وفاة أمين الحزب

20/03/2015 - 3:17:08

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

حمدي البطران - روائي مصري

    تخرج سرحان، وعين في الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ونقلوه إلى محافظته في الصعيد، ثم حصل على تفرغ للعمل الحزبي. في الوقت الذي بدأ فيه الرئيس السادات ثورة التصحيح، وتطلب الأمر خروج المظاهرات لتأييد الرئيس السادات.


    كان سرحان قد وصل في الترتيب التنظيمي، إلى أمين مساعد اللجنة التنفيذية، للاتحاد الاشتراكي العربي، ونستطيع أن نؤكد أن عقلية سرحان تشبعت تماما بالمبادئ التنظيمية، والقدرة الهائلة علي الإقناع، في أي موقف، يتعرض له، كما كانت عقليته مرتبة تماما ومنظمة، وكان يجيد التعامل بالمنطق العقلي. لأجل هذا، لم يتأخر سرحان، عن حشد الشباب، لتأييد ثورة التصحيح.


    وبالفعل سافرت بالفعل وفود من المحافظة، ولكن هذه المرة، لم يسافروا بالسيارات، تم حجز عربة قطار كاملة، وتخصيصها لرجال المحافظة، الذاهبين لتأييد السادات، بنفس الترتيب الذي حدث في المرات السابقة، مع الاستغناء عن الدكتورة سالمة، وحل محلها ممدوح. نزلوا في محطة رمسيس، ثم سارت مظاهرتهم بطول شارع رمسيس، وهي تحمل اللافتات عليها شعارات "لا يصحح إلا الصحيح". كما كانت مجموعة من الهتافات يرددها محترفون جدد، منها "صحح، صحح يا سادات"، حتى وصلت إلى ميدان التحرير، ثم توجهت إلى مجلس الشعب، لتعلن تأييدها، وقتها كان الرئيس في وزارة الداخلية، ليحرق الشرائط قيل إن عليها تسجيلات غير شرعية.


    في الأيام الأخيرة، بدأت علاقته بالتنظيم، يشوبها بعض التوتر، بسبب التوترات السياسية التي صاحبت ثورة التصحيح، والشكوك التي كانت تحوم حول ولاء بعض القيادات، وهو ما حسمه الرئيس تماما. بسبب وجود بعض الأجنحة، التي لم تكن راغبة في الحرس القديم، وكان أمين شباب التنظيم، قد بدأ يقترب من الرئيس، وكانت علاقته بأمين الشباب قوية.


    كان سرحان يشعر أن الاتحاد الاشتراكي أصبح كبير العائلة، أصبح حكرا على مجموعة لا تتغير، ولا يدخله جديد، وهو قد صارح برأيه هذا صديقه أمين شباب الاتحاد، وطلب منه أن ينتظر، للأيام القادمة. التي ستحمل الكثير، وأخبره أن الرئيس عازم على الحرب وإعادة الأرض، وقبلها يجب إعادة ترتيب البيت. وطلب منه أمين الشباب ألا يتصل به بالتليفون، لأنه مراقب. بفعل قوى تخطط لعودة البلاد إلى الوراء.


    راق لسرحان تعبير "ترتيب البيت" فعلا، الاتحاد يحتاج إلى إعادة ترتيب. فهو يراه مترهلا، ولم يعد قادرا على تحقيق فكرة الحشد الجماهيري لمساندة القيادة السياسية، بل وقد أصبح معوقا. ثم دعاه أمين الشباب لحضور الاحتفال الذي سيقام في وزارة الداخلية ابتهاجا بتلك المناسبة.


    لم يعرف سرحان أن الرئيس سيحضر إلا عندما فتشوه تفتيشا دقيقا على مدخل وزارة الداخلية، وطلبوا منه أن يقف في الفناء مع مجموعة من الوزراء. طال وقوفهم وبدأت الشمس تلهبهم، كانت هناك بالقرب عربة مكتوب عليها الإذاعة والتليفزيون، وخرج منها رجال يحملون كاميرات على أكتافهم تنتهي بأسلاك تصل للعربة، وظهرت مذيعة فاتنة وهي تحمل ميكروفونا وخلفها رجل يحمل كاميرا، وبدأت تستعد.


