منطق النبّاش

20/03/2015 - 3:08:16

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

سنان أنطون - كاتب وشاعر عراقي

    استيقظ رسول في الخامسة صباحاً. أمّه وأخته الصغيرة، فاطمة، تغطّان في نوم عميق. حاول أن يعود إلى النوم لكنّه لم يفلح. قام من المرتبة التي لم تكن بما يكفي من السمك لتمنع الرطوبة التي كانت تتسلل إلى عظام أمه وتؤلمها. وكأن تعب العمل لا يكفي. أما هو فعظمه "طري" كما قالت أمّه لتطمئنه عندما سألها هل سيشعر هو أيضاً بآلام الرطوبة. ليلة أمس قالت له إنهم لن يخرجوا هذا الصباح بسبب الحرب. لكنه لا يستطيع النوم ويشعر بالاختناق. فلا شيء ليفعله في هذا المكان الضيق. كانت ليلة مرعبة. أزيز الطائرات وصوت الانفجارات، التي لم تكن قريبة، لكنها أخافتهم. ولم يتمكنوا من النوم إلا بعد ساعات. ظلت أمهم تنصت إلى الأخبار على الراديو وتبتهل. وكلما سألها هو أو أخته عمّا يحدث كانت تردّد نفس العبارة "بداتْ الحرب. الأمريكان سيقصفون".  لكنه لا يسمع شيئاً الآن. ربما انتهت الحرب. قالوا إنّها ستكون قصيرة. ذهب إلى الحاوية المعدنية في الزاوية وغرف قليلاً من الماء البارد براحته وشرب. غرف مرة أخرى وبلل وجهه. ارتدى بنطلون العمل فوق بنطلون الرياضة الذي ينام فيه. ثم ارتدى بلوزته الصوفية ذات الرقبة العالية والجاكيتة ذات القبعة. التقط حذاءه الذي كان قرب الباب وارتداه. ثم فتح الباب وسدّه ببطء وهدوء بعد أن خرج كي لا يوقظ أمه وأخته.


    صفعته برودة الصباح ورائحة القمامة التي تجعله يتقيّأ أحياناً. لكنه تذكّر ما قالته أمّه. يجب أن نتحمّل ونكدح كي يمكننا أن نترك هذا الكوخ الطيني ونسكن في غرفة في بيت حقيقي فيه حمّام ونجد عملاً آخر. هذه هي صلاته وصلاتها. علّى رقبة البلوزة كي تغطّي حافتها أنفه. مشى إلى الحفرة خلف البيت ووقف أمامها. فتح سحاب البنطلون وبدأ يتبوّل في البركة الصغيرة وهو ينظر إلى السماء تغيّر ملابسها هي الأخرى لتبدأ عملها. لا طيّارات ولا صواريخ في الأفق. شعر براحة بعد أن هز عضوه الصغير لينزل القطرات الأخيرة العالقة. استقرّت واحدة منها على سبّابته. أغلق سحابه ومسح يده ببنطلونه. استدار ومشى نحو المكبّ الذي كان على بعد عشرين دقيقة.


    لم تكن الشاحنات قد وصلت بعد لتقيء ما في بطونها. لكنه صياد وماهر في العثور على ما يفوت الآخرين، وحتّى المتمرّسين منهم، في الأكوام التي تم تمشيطها. ألم يجد مرة خاتم ذهب؟ لمح شيئاً يلمع فركض إليه والتقطه. أعطاه لأمّه التي وضعته على بنصرها بعد أن مسحته بكمّها. كان ضيقاً بعض الشيء. خبّأته بسرعة في صدرها. فرحتْ كثيراً واحتضنت رسول وقبّلته. "عفيه بالسبع. صيّاد!" ونزلت إلى السوق في اليوم التالي لتبيعه. وأكلوا يومها وجبة طعام حقيقية من تلك التي لا يظفرون بها إلا في العيد. لكن الخاتم كان استثناء. ومن يومها لم يجد شيئاً بمثل أهميته أو قيمته. هم يبحثون عن العلب والقناني الفارغة لأن مردودها مضمون وثابت. أكبر عدد من الأكياس التي يمكن جمعها. وجدت أمّه ذات مرة راديو صغير في الأكوام وعندما اشترت بطاريتين ووضعتهما فيه اتضح أنه كان يعمل. وأخذت تستمع إليه في الليل بعد العودة إلى غرفتهم. لماذا ألقوا به إذاً؟ كان يكرّر هذا السؤال كثيراً بدون إجابة وافية. ويتخيّل أحياناً من يكون هؤلاء الذين يلقون بكل هذه الأشياء التي يمكن استخدامها مع ما لم يعد من الممكن استخدامه؟


