لو لم أكن منوفياً لوددت أن أكون منوفياً!

16/03/2015 - 9:34:21

حمدى رزق حمدى رزق

كتب - حـمدى رزق

هكذا يفسفسون على "الفيس"، ويغردون على "تويتر"، ويتزيدون، وعلى طريقة الكويتية "فجر السعيد" بفتح الفاء، "لو لم أكن كويتية لوددت أن أكون منوفية"، تغرد "فجر" بمناسبة تعيين اللواء مجدى عبد الغفار المنوفى وزيراً للداخلية، تغريدة "فجر" الكويتية، تبلورت فيسبوكيا إلى "جمهورية المنوفية"، وعاد الحكى المباح، والعودة إلى التاريخ القريب يسعفهم.


رئيس الجمهورية السيسى منوفى من "كمشوش" مركز "منوف"، ووزير الدفاع صدقى صبحى منوفى من "منوف"، ووزير الداخلية اللواء مجدى عبد الغفار منوفى من "تلا"، المنوفية محافظة مصدرة للرؤساء ورؤساء الوزراء والوزراء.


والقائمة تطول، الرئيس المؤقت المستشار عدلى منصور منوفى من "سروهيت" مركز "منوف"، والرئيس الأسبق مبارك منوفى من "كفر المصيلحة" مركز "شبين الكوم"، والرئيس السادات منوفى من "ميت أبوالكوم" مركز "تلا"، والدكتور الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق منوفى من "جروان" مركز الباجور.


هذا ما تعيه الذاكرة القريبة، ولكن الذاكرة البعيدة تحفظ أسماء رهط من الذين تولوا الأمانة التى تربوا على صونها فى قعور بيوت المنوفية الدافئة، ورضعوا لبان الوطنية مع لبان الرضاعة، فشبوا مخلصين للعلم والنشيد، وإن تنكب نفر منهم الطريق، كل ابن آدم خطاء.


يسخرون فيسبوكيا، بئس ما يفسفسون، شرط من شروط الأهلية للمناصب فى مصر أن تكون منوفياً، وإذا لم تكن منوفياً سيفوتك الدور، والمنوفية مصنع الرؤساء، وتتالت التعليقات ساخرة حاسدة المنوفية، المنوفى يولد وزيراً، فإن فلح صار رئيساً، ويقال إن الوزارة فى المنوفية بالدور، وأخيراً المنوفى لا يلوفى، ولو أكلوه لحم الكتوفى.


والمنوفى مخلوق ميرى، وشعاره "إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه"، ونشيده، "ضرب البروجى فى تلا، وقفت منوف تلاتات، سمعت قويسنا الخبر استدعت الإجازات.." جاهزية وطنية يحسدون المنايفة عليها، المنوفية تلبى النداء، وشبابها تحت الطلب، وقوام المتطوعين حباً فى الدفاع عن العلم من رجال المنوفية، وحط المنوفى فى النار يفوت فى الحديد، وياكل القديد، وصابر وقانع.


لماذا يتبوأ المنوفى هذه المكانة، يسخرون، لأنه يصحو باكراً قبل العصفور، ويؤدى الفروض، فروض السماء وفروض الوطن، لا يشكو إلا إلى ربه، ولا يضيق فى أرضه، يزرع القيراطين، ويعلم الواد والبنتين، منذ تأسيس "جمعية المساعى المشكورة" بجهود منوفية مشكورة، والمنايفة يمموا وجوههم نحو التعليم، لا يلوون على شىء.


معلوم الفلاحة مناحة، والتعليم باب مفتوح للرزق الحلال، الأمية فى المنوفية عيب وعار وشنار، مفطورين على التعليم بنين وبنات، والبنت فى المنوفية زى الولد مش كمالة عدد، والفلاح المنوفى شاطر، يضرب الأرض ينبت الزرع، ويحب فى القراءة الرشيدة درس "زرع.. حصد"، يعلم ماهية الزرع ومعنى الحصاد وعرق البنات يروى حقول القطن، وفرح العروس يوم الحصاد، والفطير المشلتت بنار الفرن، صنعة ايديا وحياة عينيا، وعين المنوفى تطل من فتحة الرحم الطيب على الكتاب، يحفظون القرآن، ويتلونه حق تلاوته.


المنوفية ليست استثناءً من أرض مصر الطيبة، وفيها شىء من طيبة النوبة، وقبس من جلد الصعيد، ونصاحة أهل البندر، تتجمع الصفات الطيبة مع مس من إمساك حميد، لا تسرفوا، ما كان المنايفة من المسرفين، ليس فيهم غلاظة البادية هم قوم متحضرون، وليس فيهم جاهلية، لا تشيع فيهم دعوات المرجفين فى الدين، ولا المتخرصين على الرحمة المهداة "صلى الله عليه وسلم".


