سندريللا والنغم المنظور

09/03/2015 - 11:29:43

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - د . رانيا يحيى

قد لا يعرف البعض مصطلح النغم المنظور لكنه بكل بساطة فن الباليه وهو بالفعل لمن يدقق سيلحظ أنه عبارة عن نغمات مرئية بالعين المجردة ،حيث يعبر أصحاب هذا الفن الراقى عن تلك الألحان والنغمات بإيماءات الوجه والأطراف والبدن لترجمة الانفعالات والحدث الدرامى كوسيلة طبيعية تستعمل كبديل للكلمة المنطوقة بأداء أكثر رقة وتعبيراً مخاطباً الجماهير فى شتى بقاع الأرض مهما اختلفت لغاتهم وأجناسهم بعيداً عن الابتذال وأداء الحركات الراقصة التى تثير الغرائز مرتكزاً على الموسيقى كعمود فقرى له بجانب كثير من العناصر الدرامية الأخرى المكونة لأى عمل مسرحى ..ومن أشهر فرق الباليه وأعرقها البولشوى الروسى التى قدمت أهم الباليهات ومازالت تمتع الجماهير فى مشارق الأرض ومغاربها تجوب الأقطار هنا وهناك لمتذوقى هذا الفن الرفيع ..وفى منتصف القرن الماضى كتب المؤلف الروسى سيرجى بروكفيف واحدة من أهم تلك الأعمال التى عكف على كتابتها أربع سنوات متتالية منذ 1940 وحتى انتهى منه عام 1944 وهو باليه سندريللا الذى قدم على مسرح البولشوى لأول مرة فى 21 نوفمبر عام 1945 عن قصة نيكولاى فولكوف بتصميم رقصات الكيروجرافى الشهير روستيسلاف زاخاروف وبقيادة المايسترو يورى فاير وفى العام التالى قدم على مسرح كيروف أحد المسارح الكبرى وبتصميم جديد لكونستانيتا سيرجييف.


وقد كتب بروكفيف تسعة باليهات لكن أشهرها على الإطلاق باليه سندريللا وباليه روميو وجوليت ،ويعتبر هذا الباليه من أكثر الأعمال شعبية بالإضافة لما يتمتع به من جمال الألحان وروعتها والنسيج اللحنى الخصب الذى عبر عن الأحداث الدرامية للقصة بمنتهى السلاسة والإتقان.. ويتكون الباليه مصنف 87 من ثلاثة فصول تسبقها مقدمة موسيقية وتدور القصة المعروفة حول الفتاة الجميلة سندريللا التى تعامل أسوأ معاملة من زوجة أبيها وابنتيها الدميمتين والتى تزوجها والدها بعد وفاة أمها فيتعاملوا معها وكأنها خادمة فى المنزل ،كما كانت تتملكهم مشاعر الغيرة والحقد والكراهية تجاه سندريللا ..وفى ذات يوم أعلن الأمير عن رغبته فى الزواج وذلك عن طريق إقامة حفل كبير داخل القصر تدعى له كل بنات المملكة ليتمكن من اختيار العروس المناسب ،فتقرر زوجة أبيها أن ترسل ابنتيها وترفض مشاركة سندريللا لعدم امتلاكها الثياب المناسبة ولأنها ترى أن ابنتيها فى منزلة أرفع لم تصل لها سندريللا ،وبالفعل تمكث سندريللا حزينة فتظهر لها جنية طيبة تحاول مساعدتها فى الذهاب إلى القصر دون علم أحد، شريطة أن تعود سندريلا فى الموعد المحدد من قبل الجنية قبل منتصف الليل ،كما قامت الجنية بتحويل ملابسها البسيطة إلى ملابس فخمة تتناسب وحفل الأمير ،وأثناء الحفل يأتى خبر للأمير بقدوم أميرة فاتنة إلى القصر ،وحينما تتقدم سندريللا يستقبلها الأمير ويحسن معاملتها مما يشعل نار الغيرة لدى الفتاتين ،وأثناء تواجد سندريللا فى القصر تنشغل بالتحدث إلى الأمير فتنسى تحذير الجنية وتتأخر عن الموعد المذكور ..وما أن تذكرت ذلك الشرط إلا وغدت مسرعة نحو باب القصر فخلعت حذاءها مهرولة للعودة ،وأثناء تجول أحد حراس القصر وجد الحذاء فتوجه للأمير على الفور فأعجب بالحذاء وقرر أنه سيتزوج من الفتاة التى سيتطابق الحذاء على قدمها ..وتهافتت الفتيات على الحذاء لقياسه متمنيات الحصول على شرف الزواج من الأمير ..ومن ثم عادت السندريللا الرقيقة لتبحث عن حذائها فى حديقة القصر ودخلت مع واحد من الحراس لتحصل على الحذاء ،فاكتشفوا أن هذا الحذاء خاص بها وفى التو أعلن الأمير زواجه من سندريللا ..فحزنت باقى الفتيات وأصبن بالإحباط والغيرة وخاصة الفتاتين الدميمتين لما يملؤهما من حقد تجاه سندريللا ،وينتهى الباليه نهاية سعيدة بهذا الزواج وخلاص سندريللا من تلك الحياة الشقية التعسة.


