أمي صنعت مني كائنا خرافيا مسكونا بالكلمات والجنون

20/03/2015 - 3:10:28

تراتيل لالامها تراتيل لالامها

رشيدة الشارني - روائية من تونس

تختلف البلدان.


تختلف الأسماء والأسئلة والأزمان.


لكن مثل نجم قطبي وطني.


تباغتني حكاياه.


حيثما يمّمت وجه اللغة.


أو تاه بصدري الكلام.


    كلّ زمان يحمل أسراره وينسج أفكاره ويلد حكاياه. وبين زمان يمضي وآخر يجيء يقبض الرواة على عنق الحكاية ويثبتونها في الزمان والسؤال. في ما مضى من الأزمان قال حكماء بلادي: "هزّ الشّفرة تطيح الدمعة" للدلالة على كمّ الأحزان المخبّأة بداخل الإنسان، ذلك أن وراء كلّ دمعة حكاية ولكم أن تتخيّلوا كم حكاية تقف خلف دموعنا العالقة عند مآقينا وتلك الحبيسة في قاع الذات. جميع الشعوب عرفت فنّ الحكي وتأثّرت به وتوارثته وفي علم النفس الحديث يمثّل الحكي أسلوبا لاكتشاف النفس وللمعرفة والعلاج.


    قديما، واجهت شهرزاد قسوة السلطة بفنّ الحكاية وقاومت فعل القتل بسحر البيان وهزمت موتها القادم عند الصباح بغواية الخيال.


    الحكاية تجاوزت العدم ووضعت حدّا للعبث والجنون وخلقت للمرأة لغة أخرى تحاور بها الرّجل وتروّضه بعيدا عن غواية الجسد وهاجس العبودية وأسست لعلاقة جديدة بالعالم تمارس من خلالها وعيها الإنساني كقوّة مؤثّرة ولكن أيضا كذات فاعلة ومسيطرة.


    حين كنت طفلة كثيرا ما كانت الكهرباء تنقطع عن حيّنا في الليالي الماطرة، كانت أمّي تهرع إلى القنديل العتيق فتضيئه ثمّ تتربّع على الزربية قائلة: "تعالوا حوايج بيتي، دوروا بي نحكيلكم خرافة". كنّا نتسابق كالجراء إلى حجرها لنضع عليه رؤوسنا الصغيرة ونطلق العنان لخيالنا يحلّق مع الحكاية، أذكر أنّني كنت أجلس مفتونة بسحر صوتها وأتأمّلها وهي تغزل حرير الكلام عن الأرض الحاملة للبحار والجبال والشجر، وتروي أروع حكايات الحبّ والمغامرة، وكنت لا أبرح مكاني وأظلّ أحملق فيها مندهشة وأعاين انسياب الكلام على شفتيها الناعمتين، وأخشى ارتعاش جفونها واستسلامها للنّعاس، كثيرا ما كانت تتكوّم لفرط التعب إلى جوارنا فنصرخ بلهفة:


"أمّي، أرجوك أكملي الحكاية".


    يتسرّب اليأس إلى الإخوة والأخوات فيهدؤون قليلا ثمّ لا يلبث أن يأخذهم النعاس بينما تتململ في رأسي بقية الحكاية ويصحو أبطالها في مخيّلتي مفعمين بالحركة والكلام والجنون فتتناسل الأحداث على نحو مثير ويتماهى الخيال مع تفاصيلها يفكّكها ويخلطها ويعجنها ثمّ يعيد غزلها ونسجها من جديد.


    لقد صنعت منّي أمّي كائنا خرافيا مسكونا بالأحلام والكلمات والجنون، كانت حكاياتها تهطل في روحي وتملؤني وتشعرني بضآلتي أنا التي طالما مزّقت مقاعد المدارس فساتيني وأنهكت المحافظ ظهري، لقد جعلتني تلك المرأة الأمية المدهشة أكتشف جهلي وأشتاق نفسي حتى صرت كائنا مفتونا بالأسرار وامرأة معلّقة على الدوام في نقطة السؤال، كنت أحتاج دوما لأن أغمض عينيّ وأطير إلى أوّل الزمان وأقف في تلك البقع العذراء وأتعقّب تلك الوجوه المخملية فلعلّني أعرف شيئا عن ذاتي المعذّبة بمجهول رهيب.


