المشهد الروائي السوري والاستبداد السياسي

20/03/2015 - 3:12:29

هانى الراهب هانى الراهب

مفيد نجم - ناقد من سوريا

    خطت الرواية في سوريا أولى خطواتها باتجاه تعميق علاقة الوعي الروائي بالراهن السياسي والاجتماعي مع التجارب الأولى، التي بدأت تتشكل داخل الفضاء الزمني والثقافي للعقود الثلاثة الأخيرة، من عمر الاستبداد السياسي، بعد أن ظلت تلك الرواية مشغولة بالتخيل التاريخي، سواء على مستوى استعادة الهوية الوطنية السورية تاريخيا، أو هربا من مواجهة أسئلة الاستبداد وقمعه كنوع من التقية السردية.


    لكنه مع رواية (الوباء) لهاني الراهب سوف تؤسس التجربة الروائية السورية الحديثة لمرحلة جديدة من التحول، تتجاوز فيها هذا المعطى في الوعي الروائي السوري الناجز، وذلك من خلال محاولتها تعرية واقع الاستبداد السياسي. لكن التحول الحاسم في تاريخ هذه التجربة الروائية بدأ في السنوات القليلة الماضية مع ظهور التجارب الروائية الشابة، التي كان للمرأة الكاتبة فيها حضور إبداعي واضح وأصيل، تمثل في عدد الأعمال والتجارب الروائية الجديدة المنجزة، وما أضافته إلى هذا المشهد الروائي من مساهمات على هذا الصعيد جديرة بالقراءة والتأمل فيها فكريا وجماليا. وسيكون للانتفاضة السورية العظيمة دورها الكبير في توسيع دائرة اشتباك السردي مع الواقع الحي لهذه الانتفاضة، بأبعاده السياسية والاجتماعية والإنسانية والثقافية، لاسيما بعد الآثار الكارثية التي ترتبت على ضراوة الممارسات الإجرامية للسلطة، وعمليات التدمير والترويع التي ترتكب من قبله ضد المناطق الثائرة، دون أن يحرك ذلك شيئا في ضمير العالم الميت.


    لقد واجهت هذه التجرية تحديين اثنين، تمثل التحدي الأول في البعد العاطفي الذي يمكن أن تولده المشاهد الدامية والمأساوية لعمليات القتل والتشريد والاستباحة التي يمارسها النظام على وعي الكاتب، بصورة تجعل السرد الروائي أسير تلك الحالة وانعكاسا لها، مما يفقد هذا الوعي قدرته على استبطان الحدث السوري الفاجع وتمثل أبعاده الإنسانية والسياسية والاجتماعية، واستنطاق مدلولاته وكوامنه. في حين يتمثل التحدي الثاني الذي يتقاطع مع التحدي الأول ويتكامل معه، في التحدي الجمالي الذي يحرر السرد الروائي من الانقياد وراء الرؤية السردية الآنية للحدث والموقف العاطفي تحت وقع فداحة ما يحدث من أفعال بالغة المأساوية، وتسارع الأحداث والنكبات، التي لا تترك للوعي الروائي الزمن الكافي للتأمل وإنضاج تلك التجربة، واستكمال شروط تحققها جماليا وسرديا.


    وفيما يذهب البعض إلى القول بأنه ما زال من المبكر الحديث عن رواية سورية، استطاعت أن ترتقي إلى مستوى المأساة العظيمة لمعاناة ملايين السوريين، والحفر في أعماقها بلغة عميقة الدلالة ومتقدمة الرؤية، فإن المتابع لهذا المنجز الروائي سوف يجد أعمالا جديرة بالتوقف والقراءة والدرس بعد أن استطاعت أن تفوز برهانها السردي والجمالي، وإن كان بشكل متفاوت بين رواية وأخرى. في هذا الإطار وقبل الخوض في المتن السردي لعدد من هذه التجارب، لا بد من التمييز بين نوعين من تلك الأعمال الروائية، نوع غلب عليه الطابع التوثيقي (اليوميات) الذي حاول تسجيل مشاهداته الحية ومعايشته اليومية لوقائع الثورة في شهورها السلمية الأولى، حيث كان عنف النظام يهدف إلى إسكات الانتفاضة أو دفعها نحو التسلح لكي يبرر استخدام كامل ترسانته العسكرية، ونوع آخر ذهب أبعد من ذلك عندما حاول تقديم عمل سردي روائي، يتمثل جوانب واسعة من الحدث السوري بوقائعه الدراماتيكية الموغلة في فظاعتها ومأساويتها، دون أن يضحي بشروط الكتابة السردية ومقوماتها الجمالية والفنية لصالح الموقف الأيديولوجي والعاطفي.


    كذلك يمكن أن نميز بين مستويين من هذه الأعمال، قسم حاول أن يفضح ويعرِّي الواقع الذي أصبح يشكل بيئة صالحة للثورة بسبب الوضع المأساوي المتردي الذي كانت تعيشه أحزمة الفقر المتكاثرة بصورة عشوائية، على أطراف المدن، كما في رواية (النباشون) لسوسن جميل حسن، وقسم آخر ارتبط بحدث الثورة ووقائعه الدامية وآثاره الكارثية، ساعيا إلى تمثل وتجسيد مشاهد الموت والتعذيب والدمار المروعة، وتداعياتها الكارثية على حياة السوريين في المناطق الثائرة في مغامرة سردية لا تخلو من الشجاعة.


