بعد افتتاح متحف قصر محمد علي : تاريخ الأسرة العلوية .. بخمسة جنيهات!

09/03/2015 - 9:42:15

محلب فى افتتاح القصر الذى جاء بعد انتهاء وزارة الاثار من الترميم الشامل لسرايا القصر و فى الصورة الدماطى و محافظ القاهرة محلب فى افتتاح القصر الذى جاء بعد انتهاء وزارة الاثار من الترميم الشامل لسرايا القصر و فى الصورة الدماطى و محافظ القاهرة

تقرير : أماني عبد الحميد

بخمسة جنيهات فقط يستطيع الزائر أن يدخل ويعيش ساعات وسط تاريخ الأسرة العلوية التي حكمت مصر بداية من محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة وحتي الأمير محمد علي الحفيد البرنس الذي عاش يحلم بكرسي العرش ولم ينله في حياته حتي وفاته في 1956 . داخل قصره المكون من عشر سرايات قامت مجلة «المصور» بجولة قبيل افتتاحه لتبحث عن ملامح من حياة الأمير الذي اشتهر بالسمعة الطيبة وحسن الخلق وبأياديه البيضاء,الذي وهب ثلث ثروته لتحويل قصره الفخيم الي متحف مفتوح بعد وفاته وقرر أن تكون تذكرة دخوله 50 قرشا ليقدر زائره قيمة ما به من مقتنيات وجدران تحمل سيرة الأجداد


منذ عام 2005 والقصر وما يحويه من سرايات وحديقته النادرة مغلق امام الزيارة للترميم والتطوير، لكن اليوم تحققت آخر أحلام البرنس حفيد محمد علي باشا بافتتاح قصره أمام عامة الناس لزيارته والتعرف علي تاريخه وتاريخ الأسرة العلوية من خلال ما قام بالتأريخ له عن طريق تصميم المباني ورسومات جدرانها وزخارف أسقفها ومقتنيات أسرته التي حفظها داخل متحفه علاوة علي التجول بين طرقات حديقته التي طاف العالم ليجلب شتلاتها التي فاق عمر بعض أشجارها المائة عام وأكثر، وإن أجمل ما يراه الزائر لمتحف قصر الأمير أنه عاش ومات يدين بالفضل لوالدته أمينة هانم والتي أسماها المصريون "أم المحسنين" نظرا لعطاياها الكثيرة ولأنها أحسنت تربية الأمير وقومت أخلاقه، لذا قام بنشر رسائلها له والتي تحمل وصاياها له وتعلمه فيها الطريقة المثلي لمعاملة البشر في كتاب عن التربية القويمة، بل إن والدته قامت بتأسيس المدرسة "الإلهامية" لتعليم الأطفال خاصة الأيتام الحرف اليدوية مثل صناعة الأرابيسك والخرط الخشبي والطرق علي النحاس وغيرها من المعادن والعاج والصدف، وقامت بتأسيس سرايات القصر بكل منتجاتها، مثل الأبواب والأرائك وقطع الأثاث وحتي الأسقف والأرضيات، وأكدت لنا الأثرية مها محمد المشرف العام علي المتاحف التاريخية أنها قامت بتخصيص وقف"بمبة قادن" التي كانت بمثابة جدتها لصالح تلك المدرسة.


هو ليس بقصر بل عدة سرايات لكل منها طابعها الإسلامي المميز،كل له شخصيته وتصميمه المعماري، يحيط بهم أسوار أشبه بأسوار حصون العصور الوسطي الحجرية، مبنية من الحجر الجيري ومكسوة بقطع مستطيلة مسنمة من الحجر الرملي الشديد الصلابة، بل إن الأمير محمد علي حرص علي الإشراف علي تنفيذها بنفسه "كما كان لكل منها غرض محدد" علي حد قول الأثري عزت محمد مدير عام المتحف، وهو مكون من عشرة أقسام أقدمهم هي سراي الإقامة،حيث يحوي السور المحيط بالقصر، المدخل الرئيسي، سراي الاستقبال، سراي العرش، القاعة الذهبية، الحديقة الفريدة من نوعها في مصر، علاوة علي برج الساعة والسبيل والمسجد ، بل يحوي القصر علي متحف خاص بناه الأمير ليستعرض المقتنيات النادرة التي تخص الأسرة العلوية ككل، ومتحف للصيد لايزال مغلقا أمام الزيارة.


