توبة الإخوان غير مقبولة

09/03/2015 - 9:34:52

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - عبدالقادر شهيب

في آخر جلسة من جلسات محاكمة مرسي وعدد من قادة الإخوان في قضية الهروب من وادي النطرون وقف الرئيس الأسبق ليوجه تحية للشعب المصري، وحينما لفت المستشار شعبان الشامي رئيس المحكمة أن يتوقف عن الكلام قال مرسي إن التحية واجبة للشعب المصري حتي ينتهي الانقلاب القائم!.. وهذا الكلام ليس له سوي معني واحد وهو أن مرسي وقادة جماعته مصرون علي تحدي هذا الشعب الذي أطاح بهم من الحكم ولفظهم، وعلي المضي قدما في نهجهم الذي سلكوه بعد الثالث من يوليو 2013، وهو نهج العنف من خلال عمليات القتل والحرق والتفجيرات والتدمير.. فكيف إذن يصدق الناس أن هناك من بين أعضاء تلك الجماعة من هم مستعدون للتوبة عما ارتكبوه من جرائم علي مدي عدة عقود وصلت ذروتها في الثلاث سنوات الأخيرة، وقرروا أن يكونوا مواطنين صالحين؟!.. كيف يصدق الناس توبة نحو مائة إخواني وقعوا - كما قال وزير الداخلية في تصريحات سابقة له مؤخراً - إقرارات مكتوبة بذلك؟!


إن هذه التوبة حتي ولو كانت موثقة وموقعة من بعض أعضاء الجماعة تحيط بها الشكوك من كل جانب.. فهذه التوبة الموقعة محدودة جداً حيث لا يتجاوز عدد الموقعين عليها مائة إخواني فقط من بين عدة آلاف هم مجموع عدد أعضاء الجماعة التي تفاوتت التقديرات لهم، ففي الوقت الذي وصل بهم أبوالفتوح القيادي السابق في الجماعة إلي مليون عضو فإن محمد حبيب النائب السابق لمرشد الجماعة انخفض بهم إلي 18 ألف عضو منخرطين فعلاً في التنظيم بخلاف المتعاطفين طبعاً.. ولا يوجد بين من قدموا إقرارات التوبة هذه أحد من قادة جماعة الإخوان لا القيادة العليا أو الوسطي.. أي لا من مكتب الإرشاد أو مجلس شوري الجماعة أو من رؤساء وأعضاء المكاتب النوعية.. فهذه القيادات رافضة لأي تراجع أو مراجعة لمواقفها، ومازالت تصر علي ممارسة العنف حتي ما تسميه إسقاط الانقلاب، أي بالأصح حتي استعادة الحكم الذي طردهم الشعب منه مجدداً.. ومن خلال متابعتي بالحضور لجلسات محاكمة قادة الإخوان في قضيتي التخابر والهروب من وادي النطرون أستطيع التأكيد أن قادة الجماعة لا يرحبون فقط بعمليات العنف التي انخرطت فيها الجماعة وعلي نطاق واسع بعد الثالث من يوليو، وإنما هم الذين يوجهون بذلك ويصدرون التعليمات والأوامر بتوسيع رقعة ومساحة هذا العنف واستمراره بشكل يومي.. ويتضح ذلك من خلال أحاديثهم في قاعة المحكمة سواء أثناء انعقاد الجلسات أو بينهم وبين المحامين الذي وقف أحدهم يبشرهم بأن الخير قادم وبعدها بأيام قليلة شهدنا عمليات عنف وإرهاب وعديدة، كان من بينها العملية الإرهابية التي وقعت في مدينة العريش.. وهكذا عنف الإخوان الحالي ليس عشوائياً أو منفلتا من قبل عناصر تبغي الانتقام، إنما هو عنف منظم وممنهج ومخطط من قبل قياداتهم سواء القابعين في السجون أو الذين لاذوا بالفرار إلي الخارج.


وهذا أمر مفهوم لأن تلك الجماعة منذ نشأتها عام 1928، وهي جماعة تقوم علي التكفير وممارسة العنف وإهدار الوطنية.. فليس صحيحاً أن الجماعة انحرفت عن الطريق القويم الذي كانت تسير فيه بقيادة مؤسسها حسن البنا، وذلك علي يد القيادة القطبية التي استولت وسيطرت عليها.. إنما الصحيح أن حسن البنا ذاته مارس التكفير حينما اعتبر جماعته دون غيرها هي جماعة المسلمين، وأيضاً مارس العنف بداية في مواجهة من اختلفوا معه داخل الجماعة حينما اكتشفوا انحرافات مالية بل وأخلاقية فيها ثم بإنشائه النظام الخاص وتوجيهه للقيام بعمليات اغتيال وحرق وتخريب.. ولذلك ليس من السهل هكذا توبة قادة جماعة تربوا وترعرعوا داخلها وتدرجوا حتي وصلوا إلي مواقعهم هذه، وهم يؤمنون بتكفير غيرهم بل ويدعون الله أن يتوفاهم وهم إخوان، ولا يقولون مسلمين مثلما جاهر بذلك، صبحي صالح.. الأمر يحتاج قبل ذلك لمراجعات فكرية ودينية يتعين أن يقوم بها هؤلاء علي غرار تلك المراجعات التي قامت بها قيادة الجماعة الإسلامية داخل السجون.. وحتي الآن هذه المراجعات لم تتم ولم تحدث ولا يبدو أن قادة الجماعة فكروا أصلاً فيها.


