في التجربة الروائية أعد نفسي بمغامرة سرية

20/03/2015 - 3:18:28

منازل الوحشة  - دنى غالى منازل الوحشة - دنى غالى

دُنى غالي - كاتبة عراقية مقيمة في الدنمارك

    عندما أكتب أصفف الأوراق من حولي وأخلع رأسي، أنزله برفق جانبا على المكتب، ليكون هناك محل للرؤوس الأخرى المنتظرة على الطاولة. أحاول في استهلالي أن أصف اللحظة التي أشرع فيها بالكتابة مدفوعة بالإمساك بالشحنة وهي تتولد. أمسح وأكتب التالي؛ عندما أكتب أقفل على قلبي لأكتب بقلم بارد. أمسح وأكتب التالي؛ عندما أكتب يكون جسدي بأكمله على أهبة الاستعداد للإشارة، أوركسترا تنطلق بتحريك العصا، الحواس والأعضاء، الأطراف، الشَعر، الجفون، الشرايين وفقرات الظهر، جميعها تتحسس نقرات الزرار وتنقز لاختيار الحروف، تنكمش تنبسط تجمد تستعر، وفي الاستراحة تظل مشوشة لا إمرة لأحد عليها، مرعوبة من الختام.


    أمسح وأكتب التالي؛ عندما أكتب، أكون قد بلعت حبتي مسكن لصداع محتمل، أعددت كوب القهوة ووعدت نفسي بمغامرة سرية، أكون قد رفعت شعري وسلّمت نفسي متناسية طبقات الوعي واللاوعي ونسبها فيّ، أكون قد ألقيت بمنشفتي السوداء على عين الكاميرا المسلطة في الزاوية أعلى الجدار، أكون قد أطلقت العنان للخيال ليصحبني معه في رحلة مجهولة، أكون قد غادرت تاركة ملحوظة صغيرة خشية أن تطول الرحلة أو أضيع.


    لم أشعر أني قد أنهيت كتابي عندما صدرت رواية (النقطة الأبعد) عام 2000 عن دار المدى، وكان قد سبق هذه الرواية تمهيد طويل بهيئة نصوص قبل أن يأتي من خلفي من يدفعني خلسة وبقوة. حين أتردد تعاودني نوبة الخوف تلك مازلت. كنت قد غادرت العراق ولم أنشر حرفا. جورج باسيليتز فنان تشكيلي ورسام ألماني مازال حيا، اعتاد أن يرسم شخوصه وأشياءه بالمقلوب، هكذا كانت حالتي واحترت هل أدير رأسي أم أن المشهد أمامي. الكتابة وحدها توضح الرؤية ولكن ببطء شديد. يتناوب السرد في (النقطة الأبعد) ستة أشخاص على مدى فصولها، ثلاثة أزواج اختلف وقع خبر دخول قوات الجيش العراقي الكويت عليهم عام 1990، كان لكل من الستة مشروعه الذي سيتقاطع مع هذا الخبر، والذي سأتابع مصيره في حاضره وعودة به إلى ماضيه.


    كان العراق قد أنهى للتو حربا لمدة ثماني سنوات خاضها من دون معنى، خسرنا فيها شبابا وأجمل أيام حياتنا. من عشت معهم في (النقطة الأبعد) في البصرة منذ أيام الحرب الأولى مع إيران رافقوني بإلحاح رحلتي إلى الدنمارك. في رواية (عندما تستيقظ الرائحة) عام 2005 كتبت عن خيارات بعض منهم. في الحقيقة لم تكن خيارات بمعنى الكلمة، كلمة خيارات لها ظلال ترف وهو أبعد ما يكون عن هؤلاء. استعرضت الظروف التي أتت بهم الى الدنمارك. استعرضت نقاط ضعفهم التي جعلت البعض منهم يقع ولا ينهض، ونقاط قوة البعض الآخر التي جعلته يتوكأ ليواصل وإن كان جريحا.


    تقول لي الروائية العراقية عالية ممدوح إن الرواية مساحة للتخفي، وهي أيضا تحتمل إخفاقاتنا مقارنة بالشعر. إن حاولت أن أقول الكلام بلساني تأييدا لها سيكون التالي: الرواية تستوعب أكثر من هوية لي بينما الشعر يظهر هويتي الأولى. في تلك الرواية كنت شاهدة على تاريخ جيل، وكأني قد نذرت لأن أكتب عنه ضد رغبتي. اكتشفت أني كنت مدانة وما بين يدي كان بانوراما أكبر من أن يحتملها جلد اللوحة.


