ذكريات

12/03/2015 - 10:08:13

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوى

يقولون أن الذكرى هى الفردوس الوحيد الذى لا يمكن لإنسان أن يطردنا منه ، لكن ينطبق هذا على الذكريات السعيدة فقط ، كان ينبغى أن يضيفوا بأن الذكريات الحزينة هى الجحيم الوحيد الذى لا يطفئه بحار العالم لو صمم أن يحرقنا .


***


الذكريات هى المحطات التى نتوقف عندها و نحياها كما كانت ، أحيانا نستدعى هذه الذكرى لسعادة عشناها من خلالها لا توفرها لنا حياتنا الحالية ، و أحيانا نهرب من هذه الذكرى و نلوذ بصدر الحاضر ليخبئنا منها ، و أحيانا نقف محايدين لا نستدعى و لا نختبئ ، نترك الومضات تمر فى هدوء و كأنها عابر سبيل .


***


كل منا له ذكريات ، فلماذا ضبط أنفسنا متلبسين بالنسيان ؟ النسيان مسألة يلجأ إليها العقل إذا كان الأمر يتعلق بخبرات لا أهمية لها ليفسح المجال أمام الخبرات اللازم تخزينها ، و معظم ذكرياتنا التى تلح علينا كثيرا ، إنما تراودنا لأننا نتعلق بها و نحتاج إلى الاحتفاظ بها فى خزينة الذكريات نقتات عليها لنستطيع مواصلة الحياة إذا اكفهرت الأيام .


***


إننا ننسى أو نحاول أ، ننسى المواقف التى ازعجتنا ، مواقف نرغب فى عدم تذكرها ، فيتم طرد هذه المواقف إلى القشرة الخارجية للتذكر ، ثم يتم إحلال مواقف أخرى مكانها ، لذلك فكثير من الذكريات يرجع وجودها إلى رغبتنا نحن فى الاحتفاظ بها ، و كثير من المواقف التى نتصور أننا نسيناها إنما تقبع هناك فى صندوق مغلق قى اللاشعور ، بمجرد أن نتعرض لشئ صاحب هذه المواقف يتم فتح الصندوق فنجد أنفسنا و قد عشنا نفس الموقف مرة أخرى .


الإنسان لا يحتفظ فقط بالذكريات السعيدة ، بل إنه قد يحتفظ بذكريات مؤلمة دون أن يدرى ، إنك قد تجد نفسك متوترا قلقا و لا تدرى سببا لهاذا القلق ، ثم يبحثك عن السبب تكتشف مثلا أنك قد شممت عطرا كان يستخدمه غنسان تعرضت على يديه لخبرة غير سارة ، ذهب الغنسان و طويت ذكرياته فى اللاشعور و بقيت رائحة العطر لتستدعى انفعال القلق و التوتر .


***


إننا قد ننسى تماما مكانا تعرضنا فيه لخبرة مؤلمة ننساه و نقطع صلتنا به ، ثم قد تضطرنا الظروف للتواجد فيه فتنتابنا مشاعر القلق و الحزن و النفور .


***


فى مجال الذكرى تصبح المرأة مشكلة ، فمعظم النساء يتعاملن بخيالهن و أحلام اليقظة أكثر من الرجل ، كثيرات من النساء كل منهن تمتلك حياتين ، حياة مع الناس و حياة أخرى تصنعها بنفسها مع نفسها ، و كلما قلت الفجوة و المسافة بين الحياتين كانت المرأة أكثر توازنا و سعادة ، المرأة تحاول أن تكمل نقص ما تحياه بالتخيل ، لذلك فهى صديقة جيدة للذكريات ، معظم النساء لا يتمتعن بنعمة النسيان ، قد تسامح من أساء إليها لكنها أبدا لا تنسى ، الرجل فى هذا المجال أكثر توازنا لأنه أقل رومانسية ، لكم نستثنى الرجل المبدع ، الذى من عليه الله بموهبة الفن و الأدب ، فلا يعيد إليه توازنه إلا أن يخرج أحزان ذكرياته فى أعمال إبداعية .


***


أقسى أنواع الذكرى ما اجتمع مع كراهية ، و أقسى أنواع الذكرى ما اجتمع مع حب كبير لم تساعده الأيام أن يكتمل ، الأول يكتوى الإنسان بسياطه فيعيش تفاصيله المؤلمة مهما مر عليه الزمن ، و الثانى يكتوى النسيان بحسرته لأنه لم يكتمل .