قلب عمر حاذق

20/03/2015 - 3:15:56

عمر حاذق عمر حاذق

غادة نبيل - شاعرة مصرية

    أكتب ربما للمرة الثالثة منذ سجنه، عن الشاعر والروائى السكندرى عمر حاذق، وقد صدرت له مؤخراً رواية "قلب السمكة" (دار العين 2015). يلجم حاذق شعريته كثيراً فى هذه النوﭭـيلا أو الرواية القصيرة. وربما هو لم يلجمها حقاً، إنما يغادره الشاعر حين يحضر فيه الروائى حيث سبق وأصدر روايات منذ تم سجنه قبل أكثر من عام على خلفية ما تم الحكم فيه بوصفه خرقاً لقانون تقييد التظاهر. كانت مسودات الروايات السابقة فى أغلبها جاهزة قبل واقعة اعتقاله.


    يقرأ فى سجنه، يكتب ويتابع القليل الذى يتيسر إيصاله له، على ضوء شحيح حكى كيف يشعر أنه ضعف بصره خاصة إذ يطلب بلطف من أحد السجانين المسئولين ترك إضاءة تتسلل جانبياً بشكل مائل جداً فى زنزانته من عنبر ما لتصله ليلاً بعد نوم رفاقه حيث يختار كذلك الاستحمام قبيل الفجر تفادياً للزحام مما يضطره للتعامل مع الماء الصقيعى شتاء مثلما اضطر للتعامل مع قطع الماء والكهرباء من إدارة السجن وسط قيظ الصيف أثناء صيام رمضان.


    بعيداً عن الشجون والأسى العظيم لسجين سياسى مسالم وناشط فقد عمله يبكى الشاعر والروائى فى حبسه على حزن اثنين: أمه وابن أخيه الذى يصدر له اعتذاراً فى إهداء روايته الأخيرة. كانت "قلب السمكة" كما يقول "شبه مكتوبة بأفكارها الرئيسية قبل السجن" ثم أعيدت كتابتها ما يزيد على ست مرات لاحقاً حيث كانت مصادره كلها للرواية من الإنترنت. لذا لم يعد جهاز الكمبيوتر الذى يستخدمه الكاتب فى مكتبة الإسكندرية متاحاً عليه أى شىء من الرواية أو القصص التى كتبها إذ تمت مصادرته بعدما تم اعتقاله.


    الجمل التى تشى بأن كاتبها شاعر قليلة فى المتن السردى ومتناثرة بعضها قرب نهاية الرواية وبعضها يرد مبكراً. مثلاً يقول السارد بضمير المتكلم وهو المفضل روائيا فيما يبدو لدى حاذق كما تشهد أعمال أخرى: "هكذا يُكتَب الشعر: للحب وللأصحاب وللشعر، لا للملوك الذين إذا قٌطِعَت رءوسهم صاروا حميراً ".


    مثالان آخران سوف يسطعان شعرياً: "لا بد أن الذهب الذى يستخرجونه من الأرض هو بول نساء جميلات منذ زمانٍ قديم رسب من الأنهار فصار ذهباً" أو حين يقول أبو حيّة على لسان السارد الأوحد كمتكلم يسرد خطابه وحكايته على نحو رثائى دافئ: "كل الذين عرفونا قبل موتكِ، ماتوا جميعاً إلا تلك الشمس، وأنا".


