واعظات الأزهر فى مواجهة أخوات الإرهابية

12/03/2015 - 9:39:30

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - شيماء أبو النصر

"ناقصات عقل ودين" تهمة جاهزة يلقيها المتشددون فى وجوهنا نحن النساء وأحيانا تصل إلينا "دليفرى" حتى بيوتنا فى قنوات تحمل فى ظاهرها الرحمة وفى باطن برامجها العذاب، وتناسى هؤلاء أم المؤمنين السيدة عائشة والتى أمرنا سيد الخلق وخاتم النبيين أن نأخذ نصف ديننا عنها.


وفى سابقة هى الأولى من نوعها بدأ الأزهر الشريف تجربة رائدة بتعيين 10 واعظات من خريجى الكليات الشرعية بجامعة الأزهر للتصدى للدعوة والوعظ بالتجمعات النسائية وفى مقدمتها المساجد لمواجهة الداعيات غير المؤهلات صاحبات الفكر المتشدد، وللوقوف أمام مخطط توظيف المساجد لصالح جماعات وتيارات سياسية تستخدم الدين فى خداع البسطاء خاصة من السيدات والفتيات.


 فى البداية تقول ولاء مكاوى واعظة بإدراة وعظ الغربية لم أكن أعلم عن وجود مهنة تسمى واعظة حتى تاريخ تعيينى، حيث أننى من الخمسة الأوائل على الدفعة وسبق صدور قرار تعيين لى بكلية الدراسات الإسلامية كمعيدة ولكن ظروفى الأسرية حالت دون استلام العمل، واعتذرت عن الوظيفة التى تمثل حلما لكل خريج جامعى أنهى دراسته العلمية بتفوق، ولكنها إرادة الله الذى أراد الخير لى فى مهنة أخرى.


وتضيف: بعد الإعتذار عن التدريس فى الجامعة بفترة، توجهت إلى جهاز التنظيم والإدارة بالقاهرة لإثبات أننى لم استلم عملى فى الكلية ولإبداء رغبتى فى عمل آخر، وكل ما أفكر فيه أنه لم يعد أمامى إلا العمل كمدرسة فى أى معهد دينى فى محافظة الغربية، وبالفعل ارسلنى جهاز التنظيم والإدارة بجميع أوراقى إلى الإدارة الأزهرية بالحسين لإعادة توزيعى على معهد دينى بالغربية، وبعد 3 شهور تقريبا جاءنى اتصال من الإدارة الأزهرية بموعد مقابلة مع د. محيى الدين عفيفى الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة.


وفى مكتب الأمين العام تعرفت على 9 زميلات أخريات وعرفت أن المقابلة معنا كأوائل دفعات الدراسات الإسلامية والعربية، حيث أخبرنا الأمين العام أنهم بصدد إنشاء قسم للبحوث وأنه يود الاستعانة بنا كباحثات فى القسم الجديد، أو تعييننا كأول واعظات على مستوى الجمهورية فى تجربة يرعاها شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وخلال اللقاء وجه الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية لنا مجموعة من الأسئلة فى شكل دردشة لقياس مدى فهمنا لدور الأزهر واعتداله بعيدا عن نبرة التشدد التى سادت المجتمع فى الفترة الماضية.


الفكر المتشدد


ومن جانبها ترفض ولاء الفكر المتشدد والتطرف الفكرى الذى تعتنقه بعض طالبات الأزهر من المنتميات لجماعة الإخوان فالجامعة ليست مكانا لممارسة السياسة. كما أنها ليست مكانا للعنف والتخريب الذى يقوم به بعض الطلاب والطالبات، فالجامعة مكان للعلم والتحصيل وليس من حق أحد تشتيت بقية زملائه ومنعهم من تحصيل العلم لأهداف سياسية، مؤكدة أن الأمين العام تأكد خلال لقائه بنا مدى رفضنا لهذا الفكر المتشدد والأفعال الخاطئة الناجمة عنه.


وبالفعل وافقنا نحن العشرة على العمل كواعظات بلا تردد، وأنا شخصيا شعرت أنها إرادة الله وأن هذا العمل سيكون خيرا لى فى الدنيا والآخرة، ولكنى فى نفس الوقت أشعر برهبة ومسئولية كبيرة، لأن العمل كداعية أو واعظة مهمتها توصيل المعلومة والفتوى الدينية بشكل مبسط من أصعب المهام من وجهة نظرى.


وتؤكد ولاء مكاوى أنها بدأت ممارسة عملها، وهى مكلفة بخطة شهرية تضعها إدارة الوعظ الدينى بالغربية بمجموعة من المساجد ، وبدأت أولى دروسها الدينية فى مسجد "شبرا بلولة"، ومسجد "الزراعى" بمركز قطور، حيث تقوم بإعطاء الدرس للسيدات والفتيات قبل صلاة الظهر بساعة، وبعد الصلاة يتم استقبال الاستفسارات والأسئلة الدينية التى أحيانا تجيب عليها، وأحيانا ترجع لكبار المشايخ بإدارة الوعظ للمشورة.