    أستطيع أن أزعم أن تلك الحكايات الأولى أجّجت رغبتي في القراءة والتأمّل، صار الحرف رفيقي وتذكرة ترحالي إلى مختلف الأمكنة والأزمنة وتأشيرة عبوري إلى الآخر ومخزن خيالاتي كلّها، أذكر أنّني كنت أقرأ بنهم الروايات العربية والفرنسية التي توفّرها مكتبة المعهد الثانوي أو المكتبات العمومية ومجلّدات أحد أقاربنا التي كان يتركها في بيتنا وهو عائد من الأزهر الشريف حيث كان يدرس على أيدي كبار العلماء.


    هكذا اتحد فيّ الضدان منذ البدء، التراث العربي بتنوّعه وعمقه وبلاغته الفائقة والمؤثرات الأجنبية بسعيها الحثيث نحو الحداثة، ولم يشكّل ذلك أبدا صراعا بالنسبة لي وإنما أنشأ نوعا من التكامل الجميل كشف لي عن وحدة العمق الإنساني برغم اختلاف المناخات والتجارب والرؤى.


    في روايتي "تراتيل لآلامها" التي كتبتها في أوج سنوات الجمر قرّرت أن أتحدى عين الرقيب بداخلي وأطلق العنان لحرفي وأمارس مطلق غضبي فهناك من المواضيع ما لا يحتمل نصف الحقيقة وأنصاف الحلول، حاولت أن أقترب من مساحة الوجع والمحرّم والممنوع في واقعنا التونسي المرير. كنت أشعر وأنا أنسج تلك التجارب الأليمة أنني أكتب بأحشائي وأمزّق أقنعة الزيف بأظفاري وأبتدع عالما رحبا لكلماتي، لم تعد الكتابة بالنسبة لي مجرّد ترف لغوي ومحض خيال بل أصبحت أداة للتحدي والمقاومة وهي أيضا حفر وتثوير وتئبير ونفخ في جمر المعنى وتنفّس بين شقوق الكلمات وهدم وبناء وولادة صاخبة أخرى وعذاب آخر.


    أعتقد أن الإبداع الحرّ هو الذي يخرج من محن الحياة ومن قيودها وليس من حافتها ورفاهتها كما تصوّرت بادئ الأمر، وهو لا ينهض إلاّ لكي يحمل أعباء الحاضر ويحرّر المخيّلة من سلطة الموجود والسائد ويطلق العنان للفكر الحرّ، كي يعيد النظر في الموروث والمسكوت عنه في واقعنا وعلاقاتنا ومعتقداتنا وثقافتنا ويطرح الأسئلة المأزقية للمرحلة.


    أعترف بأنّني كنت دوما عاشقة للرواية الغربية ومسكونة بهواجسها غير أنّني الآن، وبعد هذا المنعرج التاريخي الخطير في الجغرافيا العربية، بتّ أجد صعوبة قصوى في استيعاب زخم الواقع ومفارقاته وتحويل الحدث إلى سياق فني بديع، صار واقعنا دراميا وشائكا ومفزعا بشكل بتنا نعجز فيه أحيانا على ترويض التجارب المتلاحقة التي تأبى أن تهدأ وتلين وأصبحت عملية الكتابة شاقة ومؤلمة وشبيهة بنزيف دموي موجع ومخيف، إنّني ككاتبة في حالة ذهول ممّا يحصل.


    السؤال الملحّ هو: كيف تطرح الرواية اليوم قضاياها الكبرى في خضمّ هذه المتغيّرات؟ وكيف تنهض بأعباء الواقع وترمّمه؟


    أعتقد أن الفنانين والأدباء والشعراء والصادقين والبسطاء هم وحدهم بإمكانهم إعادة الصواب لهذا العالم المجنون، ماذا نملك إزاء آلام الوطن غير ترميمة بالموسيقى والرسوم  والكلمات.


    ما أقسى أن نكتب تاريخا يحمل بصمة الكهنة والقتلة.


    ما أوجع أن نكتب عن ثوارات أفسدها الجهلة والماكرون.


    كم أخشى أن تتبدّد أحلامنا مثل نور خادع ويجرف ماضينا حاضرنا ونحمل للأجيال القادمة كمّا هائلا من المآسي والأحقاد.


فيا نبض حروفي


من أين لي الآن بحكم القدامى


وصمود  شهرزاد


ودهشة الطفولة


من أين؟