مصر والسعودية معاً ولاعزاء للإخوان!

16/03/2015 - 9:54:52

الرئيس السيسى فى لقائه مع الملك سلمان .. شراكة استراتيجية بين القاهرة و الرياض الرئيس السيسى فى لقائه مع الملك سلمان .. شراكة استراتيجية بين القاهرة و الرياض

كتب - عبدالقادر شهيب

في الوقت الذي لم يتمكن فيه عدد من الصحفيين والإعلاميين المصريين استساغة زيارة الرئيس التركي أردوغان للسعودية، في ظل عدائه الشخصي لمصر 30 يونيه، فإن هناك علي الجانب الآخر عدداً من الصحفيين والإعلاميين السعوديين يرون أن ثمة ضرورة تجعل السعودية تنفتح علي تركيا حالياً، وذلك في ظل التمدد الإيراني في المنطقة الذي بدأ في العراق واتسع في سوريا ، واتسع أكثر الآن في اليمن وبات يهدد الأمن القومي العربي بصفة عامة والسعودي بصفة خاصة، الأمر الذي يقتضي الاستعانة بقوة دولة سنية كبيرة مثل تركيا .


وكل هؤلاء علي الجانبين المصري والسعودي يتبادلان المخاوف.. فعلي الجانب المصري يخشي هؤلاء الصحفيون والإعلاميون أن يأخذ التوجه السعودي الجديد نحو تركيا بعيدا عن مصر، وبالتالي تتأثر بالسلب العلاقات المصرية السعودية، ويقل الدعم الاقتصادي السعودي والمساندة السياسية السعودية لنا .. ولذلك ينظر هؤلاء بتوجس أو علي الأقل عدم ارتياح للتقارب السعودي التركي، خاصة أنهم يرون أن الرئيس التركي أردوغان بحكم انحيازاته الأيديولوجية وانتمائه للتنظيم الدولي للإخوان قد يسعي من خلال قربه للسعودية إلي تخريب العلاقات المصرية السعودية، بل إن بعض هؤلاء يذهبون لمدي أبعد ويخشون أكثر أن يسعي أردوغان من خلال اقتراب بلاده للسعودية لتغيير موقفها الحازم والرافض لجماعة الإخوان، والذي تمثل في تصنيفها جماعة إرهابية مثل داعش وتنظيمات أخري.


أما علي الجانب السعودي فإن هؤلاء الصحفيين والإعلاميين الذين يراهنون علي دور تركيا في مواجهة التمدد الإيراني بمنطقتنا لايخفون عدم ارتياحهم من التوجس المصري للتقارب السعودي التركي، ويخشون بدورهم أن تلعب دوراً سلبياً في عملية التقارب هذه أو تعطل إقامة اقتراحهم القاضي بإقامة تكتل سعودي تركي مصري لمواجهة التمدد الإيراني في منطقتنا، وذلك برفض مصر أي تطبيع للعلاقات مع تركيا في هذا التوقيت.. ناهيك بالطبع أن هؤلاء الإعلاميين والصحفيين السعوديين يستنكرون عدم التفهم المصري لضرورة إقامة هذا التكتل .


غير أن كلا الجانبين يتغافلان بخصوص هذا الأمر حقائق عديدة مهمة.. وعلي رأس هذه الحقائق أن تركيا السنية تربطها علاقات قوية مع إيران الشيعية.. بل إن هذه العلاقات زادت قوة في ظل حكم أردوغان وحزبه لتركيا لدرجة دفعت الأخيرة للقيام وفي وقت من الأوقات بدور للوساطة بين إيران وأمريكا والدول الأوربية بخصوص الملف النووي الإيراني .. وصحيح أن ثمة خلافات في الرؤي والمواقف بين تركيا وإيران في سوريا وصل إلي حد التصادم .. حيث تساند إيران بقوة نظام بشار الأسد في سوريا بينما تسعي تركيا بذات القوة للقضاء علي هذا النظام، إلا أن هذا الصدام يمنع من نسيج علاقات تعاون بين البلدين في مجالات وميادين أخري مختلفة، خاصة أن تركيا تربطها بالطبع علاقات عضو في حلف الناتو والغرب وأمريكا تسعي الآن لتطبيع علاقاتها مع إيران .


