من داخل المركز الطبي العالمي شديد الحراسة .. الأبنودي: الجلطة أخلاقها ساءت.. أصابتني وجعلتني شبه السمك!

16/03/2015 - 10:06:31

الابنودى الابنودى

حوار - أشرف التعلبي

الشاعر الكبير، الخال عبدالرحمن الأبنودي، ما أجمل الجلوس إلي جوار كل هذه السنوات والعقود، والأيام الممتلئة بالحب والشعر، والحكايات، والعفوية، والأحاسيس. ما أجمل الجلوس إلي جوار عمارة شاهقة، معقودة «بجريد» الحياة والفن.


الحالة الصحية للخال، غرست في مزلقان مفاجئ. الأبنودي، مريض، والأطباء في المركز الطبي العالمي - شديد الحراسة - يمنعون الزيارة عنه. اتصلت به «المصور» لتطمئن عليه، فقال هادئاً: «والله الحمدلله.. أنا بخير».


لم نكتف بالاتصال، وقررنا زيارته، فهل ننجح؟ الأمل موجود في كل الأحوال. ذهبنا إلي المركز الطبي العالمي، ولا ندري رقم غرفة الخال. بحثنا عنها بين مبني وآخر إلي أن وصلنا إلي المبني الرئيسي «المبني الإداري»، الممرضة منعتنا من الدخول: «الزيارات ممنوعة تماما» تحايلنا علي الموقف، وذهبنا إلي قسم العيادات الخارجية لحجز كشف مدينين. جلسنا نفكر، حتي إننا تركنا الكشف، وتسللنا وراء خيط، يوصلنا إلي غرفة الشاعر الكبير. الزهور الكثيرة أوصلتنا إلي هناك. إلي الطرقة. تحسسنا الباب، بكل هدوء وقلق!، ودلفنا إلي جوار سرير الأبنودي، نغزل لكم معه هذا الحوار.


> ماذا عن حالتك الصحية؟


- الحالة الصحية غير مطمئنة وبها الكثير من المزالق وتحتاج إلي حراسة طوال الوقت، وحالتي تنقسم إلي قسمين، وهي الرئة وبكل صراحة الرئة لقد خربتها بنفسي علي مدي أربعين عاما، من التدخين والذي أنصح الناس جميعاً بالابتعاد عن التدخين، لأننا طالما ندخن نعتبر كل الناس سوف تمرض ماعدا نحن، ثم نكتشف أننا نحن الذين مرضنا في النهاية، والرئة تضخمت بطريقة لا تسمح بدخول الهواء وخروجه، فأنا أشبه السمك، فأنا أتنفس الآن بسرعة السمكة ومن الخياشيم، والأمر الآخر هو أنني كنت في القرية التي أقيم فيها علي أطراف الإسماعيلية من أجل الأكسجين الدائم بالمنطقة. الخضراء، وقد أصبت بألم في الساقين واعتقدنا وقتها أنه بسبب السن، ولكن عندما حضرت للمجمع الطبي للقوات المسلحة بالجلاء وجدت أساتذة نادرين وربما أقيس ذلك علي التجربة في المستشفي الأمريكي بباريس، وهم يقدمون خدمات طبية أفضل ويسهرون عليك بشكل أفضل واكتشفوا أنها جلطة، وكنت أعتقد أن الجلطة لا تأتي إلا للأغنياء، فاكتشفنا أن أخلاقها ساءت وتتسلل الآن نحو الفقراء لكن الحمدلله هي تحت السيطرة، وأنا عندي في المزرعة اثنان يعرجان علي عكازين فقلت لهما لنجعلها «نجع العُرج».


الحمد لله اكتشفنا ذلك وكان الجزء الصغير في الرئة وطوال الفترة التي قضيتها في القرية كانت لمحاولات القضاء علي المرض وإفاقتي من جديد، وكنت في حالة غيبوبة وهنا بالمجمع الطبي يشرف علي اللواء بهاء زيدان شخصيا رئيس المجمع الطبي والدكتور سامح وهيب وهو الطبيب المعالج الدائم، أما الجلطة فتولاها دكتور عميد أحمد عثمان، وهنا الالتزام العسكري، ويطبق علي أنا أيضا هذا الالتزام بنفس القسوة وهذا مهم جداً.


ومفيد لصحتي، وهم منعوا عني الزيارة لأكثر من أسبوع لأنني كنت أنوي ألا أبوح بالمرض إلا في خروجي وأقول غادر المرض ولكن بعض الأصدقاء أبلغوا الصحف والجميع عرف بمرضي.