وفي جولة اصطحبنا فيها الأثري شريف سعيد مسئول التوثيق الأثري بالمتاحف التاريخية لزيارة مجموعة سرايات وقاعات متحف القصر خلال وضع اللمسات الأخيرة قبيل الافتتاح،حيث انعكست صفات الأمير النبيلة وجوانب شخصيته علي مباني قصره الذي شيده علي جزيرة منيل الروضة اشتراها من أحد الأجانب، ففي عام 1902 اشتري الأمير جميع ممتلكات السير جان كلود أرستيد لجزيرة الروضة والتي بلغت مساحتها حوالي 76 ألف متر مربع، ثم بدأ في تشييد قصر إقامته في عام 1903وانتهي منه في 1907 ،لكنه وضع وصية في عام 1930 بأن يصبح قصره متحفا وأوقف عليه بعض الأراضي الزراعية، ومع مرور الزمن تقلص حجم القصر حتي قامت لجان إدارة الأموال المستردة التابعة لوزارة المالية في أعقاب ثروة 1952 بتسليمه إلي مصلحة الآثار، وفي عام 1984 أصدر مجلس الوزراء قرار رقم 8 بأن يتم تسجيل القصر كأثر بملحقاته.


سراي الإقامة هو أقدم مباني القصر حيث تشير اللوحة التأسيسية الرخامية بأن تم تشييده في عام 1331 هجريا، فسراي إقامته مكون من طابقين حيث كان يعيش فيه الأمير وزوجته الفرنسية "أليس"،يمتاز بطرازه المعماري الإسلامي البسيط، واجهته تزينها المشربيات الخشبية ، مكون من عدة قاعات وملحق به برج يطل علي القاهرة والجيزة، أول ما يستقبل الزائر باب من الخشب مصفح بالنحاس المؤكسد علي الطراز المملوكي ومشغول بحليات مختلفة الأحجام مكتوب علي بعضها "شغل مصر" ومكفت بزخارف نباتية من الفضة والذهب، ثم يقابلنا بهو النافورة المبني علي الطراز الأندلسي، ومن الناحية الجنوبية منها تقع "الشكمة" وهي عبارة عن صالة بها مجموعة من الأرائك والمناضد المزينة بالصدف والسن، جدرانها مغطاة ببلاطات القاشاني المزركش، بجوارها بهو "المرايا" حيث يحوي مرآتين كبيرتين متقابلتين تعطيان الإحساس بالاتساع وملحق بها حجرة الحريم وتعتبر تحفة فنية تحوي زخارف بالسقف ذات ألوان وأشكال رقيقة ولها باب منفذ بالخرط يسمح للنساء سماع ورؤية ما يدور في بهو المرايا حيث كان الأمير يقيم حفلات لسماع الشعر والتواشيح الدينية.


ويضم سراي الإقامة القاعة الرئيسية المسماة بالصالون الأزرق والملحق به مكتب ومكتبة الأمير، وبالقرب منه نجد حجرة الطعام المذهبة السقف وبه شريط كتابي لآيات من سورة "الواقعة" وهي "ويطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين.."، ويجاورها صالون الصدف حيث إن كل مقتنياته مصنوعة او مزينة بالصدف، وعلي جدرانه صور للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي وصورة "كاترين" امبراطورة روسيا وأخري لإمبراطور النمسا والمجر، وصورة للمملوك الهارب وهو يدفع بنفسه وبفرسه من فوق أحد أسوار القلعة، في حين تقع غرف النوم الخاصة في الطابق العلوي،حيث يتم الصعود بواسطة سلم خشبي بالغ الروعة مصنوع من خشب الجوز التركي ومطعم بالصدف والعاج، وأمامه يطل محمد علي باشا من خلال لوحة زيتية ضخمة تحتل الحائط المقابل للسلم، ويحوي الطابق العلوي حجرة للمجوهرات وحجرة نوم الأمير وأخري لنوم الوصيفة، وحجرة عربية وشرفة تطل علي قاعة المرايا، حجرة نوم الأمير تدل علي شخصيته البسيطة فهي بلا زخارف أو حليات سواء في السقف أو الجدران حتي الأثاث، سريره من النحاس المطلي بالنيكل، والجدران تحمل عدداً من الصور لبعض أفراد أسرته فقط.