يتفاعل جمهور الباليه مع هذه القصة التى تحيا فى وجداننا جميعاً منذ سنوات الطفولة ،وتعمل باقى العوامل المكونة للعمل الدرامى على التأثير السيكولوجى لدى المتلقين فنجد الأداء التمثيلى الصامت والحركات الإيمائية الراقصة من أبطال العرض لها دخل فى مدى درجة الاستمتاع بالعمل الفنى وذلك حسب نسبة تقمص الشخصية والتمكن من التقنيات الأدائية والتكنيكية للراقصين مع لغة الجسد والإيماءات الحركية المعبرة ببلاغة ومهارة ،هذا فضلاً عن الديكور الذى يساعد على توصيل الحالة الاجتماعية والسيكولوجية للجماهير ،وكذلك الإضاءة التى تلعب دوراً هاماً فى التحكم فى عواطف المتلقى واستدراج حواسه لما يريد توصيله مخرج العمل وبالأخص مع التعامل مع الضوء فنياً من أقصى درجات الخفوت والظلام إلى البريق والسطوع مستخدماً الألوان الزاهية والمحببة والتى تتماشى مع طبيعة الحبكة الدرامية للقصة ،أيضاً الميزانسين أو حركة الأبطال على خشبة المسرح بما يتوافق مع سرعة الأداء الحركى واللياقة لدى راقصى الباليه وهى ما يشع جواً من المرح والخفة تسيطر على الحالة العامة للحضور.


ولا يمكن أن نغفل دور الموسيقى الرائع التى كتبها بروكفيف والتى صاغ توزيعها لأوركسترا كبير يتكون من الآلات الوترية وآلات النفخ بأعداد كبيرة نسبياً لتتماشى مع الهارمونيات الحديثة والبوليفونية اللحنية من خلال عدد ثلاث آلات فلوت ومثلها فى باقى مجموعة آلات النفخ الخشبية الأبوا ،والكلارينيت والفاجوت ، وأربع آلات كورنو ،وثلاث للترومبيت ومثيلها للترومبون وآلة باص توبا بالإضافة لآلة الهارب وآلة بيانو وآلات الإيقاع المتنوعة.. وكانت موسيقى بروكفيف مزيجاً من التناقضات الحادة فيما بين القوة والرقة بالإضافة لقوميته التلقائية غير المتعمدة النابعة من داخله والتى تدل على ارتباطه العميق ببلده وبالبيئة التى شكلته نفسياً وفنياً ،كما يعتبر أسلوب بروكفيف الساخر الذى يميل إلى الدعابة والمرح هو أكثر سماته المميزة لطابع الموسيقى الروسية للإدلال على العواطف والشعور البشرى ، وتكاتفت الآلات الأوركسترالية المشاركة جميعها بتلوينات صوتية استخرجها بروكفيف من المساحات الصوتية الآلية التى دعمها بالتكنيك الاستعراضى من تلك الآلات واستخدام مساحات صوتية من أقصى درجات الحدة إلى أعمق الأصوات غلظة وما بينهما ،مع استغلال ظلال الآداء والتحكم فى درجات القوة والضعف والتدرج بينهما بما يخدم الدراما المسرحية ،كما عملت الإيقاعات على بث روح التعاطف والانكسار ثم الفرحة والانتصار للحق بالموسيقى وبالتبعية حركياً ودرامياً بشكل مثالى ،فكانت أدواته الموسيقية تميل إلى الاقتدار والجدارة من حيث التأليف والصياغة اللحنية والموسيقية.


وأعتقد أن الجماهيرية الكبيرة التى حققها هذا الباليه ترجع لسببين أولهما القصة الشهيرة لهذا الباليه والتى ترسُخ فى أذهان الصغار والكبار على حدٍ سواء بحالة من التعاطف والتعايش مع سندريللا بطلة القصة ،وثانيهما بالطبع الموسيقى الرائعة والألحان الخلابة التى أبدع فيها بروكفيف بكل تأكيد ووضع فيها خلاصة خبرته فى التأليف وإمكاناته المتميزة كمؤلف معتمداً على عناصر التأليف مثل الإيقاعات النشطة والبراقة بما فيها من حيوية ومرح وأداء تكنيكات سريعة من الآلات الموسيقية المختلفة فى الأوركسترا ،مع استخدام الهارمونيات الغريبة وغير التقليدية والتى اعتمدت عليها موسيقى القرن العشرين فخلقت ألحاناً ميلودية مبهجة ذات رنين صوتى مميز وخلقت حالة جمالية ممتعة للمتلقى.. فها هى سندريللا الجميلة وها هو النغم المنظور الفن الذى يمتع الملايين ..فعلينا الاستماع والاستمتاع إلى هذه الأعمال العالمية الرائعة ذات القصص الدرامية الراقية بما تبثه من قيم وموسيقى جمالية تهذب النفس فهى دعوة لإشباع الحواس بالفنون الرفيعة لنا ولأطفالنا.