وعن أكثر الأسئلة التى ترد من السيدات أكدت أن معظم الفتاوى تكون حول أحكام الطهارة والتى تتحرج النساء بشكل عام من توجيه الأسئلة فيها للمشايخ الرجال.


أول واعظة بالشرقية


أما مروة عبد العزيز أول واعظة دينية فى محافظة الشرقية فتؤكد فرحتها بعملها الجديد، قائلة: "فضلت أن أكون داعية أكثر من العمل كباحثة شرعية رغم حصولى على ليسانس الدراسات الإسلامية والعربية قسم تفسير بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، كما أن العمل الدعوى ومحاولة تيسير فهم الدين للناس وخاصة للسيدات أهم عندى بكثير من التدريس فى الجامعة أو المعاهد الدينية.


وتعبر مروة عن مدى اعتزازها بهذه الثقة التى منحها الأمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر ود. محى الدين عفيفى الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية لها ولزميلاتها بإسناد مهمة الوعظ الدينى إليهن كأول بنات يعملن فى هذه المهنة التى كانت قاصرة على الرجال مضيفا أنها استلمت العمل فى 20 ديسمبر الماضى، وخطتها تتضمن الوعظ فى عدد من الأماكن وليس المساجد فقط ومنها مستشفيات، ومصانع نسيج بمنطقة الصالحية، ومدينة فاقوس، ومراكز الشباب ومنها نادى ومركز شباب الصوالحة، وهناك اجتماع دورى مع مسئولى إدارة الوعظ بالزقازيق للرجوع إليهم فى أى مشورة أو فتوى مع مناقشة أية مشكلات تواجهنى فى بداية عملى كواعظة، وطرح الحلول العملية لها وفقا لطبيعة الظروف المجتمعية، والضوابط الشرعية.


مراكز إعداد الدعاة


وأكدت أنها تبحث خلال هذه الفترة عن مركز لإعداد الدعاة من المراكز المعتمدة والمعترف بها من الأزهر الشريف والأوقاف لتلقى محاضرات فى الدعوة وكيفية التواصل مع السيدات فى حلقات الدرس، وجلسات العلم، مع الإشارة على أنها تستخدم مواقع التواصل الاجتماعى مثل الفيس بوك للإعلان عن مواعيد دروسها الدينية وأماكنها من أجل حضور أكبر عدد ممكن من الفتيات والسيدات.


فوضى الفتاوى


وترى أن اختيار الأزهر الشريف لعدد من الواعظات لنشر الدين الوسطى والفكر المتفتح خطوة على الطريق الصحيح لمواجهة فوضى الفتاوى، ودعوات التطرف التى يرددها بعض الداعيات غير المؤهلات، وتقتصر معرفتهن بأصول الدعوة، والشريعة على بعض القشور، والفهم المغلوط للآيات القرآنية والأحاديث والسنة النبوية مشيرة إلى أنها تختار موضوعات الدروس الدينية تبعا للفئة العمرية التى تخاطبها، ودرجة التعليم، وفى كل أسبوع تقوم بتحضير موضوعين مختلفين لتكون جاهزة فى كل الحالات والظروف لكن الملاحظ أن السيدات كبيرات السن هن الأكثر إقبالا على جلسات الوعظ، وتسعى لجذب الفتيات والشابات فى المرحلة القادمة.


الغربية من أوفر المحافظات حظا لتعيين 4 واعظات بها من أجمالى 10 واعظات على مستوى الجمهورية، هكذا يقول الشيخ محفوظ المداح مدير عام منطقة وعظ الغربية مؤكدا أن هذه التجربة فريدة من نوعها، والفضل فيها يعود للإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، ومن المتوقع نجاحها بشدة، لأن المرأة بطبيعتها تأنس للحديث والاستماع وتلقى العلم من امرأة مثلها، وبدورنا فى لجنة الفتوى بإدارة الوعظ كلفنا كل واعظة بالتواجد يوميا بالتبادل فيما بينهن فى اللجنة  لتلقى استفسارات النساء وما يطرح من أسئلة وقضايا، وتقديم الفتاوى والأحكام الشرعية لهن، وفى حالة عدم تمكن الواعظة من الوصول إلى الفتوى السليمة يمكنها الرجوع إلى كبار المشايخ بالإدارة لمعرفة الحكم الشرعى، وإعطاء الفتوى للسائلة، علما أننا لاحظنا بعد تعيين الواعظات تزايد عدد المترددات على لجنة الفتوى فيما لايقل عن 140 سيدة فى الأسبوع الأول بالإضافة إلى إلقائهن الدروس فى المساجد، وأماكن التجمعات النسائية وفق الخطة الموضوعة لكل واعظة.


وسطية الأزهر فى مواجهة التطرف


وأضاف أن الأزهر الشريف اكتسب ثقة كبيرة عند الناس فى الفترة الأخيرة كمصدر رئيسى للفكر الوسطى بعدما نفر المواطنين من التشدد، ودعاة التكفير على المنابر وفى المساجد خلال السنوات الأخيرة، كما لاحظنا خلال الفترة الماضية وجود تشدد لدى بعض السيدات المترددات على المساجد، وفى الوقت نفسه يتصدرن للوعظ فى المساجد رغم أنهن يفتقدن لمؤهلات الوعظ، كما كن يحتكرن دروس صلاة العصر بصفة مستمرة، مما دفع الأزهر لتعيين واعظات من خريجى الكليات الشرعية بجامعة الأزهر مع تأهيليهن لمواجهة هذا الفكر، وتخصيص فترتى الظهر والعصر لإعطاء الدروس الدينية وتثقيف الفتيات والسيدات بأمور دينهن بشكل صحيح.


