سائق الحرب الأعمى .. ماذا فعلت الحرب للشعب؟

20/03/2015 - 3:14:08

رواية سائق الحرب الاعمى لاسعد الجبورى رواية سائق الحرب الاعمى لاسعد الجبورى

نجاة عبدالله - شاعرة عراقية

    تتناول رواية "سائق الحرب الأعمى" للشاعر والروائي العراقي أسعد الجبوري محاور عدة مهدت لمحور مهم وأساسي هو أحداث حرب الخليج الثانية، وما سبقها وتلاها من تفاعلات نفسية رهيبة توزعت بين أديث صاحبة القبر الوهمي، عاشقة الأساطير وصديقها الإيروتيكي الذي ينتهي به المطاف إلى عمق الرمال الساخنة ليصبح أسطورة في مدونات أديث، والأخ زولا الطيب الوديع، حين يُجند للذهاب إلى عمق الصحراء ويصُبح قائد كتيبة، ويتفقد تلك الصحراء الغريبة ويعثر على أعرابي يدله على حفرة كبيرة تحتوي على زواحف غريبة، زواحف بعضوين تناسليين، تفرز مادة نادرة تحيل الجلد إلى درع  صلد.


    لقد عاد زولا بنماذج من تلك الزواحف إلى أمريكا، ونشر بحثا كبيرا حالما بالمجد بهذا الاكتشاف المهول.. وما إن يسمع صدام حسين بهذا الاكتشاف الخطير حتى يطلب زولا إلى العراق.. ليدرع جيشه ونفسه بلقاح تلك المادة.. ولم يمهله الزمن طويلا حتى تتفسخ جلودهم ويصبح بصاق الشعب الناقم هو جل ما يحلم به للعلاج.. وهذه دلالة عميقة أيضا على رفض الشعب العراقي لدخول تلك الحرب البغيضة.


    حياة زولا الأمريكي الرافض للحرب أيضا تلونت بعذابات وأفكار ومخاوف ومشاهدات غزت عقله الباطن والواعي، لتحول هذا الرجل الهاديء إلى حقل لتجارب الحروب أسوة بتلك الزواحف التي جند لها صدام علماء وباحثين ومختبرات كاملة ليدرع نفسه وجيشه دون أن يأبه لفقدانهم شهية الحياة وزهورها وسرير الحب والعلاقات الإنسانية. "زولا.. أنت بالأبيض والأسود فقط، وهذه المرآة تظهر صورتك كغريب أو تائه عن ركب قافلة عابرة " ص 75.


    غربة النفس إذن وهي تنشطر داخل غربة أخرى، غربة تجردك من كل ما ألبسته لك الطبيعة من ألوان افتراضية، لتظهر روحه صافية بالأبيض والأسود فقط دون أية رتوش ربانية. ويعود مرة أخرى ليسأل قلبه: "هل كبرت في الحرب أم كبرت بك الحرب يا زولا".


    يتفحص ما يجري حوله في تلك الفيلا الفخمة التي يخنقها الحراس الكلاب، وتصبح مرتعا ومستقبلا ومرآة كبيرة للتعرف على طبيعة الحياة العراقية: "لم يتخلص العراقيون من جهنميات الحروب بعد. ولكنهم من الشعوب النادرة التي جعلت الموت طريقا للحياة وليست قبرا لها. لا أعرف كيف يمكن وصف بنية الإنسان في هذي البلاد. فأنت وإن تراه مخمورا بحزنه، إلا أن معدنه الداخلي غير قابل للانهيار السريع. كل الفلزات التي أفقتها الحروب حديدا وفولاذا ورصاصا، وكأنها دخلت في تكوين عموده الفقري، ليكون مصفحاً، ويتحمل أعنف الأهوال وأشد العواصف خرقاً للقوة".


    الرواية مليئة بتفاصيل تحمل غرائبية كبيرة وأحداثا تُسخر الخيال الخصب الذي امتلكه كاتب الرواية.. بيت العائلة الكبير الذي يذهب مع أموال الأب، ثم وفي اللحظة الأخيرة يعود بسبب هذا القبر الوهمي لاديث، وتلك دلالة أخرى على أن ما يثبت شرعية الوطن هو القبر. أيضا تجتاح الأب المقعد رغبة عارمة، ويذهب في كرسيه المتحرك قاطعا الغابات إلى الحانة، ليسترجع بكاءه وحزنه على طاولة صغيرة، والأم الخائنة كاتبة الرسائل لرجال الحي بقلم زولا الصغير، وما يجر هذا الأمر من ويلات تتفاقم في حياة زولا وتركيبته النفسية. والخادمة فوجي صاحبة الجسد الشهي التي تنافس خيال زولا على زواحفه المكتشفة، وقدرتها الخارقة على استمالته إلى سرير الحب، واديث تلك المجنونة بالأساطير والحكايات الغريبة، "إنها لبوة شرسة، تؤمن بعدالة الأفكار أكثر من إيمانها بعدالة الأخلاق ومشتقاتها على الأرض".


     تتناول رواية "سائق الحرب الأعمى" ـ التي صدرت عن دار نوفالس للنشر والتوزيع ـ أيضا أحداثا أعمق وأوسع، إنها الحرب التي تحدق بالجميع، وتقف لهم بالمرصاد حتى تجعل الواحد منهم يعتاش على أمل مفترض.. "نحن كائنات نعتاش على الأمل الاصطناعي فقط يا سيد زولا، قد تسألني كيف: فأقول بأن الذي بقيَ من أجسادنا ليس إلا من الظلال التي سريعا ما تظهر وسريعا ما تختفي، إنها تحمل كل وجع وكل ألم يدخل إلى ذلك الحقل اللحمي المسمى جسماً. لقد بات صعبا على الجسد الحقيقي تحمل أعباء تلك الضربات التي جعلت المرء مترددا بصدّ أمواج الأوجاع التي كانت تستهدفه يومياً، سواء من الدول العظمى، أم من أصغر جلاد يملكك لحما وعظما، مثلما يملك مفاتيح السجن الذي ترمى فيه، لتعزل مثل حيوان ينقل أمراضا معدية قاتلة" ص 236. هذا ما رددته المترجمة على أسماع زولا لتهبه وصفا مختصرا لطبيعة الحياة العراقية والبحث الدائم لكل ما من شأنه أن يقي تلك الأجساد من عذابات محتملة.


    رواية تصف رفض المجند الأمريكي لأية حرب مهما كان نوعها وهدفها. وكذلك الرفض العراقي لحروب يقوده إليها الطاغية ويسخره لها على امتداد عقود.. والنهاية المريرة والخسارات التي يقف على أعتابها القائد بعد ذلك، لتهبنا مؤشرا واضحا على أن جميع الحروب هي من صنع الطغاة.


    الحرب التي كسرت قلوب العراقيين وأحالتهم إلى كتلة متحركة من الألم "ما من قلب في وادي الرافدين إلا وكان مكسورا كتفاحة من زجاج، أي شر ذلك بحق السماء".