مفهوم الحب في رواية يوسف إدريس قصة حب

20/03/2015 - 3:20:04

يوسف ادريس يوسف ادريس

د. رمضان رمضان متولي - كاتب مصري

    يرى بعض فلاسفة اليونان أن الحب أصل من أصول الكون، وأنه منبع كل سعادة وكل خير، وأن غايته الجمال وذريته العفة وكبح النفس عن الشهوات وثمرته الأنس والألفة والصداقة. كما ينسبون لأفلاطون نوعا من الحب ويصفونه بأنه حب علوى أشبه ما يكون بتجربة المتصوفة عندنا وأن لهذا الحب درجات أدناها الحب الجسدى الذى ينتج للإنسان شيئاً من الخلود عن طريق ذريته، إذ يحل أولاده محله فيخلد وجوده الفانى إلى حين، يلى ذلك الحب الروحى الذى يعشق فيه المحب نفس المحبوب، وهو أرفع من حب الجسد وأكثر خلوداً، إذ يلقن فيه المحب محبوبه خصال الفضيلة والحكمة، التى يغرسها المحبوب بدوره فى معشوقه، وبذلك يكون لهذا الحب الروحى ذرية كذرية الحب الجسدى المادى، إلا أنها أكثر منها قيمة وجمالاً.


    وشبيه بهذا الحب الحب الروحى بين الشيخ أو القطب – فى الطريقة الصوفية ومريديه، فهو يجهد نفسه ليجعلهم محبوبين له، يشيعون أفكاره وتعاليمه فى تلاميذهم ومريديهم فتصبح له بذلك ذرية يفوق جمالها جمال ذرية الحب الجسدى، إذ شتان بين ذرية الدم والجسد وذرية الروح والعلاقة الروحية. أما الحب الإفلاطونى فهو حب مثالى يرقى فيه العقل فوق العالم الحسى ويرتفع عن العالم الروحى المقيد بالأشخاص والناس إلى عالم الجمال المطلق أو عالم المثال، وهذا الحب عند إفلاطون هو غاية الغايات للفيلسوف أو محب الحكمة، وهو الغاية التى ليس وراءها غاية.


    أما الحب عند العرب فقد تحدث عنه ابن سينا وابن حزم الأندلسى في كتابه "طوق الحمامة فى الإلفة والألاف".


    فإذا ما انتقلنا بالحديث إلى الحب عند يوسف إدريس فى روايته "قصة حب" وجدنا أن عاطفة الحب عنده ترد مقرونة بالروح الثورية المتأججة فى نفوس أبطال روايته، حتى أن العاطفة الوطنية تطغى على العاطفة الذاتية بين بطلى الرواية "حمزة" و"فوزية" فقد خرج حبهما من رحم معاناة شعب مصر الذى يمثله أبوه عامل الدريسة والقاطن فى عزب الدريسة حيث مرتع طفولة حمزة وصباه. والذى كافح أبوه حتى حصل حمزة على مؤهل جامعى وعمل فى إحدى مصالح الحكومة. تدفعه وطنيته وروحه الثورية إلى الالتحام بالمجموع الذى يتمثل فى مجموعة من الشباب الثورى التى تمثل نماذج ثورية نضالية محبة لمصر وناقمة على المحتل الإنجليزى الغاصب، فيكونون معاً خلايا نضالية، يطاردهم البوليس ليل نهار، حتى سقط حمزة فى يدهم واعتقل عشرين شهراً ويشعل فيه التعذيب وعذاب السجن روح الثورة، وكره الإنجليز فيهرب من السجن، ويعاود النضال مع زملائه هادفاً أن يكون فعله الثورى من خلال رفقاء النضال والكفاح.


