أحفاد الـتتار!

09/03/2015 - 9:40:59

تحطيم اثار فى متحف الموصل .. دواعش إرهابيون ضد الثقافة و الفنون تحطيم اثار فى متحف الموصل .. دواعش إرهابيون ضد الثقافة و الفنون

كتب - يوسف القعيد

"كأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا".


كأن التاريخ لا يحمل لنا سوي الهزائم والانكسارات والعودة إلي الخلف.


في العصور الوسطي عندما وصل التتار إلي بغداد وقرروا احتلال العراق كمقدمة لاحتلال الوطن العربي كله. فوجئوا بمعضلة كيف تعبر قواتهم علي مياه دجلة والفرات. لم يجدوا غير كتب مكتبة بغداد الشهيرة التي ربما كانت أشهر مكتبات العصور الوسطي كلها. لكي يجعلوا من الكتب جسراً تعبر عليه قواتهم.


ضاع قسم كبير من الذاكرة الإنسانية. ومن تاريخ البشرية في الكتب المهمة والمجلدات الأكثر أهمية والمخطوطات النادرة التي تحكي للدنيا كلها ماذا قدمت الحضارة العربية للفكر والعلم والتراث والأدب؟ في ذلك الزمان البعيد لم تكن هناك وسائل إتصال. ولم يتوقف الناس أمام فقدان مكتبة مهمة استخدمها التتار كجسر تعبر من فوقه جحافل الغزاة.


أحياناً عندما أتأمل التاريخ لكي أستفيد منه لفهم الحاضر والحلم بمستقبل. لا أصدق نفسي أن مكتبة كبيرة مثل مكتبة بغداد كان مصيرها أن تعبر عليها قوات غازية غاشمة تعادي الإنسانية ممثلة في التراث الإنساني الذي خلفه الإنسان لنا. وكان من المفروض أن يصلنا حتي يساعدنا علي فهم حياتنا بشكل أفضل.


بعد ذلك بسنوات أو ربما بقرون. وفي أوائل قرننا الحالي الذي نسميه بنوع من المباهاة التي ربما وصلت "لحدود الفشخرة". باعتبار أن القرن الحادي والعشرين سيكون النقلة الكبري في تاريخ البشرية من زمن إلي زمن ومن عصر إلي عصر. بالتحديد في يوم 26 فبراير 2001، كان في منطقة تسمي "باميان" في أفغانستان تمثالان لبوذا. التمثالان كانا تحفة كاملة الأركان. الحجم ضخم. وكانا منحوتين علي منحدرات في هذا الوادي المعروف. والوادي كان يقع في منطقة هيزار جات. أو هيزارستان بوسط أفغانستان.


تقول وقائع التاريخ إن بناء التمثالين يعود إلي القرن السادس قبل الميلاد. عندما كانت منطقة باميان مركز تجارة بوذيا. والتمثالان يعبران عن الفن الهندي الإغريقي الكلاسيكي. أيضاً فإن منطقة باميان كانت جزءاً من "طريق الحرير" الذي شكَّل أول محاولة بشرية للتواصل والاتصال بين بلدان مختلفة ومجتمعات متباينة. كان التمثالان قد تعرضا للتعرية بسبب الأحوال الجوية، وطول سنوات عمرهما. وربما كانا من الآثار النادرة الباقية منذ فجر التاريخ حتي أوائل قرننا الحادي والعشرين.


قامت حركة طالبان بالإجهاز عليهما عندما دمرت عناصر التمثالين بالديناميت. والغريب أنهم قاموا بتصوير عملية التفجير. وكأنهم يحاولون الفخر بالعار الذي يقومون به. باعتباره شيئاً عظيماً لا يخجل الإنسان من الإقدام عليه. ويحاول فعله في السر. وبعيداً عن لعنة التصوير. لقد شاهدت بأمّ عيني عملية تفجير التمثالين في أوائل هذا القرن، كما نقلتها أجهزة الإعلام الغربية. وقد جرت هذه الواقع قبل أربعة عشر عاماً مضت.