ويرتبط بذلك أيضا أن إيران الشيعية تقدم الدعم والمساندة للإخوان في أكثر من مكان مثل إخوان فلسطين "حركة حماس"، وأيضا إخوان اليمن ، وإذا كان أردوغان عضواً قيادياً بارزاً في التنظيم الدولي للإخوان فإنه سوف يقدر ذلك لإيران، وبالتالي لن يحارب إيران من أجل القضايا العربية، خاصة أنه هو شخصيا له مطامعه الخاصة في منطقتنا العربية.. وأظن أنه ليس من مصلحة أي بلد عربي استبدال خطر إيران بخطر تركيا، أو استبدال هيمنة إيران علي منطقتنا بهيمنة تركيا، وإلا كنا نكرر ذات الخطأ الفادح مرة أخري حينما استعنا بالمتطرفين والإرهابيين لمحاربة الاتحاد السوفييتي، وبعدما أنجزوا لنا هذه المهمة انقلبوا علينا وأخذوا يحاربوننا الآن بوحشية بالغة.


وهنا تحديداً يصبح لا مجال للحديث عما يشهره الإخوان في وجوهنا حول الحاجة لهم في اليمن لمواجهة الانقلاب الحوثي. وبالتالي مقايضتنا بحل أزمتهم في مصر مقابل أن يقوموا بهذا الدور في اليمن، الأمر الذي جعل البعض يتخوف بعد أن تغول الحوثي في انقلابه داخل اليمن أن تسعي السعودية إلي دفع مصر لإتمام مصالحة ترفضها مع الإخوان الآن تتوقف بمقتضاها الملاحقات القانونية والقضائية لقادة الجماعة داخل مصر، وإشراكها مرة أخري في العملية السياسية، وهو ما تستهدفه الضغوط الأمريكية في هذا الصدد .


كذلك يتغافل هؤلاء الإعلاميون والصحفيون المصريون والسعوديون حقيقة أخري مهمة تتمثل في أن الدعم السعودي لمصر 30 يونيه ليس موقفاً عاطفيا أو شخصيا.. أي هو أمر لم يكن مرهوناً بشخص الراحل الملك عبدالله ، وبالتالي ثمة احتمال بعد أن لقي ربه وتولي الملك سلمان مقاليد الأمور في السعودية أن يتغير ذلك الأمر، وأن يتراجع هذا الدعم وتتقلص هذه المساندة السعودية لمصر.. فإن الحقيقة أن السعودية لا تتخذ مواقفها بهذا الشكل العاطفي و الشخصي انما هي تنتهج سياسات تستند إلي ضرورات أمنها القومي ومصالحها الخاصة.. أي بصراحة أكثر.. إن الدعم السعودي لمصر يصب في مصلحة الأمن القومي السعودي بصفة خاصة والأمن القومي العربي بصفة عامة ويخدم المصلحة السعودية الخاصة.


السعودية في حاجة الآن لمصر قوية في ظل المخاطر العديدة التي تحيط بها وبمنطقتنا من كل جانب حتي نستطيع معها ودول عربية أخري مواجهة هذه المخاطر وحماية الأمن القومي العربي.. السعودية تدرك سواء من قبل أو الآن أنه - كما قال الرئيس عبدالفتاح السيسي -إنه لاقدر الله إذا سقطت مصر سوف تسقط بعدها دول أخري عديدة وسيفرض الجميع هيمنتهم علي منطقتنا إيران وتركيا ومن قبلهما الولايات المتحدة الأمريكية بالطبع.