          بطاريات، فرش أسنان، قناني عطر خاوية، وأحياناً فيها قطرة أو اثنتان، ملابس داخليّة ممزّقة، قشور فواكه، سمّاعات، أقراص ممغنطة مكسورة، علب عصير، قشر بيض، طماطم، كرة قدم مثقوبة، قفّازات طبيّة، صحون وأقداح، حفّاظات، شرائط كاسيت، لحم متعفّن، أوراق، جرائد، مجلّات، أسلاك.


    عندما ألّح على أمّه بالسؤال ذاته "ليش يذبّون كل هاي؟" عيل صبرها وأفحمته بجواب مقنع بدلاً من "شمدرينى". "ابني نحمد الله يذبّون كل هاي. خلْهُم. إذا ميذبّون منين ناكل ونعيش؟".


          أعجبه لقب "صيّاد" وكان يفضّله على "نبّاش". ذات مرة وجد صورة جميلة في واحدة من المجلّات التي صادها. يظهر فيها رجل وسيم يجلس وحيداً على كرسي خشبي على ساحل بحيرة وبجانبه صنّارة صيد وعلبة سجائر. كانت هناك جملة واحدة بأحرف كبيرة بالعربية وكلمة واحدة بأحرف أجنبية، ولكنه لا يفهم معناها. حين سأل أحد الكبار الذين يعملون معهم عمّا كتب عليها، قال له "دعاية". "دعاية مال شنو" "سجاير". فتخيّل أنه صياد مشهور. نزع تلك الورقة من المجلة وطواها ووضعها في جيبه. وأخذ يحلم بأنه سيكون صياداً مشهوراً عندما يكبر. سيصيد السمك، بدلاً من بقايا الآخرين. وسيدخّن سيجارة في استراحاته. كان يخرجها بين حين وآخر ويمس سطحها الصقيل ويحلم.


          بدأ يقترب من المكبّ ولاحظ وجود ثلاثة أكوام كبيرة لم يتم جرفها. أحياناً تأتي الشاحنات متأخّرة في الليل بعد أن يعود النباشون إلى بيوتهم ولا تُجْرف الأكوام حتى الصباح التالي.


    كان لوحده. هو وبعض الطيور التي تحوم فوق الأكوام، لكنها لا تستطيع حمل العلب الفارغة. وستهرب حالما يصل. أخرج أحد الكيسين من جيبه استعداداً للصيد. رائحة النتانة تزداد قوة كلما اقترب وتخترق رقبة بلوزته. سيتنفس من فمه كي يتجنبّها. عادة يضع قطعتين من منديل صحّي في منخريه، كما تعلّم من الآخرين. لكنه نسي أن يأخذ منديلاً من البيت.


    وصل إلى سفح كومة وبدأ ينبش ويتقدّم. عثر، كالعادة، على عدد من العلب الفارغة. هذا أسهل شيء. سمع أزيز طائرة من بعيد. فاعتدل في وقفته ونظر إلى الأفق. لم ير شيئاً.


    على بعد مائتي متر من المكب هناك بناية كانت منشأة عسكرية صغيرة تابعة لوزارة التصنيع العسكري وتم قصفها عام 1991. وظلت البناية مهجورة إلى أواخر التسعينيات حين أصبحت هذه المنطقة مكبّاً إضافياً. وانتقلت عوائل النباشين إلى البناية المهدمة وسكنت فيها. لكن معلومات الطيّار كانت تفيد بأن الموضع هدف استراتيجي.


    (فصل من رواية "فهرست" تصدر قريباً)