قالت يومها وكالات الأنباء إن تفجير التمثالين تم بأمر مباشر من القائد الذي يوصف في هذه البلاد بأنه المُلا. لأن الحركة ? حركة طالبان - تؤمن بأن نحت التماثيل علي شكل إنسان حرام. لأن عملية النحت تنافس الخالق - سبحانه وتعالي - في عملية الخلق. وتجعل من صانع التمثال كما لو كان خالقاً رغم أنه بشر فانٍ.


لم تكتف حركة طالبان بهذا. بل حاولت محو كل التراث الإنساني الذي يعود إلي المرحلة البوذية واتجهوا إلي كل القطع الأثرية التي تعود للمرحلة البوذية ومعروضة في المتحف القومي في كابول عاصمة أفغانستان.


يومها، فإن الجهة الوحيدة التي وقفت ضد ما جري كانت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة. وقد قامت بمحاولة ضخمة بعد إثارة الرأي العام لتجميع نواتج تفجير التمثالين. لعل هذا يكون مقدمة لإعادة التمثالين إلي ما كانا عليه قبل عملية التفجير.


بعد أربعة عشر عاماً من الجريمة الأولي. ها هم الدواعش يحاولون تدمير التراث الحضاري في العراق. قبل أكثر من شهر قاموا بنهب المكتبات ووضعوا الكتب قبل حرقها علي عربات لفت بها شوارع المدن العراقية. لكي يري الناس هذه الكتب وتلك المجلدات قبل حرقها.


لم نهتم بخطورة ما يجري. رغم أن اللف بالكتب واللوحات والنتاج الإنساني علي الناس قبل عملية الحرق ذكَّرني بما كان يقوم به الجزار في قريتنا عندما كان يلف بالذبيحة ليلة ذبحها حتي يراها الناس ويتأكدوا من أنها سليمة. وأن لحومها صالحة للاستخدام الآدمي. فيتجهوا في صباح اليوم التالي إلي دكان الجزار لشراء اللحوم بعد أن تأكدوا من أنها غير مريضة.


هذه المرة في الموصل. عندما خرج أهالي الموصل يحكون للإعلام الغربي - للأسف الشديد - كيف أحرقت داعش مكتبة الموصل العامة بما تحويه من آلاف الكتب والمخطوطات النادرة التي يرجع تاريخها القديم إلي العصور الوسطي. ويمتد تاريخها الحديث حتي القرن الثامن عشر. لقد حرقوا الكتب المنشورة باللغة العربية. والمخطوطات المكتوبة باللغة العربية. رغم أنها لغة القرآن الكريم الذي يتاجرون به في كل مكان. ويدعون أنهم مؤمنون به.


من الكتب التي أحرقوها كتب باللغة السيريانية. وأخري باللغة التركية التي تعود إلي زمن الحكم العثماني. ونسخ من طبعات عراقية نادرة للقرآن الكريم. ربما كانت فيها المصاحف الأولي التي طبعت في بلاد الرافدين.


يأتي الخطر مرة من هنا وأخري من هناك. فأهالي الموصل حكوا أنه بعد احتلال أمريكا للعراق سنة 2003 تعرضت مكتبات الموصل للسرقة والنهب. الأمانة تقتضينا أن نقول إنهم لم يحرقوا الكتب والمخطوطات. لكنهم نهبوها من أجل بيعها في أسواق الكتب النادرة العالمية التي يعرفون جيداً الطرق إليها. وهذا يؤكد أن الخطر واحد رغم اختلاف من يقومون به.