وترتيبا علي ذلك فإن السعودية إذا سعت للتنسيق سياسيا مع تركيا في أمور المنطقة فإن ذلك لن يكون خصما مع العلاقات السعودية مع مصر.. وبالتأكيد فإن القادة السعوديين لديهم من الحنكة التي تجعلهم يديرون علاقات بلادهم بمهارة مع الجميع.. ولعلنا نتذكر أن ثمة بعض التباين في الموقفين السعودي والمصري تجاه سوريا منذ وقت ليس بالقصير غير أن ذلك لم يمنع السعودية من اتخاذ مواقف قوية وجريئة لدعم مصر بعد 30 يونيه، سياسيا واقتصاديا وقيادة موقف خليجي شامل في هذا الاتجاه.. وبسبب الموقف السعودي تغيرت مواقف دول أوربية عديدة تجاه مصر 30 يونيه كان في مقدمتها فرنسا التي نجحنا أخيرا في توقيع اتفاقية معها لتوريد معدات وأسلحة فرنسية لنا.


أما بالنسبة لمصر فإنها في الوقت الذي لا تنسي من وقف معها خلال الأزمة ووقت الشدة وأيضا من وقف ضدها، إلا أنها لا تتدخل في شئون أحد حتي ولو كان من الأشقاء ولا تدير علاقاتها معهم في ضوء علاقات هؤلاء مع الآخرين، حتي ولو كان هؤلاء الآخرون يناصبون مصر العداء.. والدليل أن مصر رغم كل ما تقدمه الولايات المتحدة من مساندة ودعم الإخوان حتي الآن إلا أنها مازالت تتعامل معها باعتبار العلاقة المصرية الأمريكية استراتيجية.. كما أن مصر رغم كل ما قامت به قطر من تدخل في شئوننا الداخلية وتآمر علينا فإنها رحبت بالمصالحة الخليجية مع قطر إكراما لخادم الحرمين الراحل الملك عبدالله الذي كان يرعي هذه المصالحة.


إذن.. الرهان علي تركيا لمواجهة التمدد الإيراني هو رهان في نهاية المطاف غير ناجح أو لن يحقق ما يرجونه أصحاب هذه الرهان، وإن كان هذا الكلام لايعني رفضا أو تحفظا علي تحسين علاقة الشقيقة السعودية بل وكل الأشقاء في الخليج علاقتهم مع الأتراك.. بل ربما أفادنا نحن ذلك في مصر لأن الأشقاء سوف يطالبون الأتراك علي الأقل ألا يتمادوا في عدائهم لنا!


كما أنه ليس ثمة داع للقلق علي مستقبل العلاقات المصرية السعودية في ظل القيادة السعودية الجديدة، لأن هذه العلاقات ليست مرهونة برؤية شخصية، وإنما هي تعبر عن مصالح مشتركة متبادلة.. فإذا كان من مصلحة مصر ازدهار هذه العلاقة فإن مصلحة السعودية تسير في ذات الاتجاه.. ويضاف إلي ذلك أن السعودية عندما ساندت وبقوة مصر 30 يونيه كان الملك سلمان يشارك في الحكم وقتها من موقع ولي العهد وكان الأمير مقرن مشاركا أيضاً في الحكم من موقع ولي العهد..


وهكذا.. العلاقات السعودية مع تركيا لن تكون علي حساب العلاقات السعودية مع مصر.. وياليت هؤلاء الإعلاميين والصحفيين علي الجانبين المصري والسعودي الذين يتبادلون المخاوف يثقون أكثر في أن الرئيس السيسي والملك سلمان راغبان في أن تظل علاقة بلديهما قوية ومزدهرة ومتينة لايعكرها شيء لأنها الآن لاتحقق فقط مصالح البلدين أو حتي مصالح المنطقة العربية كلها، وإنما صارت تمثل ضرورة وجود للبلدين معا.