> من الشخصيات التي زارتك؟


- زارني الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع والذي تبسم عند رؤيتي، فقلت له «أنت بتضحك وبتتبسم وأول مرة أشوفك تضحك وتبتسم، فقال إنك تراني دائماً وسط الجنود، كما زارني السيد عادل لبيب وزير التنمية المحلية وهذا لا يحسب من ضمن الزيارات لأنه صديقي وهو يتصل بي دائماً، كما زارني وزير الثقافة الجديد الدكتور عبدالواحد النبوي، ويهاتفني محافظ الإسماعيلية وغيرهم وهذا علي المستوي الرسمي ومعظم قيادات الجيش قد زارتني لكن المهم أصدقائي، وهذا القلق الجميل من أصدقائي وحتي من كنت أعتقد أنهم لا يحبونني كثيراً وهم مازالوا لا يحبونني كثيراً لكن لا يحبون أيضاً أن أغادر، لأن وجودي يعطيهم بعض الشرعية «لشعراء العامية» وحتي لو هاجموني خليهم يدلعوا علي كما كنت أتدلع علي صلاح جاهين لكن مجرد وجودي مهم بالنسبة لهم.


> ومن يرافقك في مرضك بالمجمع؟


- تقيم زوجتي الإعلامية الكبيرة نهال كمال معي طوال الوقت ومتيقظة ليلاً ونهاراً لمتابعة حالتي الصحية بشكل مستمر وبناتي معي أيضاً ودائماً وأنا أقتسم هذه الحالة كعادتي إلي قسمين وهما القسم المرضي والقسم الإنساني وأنا لا أستطيع أن أتخلي عن الأبنودي الإنسان بصحتي وهزاري وحياتي الطبيعية والرجل المريض في داخلي يأخذ أدويته والحقن كما يحب وأخضع له وأحيانا هو يخضع لي.


> ولماذا تفضل العيش بعيداً عن العاصمة؟


- لقد أفادني وجودي بالإسماعيلية في قرية الضبعية لمدة سبع سنوات متواصلة وما لا يستطيع أديب مصري أن يفعله، لأنه لو غادر القاهرة أسبوعاً واحداً لنسيته القاهرة، لقد راهنوا علي القاهرة وأنا راهنت علي مصر والعالم العربي، ووجودي لمدة سبع سنوات بالإسماعيلية جعلني أزداد نشاطاً وعطاء ومودة من الأحباب، ودائماً ما كان الأحباب معي وكان يهربون من القاهرة إلي الضبعية ويقيمون معي ونتاجي الأكثر عطاء ومبسوطاً من نفسي أكثر لأنها فترة طويلة لرؤية القاهرة من خارجها وهي تجربة رائعة لكن لا أحد من المثقفين المصريين يستطيع أن يفعلها، وظللت بأحداث الثورتين هناك وتنبأت بانهيار دولة العواجيز، ولقد آن الأوان أن ترحلي يا دولة العواجيز.


> هل أصلك الصعيدي جعلك تفصل بين الأبنودي الإنسان والأبنودي المريض؟


- الصعيد هي بلاد الرجال ونحن لم نعش طفولة، ولقد ولدنا رجالاً، ولقد كنت أرعي الغنم وأنا عمري أربع سنوات وأجني القطن وأنا عمري خمس سنوات وكنا نطلع أعلي نخلة موجودة عندما كنا أطفالا ووقع بعضنا في السواقي وفي الآبار وآخرجونا وكان فيضان النيل يأتي وكنا دائماً أبناء الفيضان وهذا النيل وحياتنا كانت شاقة حيث كانت بدون كهرباء وسط العقارب والثعابين ولم نكن نخشي كل ذلك، وكان الشق في رجلينا مثل الجحر، وهذا يعني أنّ كل اللي يمر عليا هنا مجرد طبطبات، وأنا لم أحب الظلم ولا أحب الإهانة وأن أتاجر بإنسان بغير حق ولا أن أهين إنساناً بحق أو بغير حق، وأنا تجرحت كثيراً ورسمت لي صورة مختلفة عن شخصيتي وربما يعد هذا الزمن منذ عام 77، قد اتضح أنني ابن هذا الزمن، مخلصاً لهذا الوطن أعيش تحت مظلته بأمانة ولست انتهازيا ولا أتاجر به ولا أقبل من الوطن إلا ما أريده وما أريده دائماً هو شيء شريف، وأختتم حديثي بخالص التحية لكل من يسأل عني في مرضي.



آخر الأخبار