المنايفة يستعينون على قسوة الجغرافيا التى قترت عليهم، تتمدد المنوفية تتلوى بين المحافظات التى تجاور النهر تغتسل فيه من آثام المدينة، كشجرة توت عتيقة تراوحها الرياح من أعطاف القليوبية، والغربية، والبحيرة، وتنفتح على القاهرة، تيمم وجهها كل صباح نحو العاصمة، أبعد مركز عن القاهرة فركة كعب أقل من مائة كيلو متر، المنوفية تهاجر فجراً إلى القاهرة، وتعود فى المساء، كالطير يغدو خماصا ويعود بطانا.


تراهم قاهريين (لكنة)، لا تفرق بينهم (لباسا)، يلبسون كالأفندية، لا يعانون من مظلومية، ولا تتفشى بينهم شيفونية، هم مصريون، تجرى فى عروقهم مياه النيل، يقدسون النيل، فيه رزقهم وما يوعدون.


أرض المنوفية "سمراء" تسر الناظرين، ويسجل الفلاح المنوفى آيات فى الزراعة وريث قدماء المصريين، فى برد الشتاء يغرز فى الطين، ويدور الطنبور يبل ريق الأرض العطشانة، ويقف زنهار وراء المحراث يحرث الأرض، ويبذر الحب، طالباً البركة من رب العالمين.


يحلم المنوفى بوظيفة ميرى، الأرض ضيقة لا تسد رمق العيال، الأرض فى المنوفية لا تقاس بالفدان بل بالقصبة، عائلات منوفية مستورة تزرع فى قصبات أقل من قيراط، لا يقنطون، يسعون للرزق، وأرض الله واسعة، احتمالهم مضرب الأمثال، ورشدهم مضرب الأمثال، لكنهم على العهد، وعلى تعليم أولادهم قائمون، التعليم فى المنوفية كالماء والهواء، المنوفى دءوب، ملتزم، لا يتعجل الرزق، يبذر الحب، ولا يمل من الصبر، والصبر مفتاح الفرج.


جغرافياً تقع محافظة المنوفية على بعد 82 كيلومتراً من القاهرة، ومن داخل مساحة 2543 كم مربعاً، ومن بين 3,270,404 مواطنين، تخرج من بينهم ثلة من الرؤساء ورؤساء الوزراء والوزراء لتتحصل المنوفية على لقب، "محافظة الرؤساء"، لا يأبه المنايفة كثيراً لدعايات إخوانية مضادة من عينة "عبيد البيادة"، عصية المنوفية على إخوان السمع والطاعة، وضربت مثلا فى إسقاط "حكم المرشد".


نفر من الإخوان المستهزئين على مواقع التواصل الاجتماعى، نسجوا على المنوال القمىء الكثير، قالوا كذبا "المنوفية فلول" لأنهم منضبطون على البوصلة الوطنية، حسبان المنوفية من جانب نفر من النشطاء المرجفين (فلولا) يظلم أهلها ويورثهم ضيقاً، وينمى فى نفوسهم البغضاء، ويخلف فى حلوقهم المرارة.


إهانة المنوفية على نحو ما جرى ويجرى فيسبوكيا مستهجنا، لم يُقبّل المنايفة الأيدى يوما سمعا وطاعة، لا يلام منوفى قال "نعم" للجيش فى وجه من قالوا "يسقط يسقط حكم العسكر"، المنايفة كانوا رجالة، ووقفوا فى وجه عصابة المرشد وقفة رجالة، المنايفة أبوا أن يقادوا قطيعاً إلى بئر الجماعة، المنايفة لم يُقبّلوا يد المرشد خلسة ولا وراء ستار، ولا تتفشى فيهم قاعدة السمع والطاعة، المنايفة متعلمون، يعرفون جيدا الطريق ولا يلوون على شىء يعتقدون.


المنايفة أحرار فيمن يحبونه، القلب وما يريد، المنايفة لا تتفشى فيهم العصبية الدينية ولا القبلية ولا الجهوية، لا ينظرون إلى رئيسهم على أنه منوفى، أى أولى بالرعاية والتأييد، عبد الناصر كان صعيدياً وتوفى والدى وهو يحبه، وأمى ودعته إلى المقابر، ولا يزال شارع الجمهورية، التى أسسها عبد الناصر يشق قلب مدنها الرئيسية (منوف مثلا).


وعشقوا السادات لأنه قال بالمصرية التى يعشقون، وكرهوا مبارك على منوفيته، لم يكن يصل الرحم، وصوتوا لشفيق على شرقاويته، المنايفة لهم مقاييس فى الرئيس يرونه رئيساً لكل المصريين ليس رئيساً لجماعة من المصريين.


بلد شهادات بصحيح، ولكن إهانة المنوفية فى زمن الإخوان كانت سبباً كافياً لينهض المنايفة من سباتهم يعاقبون من أهانهم، وهم على الهم صابرون، وعلى السخرية غير مبالين، وعلى التجاوز متسامحون، ولكن الفظاظة التى تترى سخرية من المنايفة، تورثهم ضيقا، "جماعة الفيس بوك" لا تعرف المنوفية جيداً، تحفظ نكاتا ساخرة، ولم تقرأ فى فقه المنوفية.