع مناطق القوة والضعف بعناية فسوف (يَشْلَع) منك الحفر، رويداً وأنت تعمل يُظهِر النقش الغائر طبيعة الكائنات النائمة، وأوراق النباتات الحية المتسلقة بداخل المادة؟


    أنتمى إلى عائلة من صناع الأثاث، لا أذكر أن أحدهم حكى يوما لماذا عمل هذا الكرسي أو تلك التسريحة على هذا النحو أو ذاك. كانت أموراً بديهية لا تستأهل الذكر، غير أن أشياء كانت داخلي، وكنت أريد أن أكشف عنها لسبب مجهول، إنني أكتب مثلا عن أمي، عن أخي الأكبر، عن بيتنا القديم، وهكذا، أحيانا، يرتدى صوتي قناعاً، تأخذني شهوة كتابة كتاب، يتحرر صوتي من أوجاعه ومخاوفه وينطلق صوت واحد يشبهني. أنا نادمٌ عَلى بعض الصفحات، ربما ما أنا راضٍ عنه لا يتجاوز بضع صفحاتٍ، في الغالب أنا لا أحب كتبي، أشعر أنها تكشف عن إخفاق واضح المعالم. يأتي إلى الساحة كتابٌ جدد، ضجيج دوري، التماعات عبقرية جديدة، لون التوهج العاري، حمى الاكتشاف المعصوم من الخطأ، ترى كيف أنهم طرحوا مخاوفك أرضاً، وترى أنهم سيقطعون نفس القفار التي قطعتها وحيداً بلا أمل، هل ينظرون إليك كشيءٍ من مخلفات الماضي؟ كانت أمى تقول إن الغربال الجديد له شدة.


    ما كان ينظر إليه كنصوصٍ فارقة صار في معركة خطرة ضد الزمن، هذه هي صيرورة الأشياء، هي أيضا بهجة الحياة، أن يأتي الجديد دائما، الغربال الجديد مهم ولو إلى حين. في العالم كتب كثيرة، أعدادٌ هائلة من الكتب، ما سوف يبقى صفحات قليلة. تدور مطبعة العالم كل يوم، لا يعرف أحد أي هذه الصفحات يستحق البقاء، لا أعرف لماذا يريد بعض الناس أن يصبحوا كتابا إذا كان في العالم كل هذا المقدار من الكتب؟ يمكننا أن نشيد مدناً من الكتب، أن نردم نهر النيل من المنبع الى المصب.


    لقد أدركت في متجر الكتب الشهير "وترستون" في لندن، وأنا أجلس الساعات الطوال في باحاته المتعددة، وقد اصطحبت أكواماً من الكتب لأقرأ مجانا في الصالات المعدة لذلك. طبعات متنوعة من دور نشر متعددة للكتب التي خرجت عن نطاق قانون حماية الملكية الفكرية بمرور خمسين عاماً، جورج أوريل، صمويل بيكيت، إزرا باوند، جيمس جويس، الدوس هكسلي، ت. س. إليوت، فرجينيا ولف، د. ه. لورانس، والكثير الكثير من ديكنز.. الخ، أما شكسبير فقد كان يحاصر الفضاء. أدركت أن البشر يريدون أن يعبئوا الكتب بأشياء ما، كنت أتتبع آلاف الصفحات بإنجليزيتي النامية وأمني نفسي أنني بعد استكمال برنامجي الدراسي سأقرأ أسرع، لأطارد كل هذه الكتب. في وترستون امتلكني الزهو هنيهة، في صمت، بين وجوه من جنسيات عديدة، وأنا أرى كتاباً ثقيلا عليه صورة "نجيب محفوظ" بقبعة من القش، يتأبط الأهرام، ويسير في شارع رجحت أنه قصر النيل، بالقرب من شرفة منزلي بالقاهرة. كان وجه نجيب محفوظ يطل علي من البهو الرئيسي لوترستون بميدان بيكادللى سيركس، لقد كان وحيداً مثلي آنذاك، مع ذلك كان صبوراً بعناد لا يقاوم، كان يبادلني تفاهما صامتاً حول لا جدوى التنافس فيما لا طائل من ورائه. أينما يممت وجهك فثمة كتب، ثمة صفحات لم أكتبها، أتمنى ألا يراها بعض أهلي، لقد كبرت ابنتي وكبرت رغبتها في التفتيش داخل دماغي، ولا أدري إن كانت ستفجع فيّ؟ ماذا يريدون أن يجدوا في الكتب؟ هؤلاء المتوحدون الذين يدسون وجوههم بين دفتي كتاب؟ لا بد من تصوير هذه السلالة، لا بد من عمل أندية لحمايتهم، هؤلاء العائشون مع الكتب.