    فى الرواية يبرز – خفيفاً – العنصر الخرافى وما وراء الطبيعى لأهداف جمالية وإلى حد ما تاريخية إذ يدعم الإحساس بأفكار العصر أو المرحلة الزمنية (أواخر العصر الأموى وبداية العصر العباسى) فنحن أمام سارد متكلم يقول إنه يعرف ويترجم لغة الغنم والخيل (فمثلا يترجم لأصحابه ما يقوله الخرفان فى السوق قبل الشراء أو ما تقوله الخيول قبل بدء السباق) أو يقوم بالتعزيم بلغة الجِن البنائين لتخرج أحجار الجدران من مواضعها وتتبعه إلى حيث معسكر القتال الذى انضم إليه أثناء "حرب بغداد"، كما توجد إلماحات مستقبلية متعمَدة وهى تقنية عادة تستهدف خلخلة الزمن عبر التنقل المستمر بين حقبه من ماضٍ وحاضر ومستقبل. مثال هذا إشارة أبى حيان فى المتن الروائى إلى دوران الأرض استباقاً لما سيعرفه جاليليو جاليلى طبعا. ونظراً لصدور الكلام عن دوران الأرض عمن اعتبره مجايلوه (فى المتن أى بحسب السارد المتكلم) مجنوناً - فقد كان أثر ذلك غرائبياً من الناحية الجمالية كإشارة لكشوف المستقبل. كان لا بد من إيراده ضمن سياق تقنية كان يمكنها أن تتكرر ويفيد منها الخط السردى، لكن يبدو أن هذا لم يكن هدف الكاتب فقد قمع تلك التقنية إلى حد ما – وإن كان سيكررها مرة أخرى فى المتن - مفضلاً صيرورة جمالية أخرى تضمن التركيز على سرد أبى حيّة لذكرياته ومشاعره تجاه زوجته وقد عُمِر.. ومن ناحية أخرى كان لتلك الإشارة أو الإلماحة السريعة ما أضاف بهاء وابتسامة على وجوه القراء. فها هو من يحمل الماء من دجلة ليصبه فى الصراة ثم يحمله من الصراة ليصبه فى دجلة بوهم الحفاظ على توازن مائى ما، ها هو أبو حيان "يرى" أن المستقبل سيكشف رؤيته للآخرين أن الأرض تدور! فكأنما نستدعى شخصاً اسمه  ليوناردو دافنشى كان يرسم الغواصة والطائرة قبل أن تتحقق أحلامه بقرون.


    النهاية تبدو كأنما تتشبث بمخيال أسطورى عبر فكرة تتماهى مع التناسخ حين نجد الميلاد الثانى لأبى حيّة لكن كسمكة مع عائلته تحت الماء وحيث تنمو له زعانف يرفرف بها.. وهو من كان أصحابه يقولون له إنه يملك قلب سمكة.


    ثمة نبر عميق الاعتزاز يحيط وصف السارد لنفسه كان يمكنه أن يفيض ويكون أكثر إقناعاً لو جاء من شخصيات أخرى عدا الإشارات السريعة من أبى دلامة الذى نسمع كلمته فى حق السارد ومبادئه ولكن فقط عبر لسان السارد.


    نجد سؤالا من السارد المتكلم يخص حلمه عن خريطة بلاد العرب وهو يقول "ها هى ذى خارطتى". وفى ذلك الحيز على الصفحة يحكى السارد المتكلم كيف استنطق النجوم لترسم بيده تصوره أو خريطته عن بلاد العرب فى قادم الزمان ثم نشاهد على الصفحة رسماً لخريطة حديثة لجغرافيا العالم العربى فكأنما تلقى أبو حيّة وَحيًا أو نبوءة لحظية ما أطلعته على مساحة البلاد العربية كما نعرفها اليوم: "فصرتُ أسمع منها ويدى ترسم، ثم صحوتُ بعد زمن لا أعرف مداه، وكان العالم غارقاً فى ظلمة وسكون" يتبعها السارد بعد قليل من السرد بالسؤال المستهزئ: "كيف أرسم أرضاً سيدها أمير المؤمنين، خليفة الله فى أرضه، على هيئة تشبه الأير؟"


    وصف "الأير" الذى يحيلنا إلى الخريطة الجغرافية بالمتن يبرز إحساس السارد المتكلم بالوجود وخاصة ببلاد العرب وهى رؤية نتاج واقعها السياسى الاجتماعى يليق أن تكون مستمرة من أيام عصر أبى حيّة الذى كان متعففاً لا يروم قصور الخلفاء ولا يمدحهم رغم إملاقه وحاجته مؤثراً مديح المجاهيل من شعراء عصره وأصحابه وممتنعاً عن السخرية بالشعر من زوجته لإضحاك الخليفة كما كان يفعل بعض أصحابه الخُلص ممن أجزل لهم الحكام. ثمة سهام تدخل البحار وتخرج منها فى الخريطة "الكروكى" التى ألحت الفكرة الحداثية لاستخدامها على المؤلف كى يُضمنها روايته ولا أشك أن شكل خريطة حديثة للعالم أو جزء منه كانت لتتسبب فى كارثة لصاحبها فى العالم القديم!


    ليس السؤال هل هذه رواية تاريخية أم تستلهم التاريخ وتقبع بين ثناياه منحرفة إلى الفانتازى كمخرج بالنهاية. هو السؤال المهم بل ما الذى يشعر به القارئ طوال السرد ومع حلول النهاية لأن هذا فى تقديرى هو السؤال المركزى لدى تعاملنا مع أى عمل فنى أو أدبى لأن من الواضح أن حاذق مغرم بالتاريخ كما تشى رواياته عموماً.