وأشار إلى ترك حرية اختيار موضوعات جلسات العلم لكل واعظة وفقا لطبيعة المنطقة التى تعمل بها، والمشكلات والقضايا الاجتماعية والحياتية المحيطة، فلا املاءات مسبقة أو نصوص جامدة يتم فرضها على الواعظات أو حتى السيدات الحريصات على حضور هذه الجلسات.


واستنكر الشيخ المداح اتهام بعض الجهلاء بالدين للمرأة بأنها ناقصة عقل ودين، متسائلا كيف يقولون ذلك بينما لدينا سيدات فضليات على رأسهن أمهات المؤمنين كالسيدة عائشة والسيدة أم سلمة والسيدة زينب بنت خزيمة رضوان الله عليهن، وهن اللائى نقلنا الكثير من الأحاديث النبوية، والسنة المطهرة إلى الأمة، وتشهد بذلك عشرات كتب الحديث والسيرة النبوية، كما قال الرسول (ص): خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء -أى البيضاء- قاصدا السيدة عائشة رضى الله عنها، وفى الوقت نفسه ساوى الله سبحانه وتعالى بين الرجل والمرأة فى عدد مرات ذكرهم فى القرآن الكريم، حيث ذكر كل منهما 24 مرة، وقال تعالى: "فاستجاب لهم ربهم إنى لا أضيع عمل عاملا منكم من ذكرا أو أنثى بعضكم من بعض".


وتقول د. مهجة غالب عبد الرحمن عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر إن قيام الأزهر الشريف بتعيين أوائل دفعات الدرسات الإسلامية والكليات الشرعية كواعظات فى المساجد جاء فى وقته لمواجهة الأفكار المتطرفة، ويعتبر وضعا للأمور فى نصابها بعد أن عانينا فى الأعوام السابقة من إقدام بعض السيدات المتطرفات فكريا، وصاحبات الهوى السياسى والحزبى بمحاولة توظيف الدين والمساجد لأهداف سياسية، والتغرير بالبسطاء من الناس، والسيطرة على عقولهم مؤكدة أن الداعيات للفكر المتشدد يدافعن عنه بصرف النظر عن كونه مرفوضا أو مقبولا، وليس عندهن استعداد لتقبل الرأى الآخر مما ينعكس على رغبتهن فى نشر هذا الفكر حتى لو كان الأمر بالعنف، وفرض وجهات نظرهن على المترددات على جلسات العلم بالمساجد.


تدريب الواعظات


وعلى الجانب الآخر أكدت أن هناك بعض السيدات اللائى يقمن بالوعظ بدون الحصول على تصاريح من الأزهر أو وزارة الأوقاف مما ترتب عليه فوضى فى الدعوة، والفتاوى، وطالبت بضرورة تدريب الواعظات، والإشراف عليهن باستمرار من جانب كبار علماء الأزهر والأوقاف بشكل متواصل.


ولفتت إلى أن المرأة شاركت منذ عهد النبوة فى مجالس العلم من أجل أن تتعلم وتعلم وخير مثال أم المؤمنين السيدة عائشة - رضى الله عنها - التى كانت مرجعا لكبار الصحابة وقتها، كما ترجمت الكثير من كتب التراجم للمحدثات والفقيهات، وفى الوقت نفسه تتلمذ كبار الأئمة على يد نساء ومنهم الإمام الشافعى الذى أخذ وتعلم الحديث النبوى من السيدة نفيسة ابنة الحسين بن زيد بن الحسن بن على كرم الله وجهه، كما سمع الخطيب البغدادى من الفقيهة المحدثة طاهرة التونخية، والإمام السمعانى ذكر فى المعجم الكبير اسماء 69 سيدة من كبار المحدثات وراويات الأحاديث النبوية، ووصفهن بالعديد من الصفات الحميدة مثل امرأة صالحة، مستورة، كثيرة العبادة والخير، كما أخذ الحافظ بن حجر العلم عن أخته "ست الركب" وكان يقول عنها هى أمى بعد أمى.


وأكدت د. مهجة غالب أن الفضل فى تجربة الواعظات يعود للأمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب صاحب الفكر المستنير، وحرصه الدائم على مساندة المرأة، ومن أمثلة ذلك دعمه لى شخصيا باختيارى فى لجنة الخمسين لإعداد دستور 2014، إلى جانب اهتمامه منذ توليه مشيخة الأزهر بتجديد الخطاب الدينى، ومواجهة التشدد والتطرف الدينى بكل السبل خصوصا بعد ثورة 30 يونيو، وظهور مخاطر الجماعات والتيارات التى تستخدم الدين من أجل السياسة.