    لقد مهدت الرواية السورية قبل سنوات عديدة لهذا التحول على صعيد هتك المحرم السياسي، وذلك في اشتغالات الرواية السورية وعلاقتها بالواقع، من خلال استعادة أحداث مهمة ومفصلية من تاريخ العقود الثلاثة الأخيرة من تاريخ الاستبداد والدكتاتورية العسكرية، تمثلت أولا في المعركة المفتوحة التي جرت بين تنظيم الإخوان المسلمين والنظام، والتي انتهت بجريمة حماة المشهورة عام 1982 على يد الأخير، كما تجلى ذلك في روايتي خالد خليفة (مديح الكراهية) و(لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة)، ورواية نبيل سليمان (مدن الأرجوان). وتمثلت ثانيا في حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت الآلاف من السوريين الذين ينتمون إلى قوى وأحزاب مختلفة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، في محاولة غير مسبوقة من قبل النظام لتصفية الحياة السياسية في سوريا. لذلك حاولت تلك الأعمال (اليوميات) تقديم شهادات حية عن عالم السجن ومعاناة السجناء فيه، وما تعرضوا له من فظائع وتعذيب ممنهج، يقوم به النظام طوال سنوات طويلة من الاعتقال. من هذه الأعمال التي كتبها سجناء عاشوا تلك التجربة المريرة داخل تلك المعتقلات، رواية (القوقعة) لمصطفى خليفة، ورواية (الشرنقة) لحسيبة عبد الرحمن، و(بالخلاص يا شباب) لياسين الحاج صالح، و(خيانات اللغة والصمت) للشاعر فرج بيرقدار، في حين جاءت رواية (سمر الليالي) لنبيل سليمان و(نيغاتيف) لروز ياسين حسن، لتشكلا إضافتين أخريين لهذه المساهمة الروائية، التي لم تزل بانتظار أن ترفدها كتابات أخرى هي بانتظار فرصتها في النشر.


الرواية والثورة


    أصدرت الروائية سمر يزبك عملها السردي (تقاطع نيران والذي يعد أول عمل توثيقي ذي طابع تسجيلي لوقائع الشهور الأربعة الأولى من عمر الثورة السلمية، وفيه وثقت الكاتبة شهاداتها من موقع الحدث الذي كانت توجد فيه على عمليات القتل والسحل والاعتقال التي كانت ترتكبها قوات النظام بحق المتظاهرين السلميين، حيث تتنتقل بنا بين ساحات وشوارع دمشق ودوما والبيضا في الساحل. تعترف الكاتبة في هذا العمل بعجزها عن فعل أي شيء آخر سوى أن تتألم لما تشاهده وتعيشه من وقائع دموية، لا تستطيع فعل شيء أمامها سوى توثيقها. ويمكن للقارئ من خلال العنوان الثاني للعمل (من يوميات الثورة السورية) أن يدرك الطابع التسجيلي له، وما ينطوي عليه من شهادات حية تدونها الكاتبة عن السلوك الإجرامي للنظام، في محاولته لقمع الثورة وإعادة تطويب سلطته الاستبدادية من جديد.


    في هذا السياق يمكن الحديث عن قصة (كرم الزيتون) التي تروي فيها روزا ياسين حسن وقائع الجريمة المروعة التي ارتكبتها عناصر الشبيحة والأمن بحق سكان جديدة عرطوز في كروم زيتون البلدة، حيث لم يكتفوا بعمليات القتل الجماعي، بل عمدوا إلى حرق العديد من جثث الضحايا والتمثيل بها.


    لقد شكلت الثورة محرضا مهما للسرد الروائي في سوريا وهو ما تجلى في العديد من الأعمال التي حاولت مقاربة الواقع السوري من زوايا مختلفة، لكنها حاولت جميعا تمثل واقع الجريمة الكبيرة التي ترتكب بحق السوريين المطالبين بالحرية والكرامة قتلا وحصارا وتجويعا، وما نجم عنها من تداعيات إنسانية مروعة، أوشابها من ظواهر مرضية نجمت عن حالة الفوضى والفلتان الأمني وصراع القوى المقاتلة على الأرض، إضافة إلى محاولة النظام تعزيز ظاهرة التطرف وفتح الباب أمامها لاتهام الثورة بالإرهاب وتحويل معركته مع شعب يطالب بحريته وخلاصه من الاستبداد والفساد إلى معركة مع الإرهاب.


    وعلى الرغم من تعقيد المشهد إلا أن الرواية في سوريا قد استطاعت سواء من خلال تنوع لغاتها أو منظورها السردي أو طبيعة مقارباتها وتمثلها لموضوع الثورة أن تقدم أعمالا جيدة كشفت عن وعي جمالي وسردي كان يحتاج لبيئة معززة لكي يعلن عن حضوره بثقة، سنراها أكثر إبداعا في المستقبل.