    منتجو الجوائز هم ذاتهم تجار الكتب، يريدون ابتذال هذه الشعيرة، تحويلها إلى دورة رأسمال، إلى مواسم، هكذا يطوون الزمن، وينالون من عالم هؤلاء. إنني لا اقرأ الكتب لأعرف ما بها، أقراها لأعرف إن كانت كما ظننت. هكذا منذ مكتبة الثانوية العسكرية بدمياط، وربما قبلها، كنا نستعير الكتب بمعرفة أمين المكتبة الودود دون أن نوقع في الدفتر، ودون أن نرجعها في الميعاد، ودون أن نرجعها أبدا، وهو كان لا يهتم فقد وضع أمينا للمكتبة كعقاب، حيث ترك ليعاني العزلة بين كل هذه الكتب المغبرة. كانت عيناه المستديرتان الضيقتان تحيلان إلى شيء من التردد والوهن، وعدم الرغبة في المجادلة. كان يغرق في صمته مع سيجارة يمتصها فيما أهرب من الحصص الكئيبة وأتجول بين الأرفف المكتظة. هكذا تكوّن قسم لا بأس به من مكتبتي الخاصة، بكتب عليها الخاتم الأزرق للمدرسة الثانوية.


    ذهبت إلى لندن لأتعلم الإنجليزية كأمنية لم يفلح التعليم الحكومي في تلبيتها، أيضا، بعد أن دخل الساحة الأدبية جيل جديد من أبناء الطبقة الوسطى الذين تربوا في مدارس للغات، لقد أدخلوا نسمة جديدة في حين ظل أولاد الفقراء ممن دخلوا إلى عالم الكتابة يعتمدون على الموهبة وحدها، وعلى حس يصنف الكتابة الرديئة كعيب خلقي أو نقص في الشخصية. لقد أدخل الوافدون الجدد مفهوما سائدا في بعض الدوائر الغربية يعتمد على أن العملية الإبداعية هي نشاط قابل للتعلم عن طريق ورش تقوم بالتدريس. "حنيف قرشي" الروائي الإنجليزي يعمل أستاذاً في كلية الكتابة الإبداعية بجامعة "كنت"، قرأت مؤخراً تصريحه في الجارديان، أنه لا يضمن أن هذا النوع من الدراسات قد ينتج كاتبا جيدا.


    في العقار رقم واحد شارع "بلومزبري" رأيت "كارل ماركس" شاباً، ولم أكن رأيته هكذا من قبل، لم يخطر ببالي أصلاً أن واحداً مثله كان شاباً يوماً ما. فقط الدماغ الضخم الذي يستند بثقله على لحية كثة يوحي بشهوانية أصيلة، كان ضوء النهار اللندني البارد يتدفق عبر النافذة التي تتوسط الواجهة. وكنت مأخوذاً بكارل ماركس العشريني حليق اللحية. فكرت لوهلة أن وجهه كشاب يصلح كصورة غلاف "لآلأم فيرتر" أكثر منه كغلاف "للبيان الشيوعي" مع إنجلز. كان يتوسط مجموعة ضخمة ممن أعرف بعضهم، لينين، روزا لوكسمبورج، تروتسكي، جيفارا، ماو، دكتور الليندي، رددت في سرى: إذن هذه هي العائلة الماركسية المقدسة. كان متجر الكتب الماركسية المستعملة قد رص الكتب على أرفف فقيرة. رغم عدم اكتراثي بهذه الكتب، أحببت زيارة المكان كثيراً، لقد زرته مرات عديدة دون أن أعرف لماذا؟ ربما لما ظننته يأسا في عيني البائعة من قدوم أحد ليشتري.