    في رواية (منازل الوحشة) عام 2013 كنت قد هدأت بفعل المحيط الإسكندنافي كثيرا. أصدرت مجاميع قصصية ونصوصا وشعرا بين الرواية والأخرى، بالإضافة إلى تراجم من اللغة الدنماركية حبا بالترجمة وتدبيرا للعيش. كما أصدرت كتبا باللغة الدنماركية أيضا. فعل الكتابة أخذ منحى آخر. لا أعرف إن كان مسموحا لي القول أني كنت أتلمظ بالكلمات وهي تتدافع فيما بينها، رغم أن الأجواء كانت مثقلة بالرعب وحبس الأنفاس. كنت قد قررت عبر (منازل الوحشة) أن أضع شروطا في هذا النص، وأن أتحدى نفسي في عدم تجاوزها، أن يكون صوت الراوي على سبيل المثال مهيمنا من البداية إلى النهاية، وهنا كانت الأم التي تروي بعينها وبقلبها ووفق وعيها ونظرتها للأمور، أن تتحرك كاميرتي داخل الأربعة جدران فقط لا خارجها قدر الإمكان، وشروط أخرى ذكرت قبلا أنها مستوحاة من جماعة سينما الدوجما التي انطلقت من الدنمارك، وما أروع  اكتشافي أن ذلك كان ممكنا ولكن بشكل محدود جدا فالقلم يتمرد، الشخصية لها كيانها ومستواي النفسي متغير أيضا. انحصرت الأحداث عام 2006، العام الأكثر وحشية حينها وفي بغداد تحديدا، وهناك أُمّ تجد نفسها ضمن أجواء حظر تجوال واقتتال طائفي وحيدة مع ابنها الشاب المريض نفسيا تحاول أن تجد له حلا بالحيلة القليلة لديها. متعتي كمنت في الاختيار، في "السقوط الحر" في هذا الفضاء ومن دون خوف هذه المرة. أن أكتب من دون أن أعرف ما ستقرره الأم وما سيقرره الولد، أن أترك لنفسي أن تفاجأ تندهش تغضب وتندحر. عندما انتهيت من كتابتها شعرت بوحشة وحاصرتني كآبة.


    الأمر الذي أجده جديرا بالطرح أننا نشعر بحاجة بعض شخوصنا لنا، شعرت أن الأم لن تستطيع الدفاع عن نفسها في الموقف الذي دفعتها إلى اتخاذه وذلك الشاب النحيل الهش لن يصمد أمام ظلم مجتمعه الذي سلط عليه بواسطتي. الحل الأمثل يكون بمناقشة الرواية وهو الحال الطبيعي الذي قد لا يتمتع فيه الكاتب بحكم تلك المسافات وانحسار الفرص التي توفر له لقاء مباشرا بقارئه!


    كتبت عن الحرب وبحتُ لأصدقاء وزملاء دنماركيين بخوفي أن أظل حبيسة تلك الأجواء. الدنماركيون لا ينفون أو يؤكدون، إما ينصتون أو ينصتون جيدا، وعليك أن تترجم ذلك وتنتقي لك كلمات؛ وما المشكلة في الكتابة عن الحرب ثانية وثالثة؟


    ولكني كتبت عن المكان الآخر والآخر، التعرف عليه والتآلف معه وائتمانه، كتبت عن التكيف كجزء من طبيعة الإنسان لذا استمتعت من حين لآخر بالأخرى فيّ التي سجلت أشكال ردود الأفعال أول مصافحتها للوجوه والشوارع وتعثرها باللغة. أذكر أن أول ما كتبت أن البومة إشارة حكمة وتعقل هنا، بينما هي مبعث شؤم لدينا.


    كتبت عن الرجل بقدر ما كتبت عن المرأة، أو بقدر ما يشترطه النص أولا وأخيرا، وأحلم في كتابة شيء شبيه بمدام بوفاري حيث المدام هي الكاتب كما يشاع، أو الرجل يمكن أن يستبدل بأنثى أو العكس في نص ما، أنزع إلى إن دواخلنا واحدة والأغلفة تتباين حسب ابتعادها عن النواة.


    يضايقني مصطلح الجرأة، مستهلك، محدود، وعندما يقترن بكتابة امرأة فهو يجنح لا محالة إلى التمييز، أمر لا يتناسب قطعا مع فعل الكتابة بجوهره.


    السؤال المتكرر هو: إن كان المنفى قد أكسبني الحرية التي تتيح لي الكتابة مقارنة بما لو كنت في بلدي؟ يصعب علي الإجابة، وإجابتي ذاتها اختلفت عندما سئلت في الرياض عنها عندما سألت في كوبنهاجن. والآن إن اضطررت إلى إضاءة النقطة التي أثرتها بنفسي فسأقول الحرية تقترن لدي بالإبداع الذي نطمح جميعا إليه عبر عملنا على اختلاف طبيعته. العثور على الطريق المختصر للوصول إلى عوالم متخيلة من دون رقيب، إنها عملية تحتاج إلى مران، وقد نستمر طوال حياتنا نعاود المحاولة المرة تلو الأخرى من دون أن نفلح تماما. الحرية وحدها لا تضمن إبداعا، الإصدارات هنا تكتب بحرية تامة، من دون رقابة اجتماعية أو دينية أو سياسية ولكن ما هو مقدار ما يستحق القراءة؟


    هناك من يجزم أني أقف من منفاي أراقب البصرة، وآخر يقول إنها لم تغادر مدينتها، من هناك تنظر إلى منفاها وتكتب!