فجأة بدأت الحركة تدب عند باب الوزارة، ثم دخلت سيارة سوداء ثم تنحت جانبا، وبعدها دخلت سيارة سوداء على مقدمتها أعلام مصر، ثم توقفت، وترجل منها رجلان، وقفا بجوار الباب الخلفي، وتقدم ثالث وفتح باب السيارة الأيمن الخلفي، ومرت لحظة، ثم فتح الباب، وظهر الرئيس السادات، بوجهه الأسمر وقامته المديدة، وفي يده العصا، وسرعان ما دوى التصفيق من أماكن وأشخاص كانوا مختبئين خلف الأشجار والأعمدة الضخمة في فناء الوزارة، وكأن الأرض انشقت عنهم، ولوح الرئيس بعصاه. انبثقت الأرض عن صف طويل من الوزراء وكبار رجال الدولة، وكان الوجوم يخيم عليهم، فتقدم السادات وصافحهم واحدا، واحدا، وكان يتحدث مع كل واحد منهم هامسا.


    كان الرئيس، يبدو مرهقا، ربما من آثار ما رآه، وجاء بمجموعة من الجنود كل أربعة يمسكون بطانية من طرفها والبطاطين مملوءة بأشرطة فيديو، في علب لونها فضي، وكان آخرون يحملون، كراتين كبيرة الحجم، قيل إنها مملوءة أيضا بأشرطة، تقدم الرئيس، عندما أشار وزير الداخلية إلى حملة الأشرطة بالتقدم، وشاهد الرئيس الأشرطة، ثم أمر بحفر حفرة كبيرة، في فناء مبنى وزارة الداخلية، وسرعان ما تم الكشف عن حفرة كبيرة، كان قد سبق إعدادها، وقام الرئيس بالإشارة إلى وزير الداخلية الجديد، وعلى الفور تحرك حاملو البطاطين والكراتين، وقاموا بإلقائها في الحفرة، وألقيت عليها صفيحة وقود، وتقدم الرئيس، أعطيت له شعلة متقدة، قذفها على الفور في الحفرة، وسرعان ما اشتعلت النيران، وظهرت سحابة كثيفة من الدخان، وظلت تلف حول نفسها، ثم بدأت في الصعود إلى السماء، مبتعدة عن الرئيس وكبار رجال الدولة.


    وتقدمت المذيعة من الرئيس، وكان سرحان بعيدا لا يسمع، ولكنه تمكن من التقاط بعض الكلمات منها: إننا ندفن كل مخلفات الاشتراكية، تتمثل في أشرطة تسجيل لمكالمات تليفونية، تحتوي على أسرار شخصية، لبعض المسؤولين الكبار في البلاد، ومعهم بعض الفنانين والفنانات، والعاملون في الحقل الإعلامي والسياسي، وبعض الشخصيات المعروفة، كانت تلك التسجيلات قد سجلتها لهم أجهزة الأمن والمخابرات من التليفونات الخاصة بهم دون علمهم، وقال إننا سنبدأ عصرا جديدا علي نقاء....


    لم يكن يدري أن القدر قد خبأ لهم لحظة العمر، عندما اقتاده أمين الشباب من يده، واخترق الصفوف، وحواجز الأمن، حتى أصبح على مقربة من الرئيس، ثم أشار إلى الرئيس، وتوقف الرئيس بالقرب من سيارته، وأشار لأمين الشباب فاقترب أكثر، وصافح الرئيس، وفي يده سرحان، فنظر الرئيس إلى سرحان، ومد له أطراف أصابعه، وصافحه، وقال أمين الشباب للرئيس:


ـ فخامة الرئيس، هذا سبع الصعيد.


   وصافحه الرئيس وقال:


    ـ أهلا.


    ثم انتحى بأمين الشباب جانبا، وكان أمين الشباب يتحدث مع الرئيس هامسا وعيناه تنظران إلى سرحان. ثم ربت الرئيس على كتف أمين الشباب، ونظر إلى  سرحان، مبتسما، ثم ولج في سيارته.


  (فصل من رواية "وفاة أمين الحزب" قيد النشر)