   يمكن القول إن الرواية نجحت – رغم غياب البوليفونية (التعددية الصوتية) – فى استحضار روح عصر ساردها عبر اللغة فالأشعار من العصر العباسى والإشارات لــ "حرب بغداد" ومقارنات مواقف الخلفاء ممن أشيع عنهم التزندق من الشعراء (حتى بعدما أعلنوا إيمانهم فى حضورهم) بمواقفهم (أى الخلفاء) من مداحيهم من المتزندقين كلها وثقت الشعور بزمان الأحداث لولا أن روايات حاذق كما لاحظت عادة ما تكون قصيرة إلى حد بعيد ربما لحرمانها من تعددية الشخوص والأصوات. لديه سمة أخرى برزت فى غير رواية له توضح انشغاله بالكيفية التى ستجئ عليها النهاية وقد لاحظت أنه يميل إلى أن تكون فانتازية قليلاً مما يجعله يمهد نوعاً لما سيحدث من غرائبية ستحسم المواقف والأحداث أو حتى غياب الأحداث.


    فى نهاية العمل الذى تمنيته أطول كنت قد صدقت استحضارات السارد التى جعلها المؤلف بوتقة زمانية نفسية بلغة عتيقة عمداً تستهدف إرجاعك للعصر العباسى، لكن النهاية كانت تحتمل تعميقاً ومعاينة وشطحاً أكبر ومن ثم – أى لو كانت فانتازيتها أعلى – كانت ستلتزم أو تفرض معالجات أكثر غرائبية أو عجائبية فى المتن الروائى قبلها. لا أنكر أن الكاتب حاول التمهيد لنهايته طبعا فمثلاً المشهد الذى جمع بين أبى حيّة وأبى دلامة صديقه الذى يمدح الخليفة لعطاياه له دلالة غرائبية مقصودة حين يَهيج السارد المتكلم فجأة ويركل مائدة الطعام عندما يُقْدِم صديقه على فسخ السمكة وفصل رأسها عن جسدها.. هياج السارد وغضبه ورفسه للطعام قبل بسملة وحوقلة صاحبه هو من باب تنبيه مبكر لـ "سمكية" السارد أبى حيّة وتحولاته الفيزيقية اللاحقة. ولعل تحول الإنسان إلى كائنات أخرى حيوانية أو أسطورية (أو التزاوج مع تلك الكائنات) من أبرز سمات الأدب الفانتازى والإرعابى.. نجد نظائر ذلك فى أعمال لكافكا وأورويل ويونسكو وغيرهم وأراه ملمحاً أسطوريا (فى ميثولوجيا الشعوب) وفولكلورياً قديماً فى الحكايات الشعبية. والأمر الآخر هو ذلك الخيط الرفيع من الفلسفة الشجية والتأمل الذى يتلبس شخصية السارد المتكلم الذى بلغ المائة عام مع لغة نجح حاذق فى غمس صورها فى كثير من اليومى (البول، الضراط، الكنيف وغيرها).


    لكن نماذج أو أمثلة القطع / الصدم الزمنى عبر إشارتين ربما ليست كافية. ربما  لم يكن تذكيرنا العميق بالحاضر (خارج الرواية) مما يحبذه الكاتب. ربما تخوف من جرعة تداخل التاريخى مع الفانتازى خشية طغيان الثانى على الأول أو إفلات الخيط الثيماتى والسردى أو اهتزازه بانجذابه لمسار آخر، وربما أراد أن يبقى وفياً وأكثر اقتراباً من أسطورة شاعر تماست روحه ومواقفه معه خاصة وقد توافرت عنه مادة قليلة (من الإنترنت كمصدر معلوماتى كما صرح المؤلف) هو شخص أبى حيّة لكن يبقى القارئ مشدوداً بلغة السرد الجذابة طوال القراءة والتى لم تقارب فى أى منعطف حافة الملل. فقط الصوت الأحادى المحتكر للسرد ربما فرض حجم الرواية الصغير نسبياً وهى حالة قد يتحرر منها ساردو حاذق المستقبليون حين يحمل معهم عبء السرد والوصف شخصيات وأصوات أخرى بما يفجر الروح التجريبية على نحو أكثر دفقاً لمن يملك كحاذق موهبة القص والشعر معاً كما تحشدنا رواياته المتلاحقة بالتشوق لتأمل شعره الذى سيكتبه ليس فقط بعد خروجه من السجن مقارنة بشعره المنشور قبله ولكن للملامح الجديدة للشعر الذى سيأتى بعد كل هذا السرد.