    ويضفى الكاتب على الفعل الثورى طابعاً جماعياً. إلى أن تضع الأقدار فى طريق حمزة المدرسة الشابة الجميلة "فوزية" المسؤولة فى مدرستها عن إحدى لجان المقاومة الشعبية، فتجمع شملهما الرغبة فى الكفاح الثورى لإنقاذ الوطن من براثن المحتل الإنجليزى الغاصب. ويحرص المؤلف على عدم ذكر عاطفة الحب بينهما إلا مقترنة بالروح الثورية حتى أن العاطفة الوطنية تطغى على العاطفة الذاتية لديهما، ويبتعد حب حمزة لفوزية عن الترف ويصبح ضرورة تدفع حمزة إلى الإصرار على مواصلة الكفاح المسلح والإنتقال به إلى منطقة القناة – حيث معسكرات الإنجليز وتوجيه ضربة قوية لها. يسعد حمزة فوزية بحبه بعد أن تقوم بمغامرة محفوفة بالمخاطر وتخفى السلاح اللازم للمقاومة فى بيتهم. وفى البداية تنكر فوزية انشغال حمزة بحبها، إلا أنها وبعد انتقالهما معاً إلى الإختباء فى منطقة المقابر، تتجاوب مع عاطفة الحب الجياشة فى قلبها نحو حمزة، فتزداد الروح الوطنية لدى حمزة قوة فوق قوتها حتى أن نفسه تمتلئ بطاقة حياتية وشحنة ثورية تريد أن تحول كل مدافن القاهرة إلى ترسانة أسلحة تستطيع بها اللجنة العامة للكفاح المسلح أن تقود كفاحاً لا يلين، رغم تضييق الخناق عليهم من البوليس المصرى والإنجليزى وبذلك يصبح الحب بين بطلى القصة هو حب بينهما وبين الوطن لأن حمزة يضع نفسه وحياته فى خدمة الشعب.


    استطاع يوسف إدريس فى تصويره للعلاقة الإنسانية التى تربط حمزة برفقاء السلاح من سكان الترب، أن يشعل شرارة العطف والحب على المهمشين والمهانين بإدخال ما هو استثنائى إلى ما هو يومى، واختيار وعرض صور وظواهر الحياة اليومية من التهميش الى قلب الحياة بطريقة غير ملحوظة، وإدخال الأحياء الفقيرة فى المدن من خلال الفعل الإنسانى فى العمل الروائى، إنه يربط الإنسان بالإنسان، فالثوار والفدائيون يلتحمون بالبسطاء والمعدمين داخل المقابر، لتصبح للحياة احتفالية كبيرة فى قلب الجبانة. لينتقل بنا إدريس نقلة نوعية حين تحضر فوزية صحيفة قاهرية وتقرأ لحمزة خبرا يسعده ويرفع معنوياته: "نداء من بدير إلى ابنه: ولدى حمزة عد إلى المنزل وحقك علينا" والدك المظلوم بدير، لتكمل بهذا الموقف الجميل الصورة التى أراد يوسف إدريس أن يقدمها لنا بأن الغنى والفقير فى طبقات الشعب المصرى تجمعهم روح واحدة وهدف واحد هو حب مصر والقضاء على المحتل الغاصب الذى يدنس أرضنا.


    لقد اكتشف حمزة من خلال احتكاكه وتعامله مع بسطاء مصر وإصرارهم الفعلى على الاشتراك في النضال ضد المحتل الغاصب؛ اكتشف أن فى كل إنسان جزءا طيبا وثوريا وعلى استعداد لخدمة المجموع. وجزءا آخر فرديا ومناقضا له تماما وأن المقاومة هى مجموع الأجزاء الصالحة فى الناس. كما أدرك حمزة من كفاحه ونضاله – عبر تجربة الحب أن الحب بمعناه الأكبر والشمولى هو أكبر الدوافع للحركة: "كان زمان اللى بيحركنى هو الحقد. والحقد أجله قصير. دي الوقت اللى بيحركني  الحب، والحب مداه بعيد".


    وعلى المستوى الذاتى فى حبه لفوزية يرى أن الحب علاقة لا تنمو هكذا بمجرد نظرات وكلمات ولقاءات: "الحب الحقيقى علاقة مادية يقتضى وجودها زمنا وعشرة وتجربة يمر بها الرجل والمرأة فتصهرهما فى بوتقتها، فإذا لم يكن يحبها فماذا يدفعه إليها؟". كما أدرك حمزة عبر تجربة الحب أنه كان مغرما بإقامة العراقيل وأحس أنه حقيقة يحبها حبا كفيلا بملء الكون كله، حبا لو وزع على ملايين من الناس لأشعل فى قلب كل منهم نارا.