شتان بين فخامة القاعة الذهبية وقاعة العرش وبين سراي محل إقامته، يتخيل الزائر لسراي العرش أن الأمير كان طامحا للسلطة وراغبا في تولي مقاليد الحكم في مصر، فلم يعلم أحد السبب الحقيقي من وراء تشييد هذا المبني داخل حديقة قصره، حيث أقام قاعة العرش ووضع صورة جميع حكام مصر من أسرة محمد علي وأغفل صور عمه السلطان حسين كامل وعمه الملك فؤاد وابن عمه الملك فاروق رغم أنه معاصر لهم،لكن هناك رواية أخري أشار إليها الأثري "شريف" تري أن الأمير لم يطمح يوما في الحكم وأن قاعة العرش قام ببنائها لتحوي الصالون تم جلبه من قصر جده الأمير إلهامي باشا المشيد في استنبول قبل إزالته وتلك كانت تركته التي ورثها منه ومن والدته ، والسراي مكونة من طابقين الأول مخصص لقاعة العرش والثاني يحتوي علي حجرة الأوبيسون،المبني مصمم علي الطراز العثماني المعروف باسم "الكشك" وهو طراز منتشر علي ضفاف البسفور، ومن يدخل السراي يشعر بهيبة نظرا لبهاء القاعة، حيث يصطف علي الجانبين مقاعد من الخشب المذهب بزخارف أشعة الشمس ومنجدة بالقطيفة ذات اللون الأحمر الملكي وعلي ظهرها اسم محمد علي، وفي المواجهة يوجد كرسي العرش ويعلوه التاج الملكي، أما السقف مغطي بقرص الشمس وأشعتها الذهبية، واهم ما يميز القاعة لوحات زيتية لمناظر طبيعية من مصر وصور الحكام من أسرة محمد علي، وفي الطابق العلوي تقع غرفة الأوبيسون قد سميت كذلك نظرا لأن جميع جدرانها مغطاة بنسيج من الأوبيسون المصنوع في فرنسا، وهي حجرة خاصة بجده الأمير "إلهامي" حيث احتفظ بجميع ممتلكاته التي ورثها عن والدته.


القاعة الذهبية ويطلق عليها "صالون الوصايا" وهي تعد تحفة معمارية في حد ذاتها،فجمال أسقفها وجدرانها لا مثيل له جميع زخارفها مذهبة ،الباب المؤدي إلي داخل القاعة يحمل اسم الأمير محمد علي مكتوب بشكل فني يطلقون عليه اسم "طغراء" ،القاعة الرئيسية سقفها المذهب علي شكل سجادة من الطراز "هولباين" بوسطها جامة بيضاوية مشغولة بأوراق نباتية ويتدلي من وسطها نجفة كريستال نادرة من نوع "بكارات" الفرنسية الصنع،وجدرانها محلاة بزخرفة "الروكوكو" العثماني بأشكال هندسية، ويحيط القاعة أعلي الجدران نوافذ من الزجاج المعشق الملون بسدايب خشبية ويحيطها أبيات من الشعر من قصيدة "البردة" للبوصيري في مدح الرسول، وملحق بالقاعة حجرتان إحداهما تم جلبها من قصر "العظم" بدمشق حيث إن سقفها وجدرانها مغطاة بالأخشاب ذات الزخارف النباتية الملونة وعليها كتابات قرآنية وأدعية وأبيات من الشعر.


الحديقة هي الوحيدة من نوعها في مصر وتعتبر متحفا نباتيا نادرا، قام الأمير بجمع شتلاتها من مختلف أنحاء العالم خلال رحلاته التي قام بها ومن أهمها شجرة التين الهندي "الفيكس" المعروفة بخضرتها طوال العام وبأن أفرعها إذا وصلت الأرض تغوص في التربة وتتحول إلي جذوع تخرج منها أفرع جديدة ويطلق عليها المصريون اسم "طرازان"،علاوة علي أنواع مختلفة من النخيل وشجر الجوز والبن والبرتقال والليمون والمانجو والجوافة وأشجار البامبو ونباتات الزينة.


والافتتاح جاء بعد أن انتهت وزارة الآثار من مشروع تطوير وترميم شامل لسرايا القصر بالكامل حيث أوضح الأثري أحمد شرف رئيس قطاع المتاحف أن المشروع اشتمل علي إجراء أعمال الترميم المتكامل لجميع بيانات القصر بالإضافة إلي إعادة تركيب السقف الأثري بسراي العرش أحد أهم قاعات القصر والذي كان قد سقط نتيجة لعوامل الزمن، وإنشاء مبني إداري جديد يضم معملاً مجهز اً للترميم الدقيق وقاعة للمحاضرات وأخري لعرض المنسوجات