الداعشيون قاموا علنا - وعلي رءوس الأشهاد - بحرق كتب ابن رشد الموجودة بمكتبات العراق منذ تسعة قرون مضت. كما دمر الداعشيون كنيسة مريم العذراء الأثرية في المدينة. ومسرح ومكتبة جامعة الموصل. ومتحف الموصل. وفي الأنبار حرق الداعشيون 100 ألف كتاب في لحظات معدودة. وفي نينوي قاموا بتفجير أسوار نينوي التاريخية التي شيدت في العصر الآشوري. بالإضافة لتفجير العديد من المساجد التاريخية في المدينة. ومنها مسجد السلطان ويِّس في حي الفاروق. والذي يعود تاريخ بنائه إلي 1838 ويعتبر واحداً من أقدم المساجد التاريخية في المدينة. في حين دمروا أكثر من 20 كنيسة في شهر واحد. منها كنائس تاريخية.


الغريب أنهم لا يقومون بما يقومون به لأسباب دينية كما يدعون. فقد قاموا بنقل تماثيل كثيرة تعود للحقبة الآشورية من موقع آثار النمرود شرق الموصل. ونهبوا محتويات المتحف. ودمروا قبر النبي يونس. بالإضافة لتماثيل الشاعر العربي أبو تمام.


من العراق إلي سوريا


التدمير والدمار والاغتيال يتنقل بين البلدين بدلاً من انتقال البشر الذين لم يعودوا قادرين علي السفر. بسبب القيود التي يفرضها عليهم هؤلاء البرابرة. في مدينة حلب قاموا بحرق مركزها التجاري المبني في القرن الـ 15 كما أدت العمليات العسكرية لإصابة الجامع الكبير في حلب. الذي يعد أقدم جوامع سوريا. واحترقت مكتبته التي تحوي آلاف المخطوطات الدينية النادرة. كما تم قصف قلعة حلب بالصواريخ. وهي القلعة التي تعد أقدم القلاع في العالم. بالإضافة لقلعة الحصن الكبير التي تعود إلي الحقبة الصليبية. وقاموا بالعدوان علي الكنائس القديمة في معلولة. وهي واحدة من آخر المناطق التي تتحدث الآرامية لغة المسيح. وكذلك قاموا بتخريب الآثار في الرقة. وهدم تمثال أسد آشوري. يعود تاريخه إلي القرن الثامن قبل الميلاد. وقاموا بهدم كنيسة أرمينية في دير الزور شرق سوريا.


كل هذا يحدث ونحن نكتفي بالفرجة. ربما سخر القارئ من اهتمامي بهذا الموضوع. وقال في نفسه: إن الإنسان نفسه مهان. معرض للقتل والاغتيال والإبادة. فكيف أشغل نفسي وأسود الصفحات حزناً علي كتب ومجلدات ومبانٍ وتماثيل. إن الجماد يهون ما يمكن أن تتم معه مقارنة بما يجري مع الإنسان. وأنا أرد عليه وأقول له: إن من لم يهتم بماضيه. ليس من حقه أن يكون له حاضر. ولا أن يحلم بمستقبل.


أكثر ما أحزنني في هذا الموضوع. أن التحرك الدولي الجوهري تم بمعرفة هيئة اليونسكو. التي تقدمت بطلب رسمي إلي مجلس الأمن باعتباره أعلي سلطة في الأمم المتحدة لعقد اجتماع عاجل لدراسة ما تقوم به داعش في العراق وسوريا من تدمير للتراث الإنساني.


حزني سببه أن هذا التحرك لم تقم به جامعة الدول العربية. التي كانت بها إدارة ثقافية. هي التي ترجمت لنا: شكسبير وموليير وراسين في ستينيات القرن الماضي. في مشروع مهم كان يتولاه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. وتساعده تلميذته الدكتورة سهير القلماوي. فكيف صمتت جامعة الدول العربية عن هذه الجريمة التي تغتال تاريخنا العربي بالصوت والصورة أمامنا ونحن لا نفعل سوي الفرجة والتحسر علي ما يجري لنا؟.