    حتى نظرته إلى الناس حوله قد تغيرت. لقد أدرك حمزة وبفضل انخراطه فى المقاومة والكفاح المسلح أنه كان مخطئا فى استيعابه للجماعة البشرية وأن فهمه كان ناقصا، فحين طرده صديقه المحامى بدير هو وفوزية من شقته كان غاضبا، لم يكن ساخطا عليه بقدر ما كان ساخطا على نفسه، إذ الخطأ خطؤه فقد كان الواجب عليه أن يكشف عن الإنسان الذى فى بدير وينميه، إنه حتى وهو يطرده كان يحس ناحيته بالعطف والحب والألم – وهى مشاعر نادرا ما كانت تطرق باله، وخيل لحمزة أن نظرته إلى بدير، والى الناس عامه قد تغيرت.


    إنه أصبح يدرك أن فهمه للناس كان ناقصا: "إن الناس ليسوا أرقاما، ولإرادتهم وعواطفهم دخل فى تطورهم. إن الناس ليسوا أحادا ولا عشرات، ولكن الناس زهرات الحياة اليافعات، فهم أرق عواطف" وكأنه كان ينقص حمزة أن يحب ويمضى  وفوزية بجواره فى ظلام المقابر ليحس بها كالينبوع الفياض الذى يغذيه بإلهام جديد، بل أصبح يرى فى بدير بذور الإنسانية التى كان عليه أن يتعهدها ويرويها.


    وكما كان أثر الفعل الثورى فى نفس حمزة كبيرا وعظيما كان كذلك فى نفسية فوزية ولم يكن من قبيل المصادفة أن يتزامن التحول في شخصية حمزة من خلال  التحول فى شخصية فوزية. لقد حدث التحول فى شخصية فوزية من خلال الفعل الثورى الذى قامت به واستغرق ثلاث ساعات حين حملت حقيبة الديناميت لتنقلها من غرفة حمزة فى شارع المبتديان، وتخبئها فى بيتها. كانت هذه التجربة بمثابة اللحظة الفارقة فى حياتها: "وإذا كان لكل إنسان نقطة يتحول عندها مجرى حياته، فهذه الساعات الثلاث حولت مجرى حياتى".


    كانت هذه البذرة الثورية فى أعماق فوزية تنتظر من ينميها ويرعاها ويتعهدها بالعناية حتى التقت بحمزة ذلك الوطنى المخلص والمكافح من حديد، فلم يكن ما يقوم به حمزة عملاً ككل الأعمال بل كان كفاحا رهيبا من أجل غيره، ولم يكن يختفى ليطارده البوليس ويستعذب المطاردة والمغامرة، ولكنه يفعل هذا ليكمل دوره من أجل الوطن، فاتخذت فوزية من حمزة مثلا وقائدا فى طريقها الجديد. ثم كانت لحظة المواجهة الكاشفة مع حمزة، إذ كشفت ما يتحرك داخلها من مشاعر وأحاسيس اختلطت فيها العواطف الشخصية بالعواطف الثورية فى بداية أمر العلاقة حين اعترف لها بحبه: "احنا بنى آدمين. إحنا عايزين نحب وكل الناس تحب".


    لكن فوزية فى سياق مواجهتها الثورية ترى أن الحرمان ("هو الضريبة التى يفرضها علينا الكفاح"، غير أنها بعد حين اكتشفت أنها كانت مغالية ومتطرفة من مصارحة حمزة بحبه لها، فعادت لتعترف بمشاعرها وتكشف عن مشاعرها  "وهل حرام أن تحبنى؟ وهل هذا مستحيل؟ وهل هناك تعارض بين أن نحب وبين أن نكافح من أجل ما أنت مؤمن به؟".