لا توبة حقيقية بدون مراجعات شاملة وواسعة وعميقة يقوم بها قادة الجماعة أولاً وليس أعضاؤها العاديون.. فمن يريد التوبة عليه أولاً أن يقوم بهذه المراجعات.. وهذه المرة المراجعات حتي تتسم بأنها سليمة وحقيقية يتعين أن تفضي في نهاية المطاف إلي إعلانهم نبذ تلك الجماعة التي قامت علي مبدأ التكفير، ومارست العنف علي مدي تاريخها، وقبلت أن تكون في خدمة القوي الأجنبية الإنجليز أولاً ثم الأمريكان ثانياً، ومنذ وقت مبكر.. فإذا كان البنا قد حصل علي دعم مالي من شركة قناة السويس الأجنبية فإنه سعي للالتقاء بمسئولين أمريكيين للحصول علي دعمهم أيضاً.


كما يجب أن نتنبه أيضاً إلي أن المراجعات وإن كانت ضرورية ويجب أن تسبق إعلان التوبة من قبل الإخوان فإن توقيتها المناسب بافتراض وجود رغبة فيها من قبل قادة الجماعة هو الذي يسبقه تصفية تنظيم الإخوان أمنياً.. هذا ما حدث مع مراجعات قادة الجماعة الإسلامية.. فهم قاموا بها بعد أن وصلوا مشارف مرحلة الاستسلام أمام الأمن، وهذا ما يتعين أن يحدث بالنسبة للإخوان.. فلا معني للحديث عن مراجعات إخوانية أو توبة لبعض أعضائه والتنظيم الإخواني السري مازال قائماً ويعمل من خلال ما يقوم به من عمليات عنف وقتل وتدمير وتخريب.. بل إن بقاء هذا التنظيم علي قيد الحياة بما يلقاه من دعم مالي ولوجستي خارجي «عالمي وإقليمي» هو الذي يجعل قادة الإخوان لا يفكرون في مثل هذه المراجعة، ويحضهم علي الاستمرار في العنف والإرهاب.. لذلك أولا قبل أن يحدثنا أحد حتي ولو كان وزير الداخلية نفسه عن إقرارات توبة لبعض أعضاء الجماعة للإخوان في السجون يجب أن يعلمنا أولاً أن الأمن قد أجهز بالكامل علي التنظيم الإخواني السري، ونلمس ذلك بوضوح في تراجع لعمليات العنف التي يقوم بها أعضاء جماعة الإخوان في مناطق شتي بالبلاد.


وحتي لو حدث كل ذلك.. أي تمت تصفية التنظيم الإخواني أمنياً وتمت المراجعات الفكرية والدينية من قبل قيادة الجماعة، وانتهت هذه المراجعات إلي نبذ الجماعة نهائياً فإن توبة الإخوان وقتها لن تكون مضمونة بالكامل.. ونحن لنا تجربة مع توبة الجماعة الإسلامية.. فقد سبقها تصفية للتنظيم ومراجعات فكرية وقيادية تولتها قيادة الجماعة وسعت لإقناع الأعضاء بها، وانتهي الأمر إلي إعلان الندم والاعتذار علي ما اقترفته الجماعة الإسلامية من جرائم قتل وعنف وتخريب وسرقة بما فيها جريمة اغتيال الرئيس الأسبق أنور السادات، ومع ذلك فعندما بدا لبعض أعضائها أن الظروف قد تغيرت وأنهم صاروا في وضع يسمح لهم بالتنصل من مراجعاتهم الفكرية والدينية فإنهم عادوا إلي سيرتهم السابقة، أي إلي التحريض علي العنف وممارسته، مثلما فعل عاصم عبدالماجد وطارق الزمر ومعهما آخرون شاركوا الإخوان في اعتصامهم المسلح برابعة والنهضة ودعموا بالسلاح سعي الإخوان لاسترداد الحكم الذي طردوا منه، والأخطر تحالفوا مع جماعات إرهابية أخري لتنسيق ما تقوم به من عمليات إرهابية في مصر.. إذن علينا أن نتوقع حتي إذا توفرت كل الشروط التي ذكرناها في توبة الإخوان أن ينكص عدد منهم علي أعقابه، وأن يتخلي عن مراجعاته ويلفظون اعتذارهم وندمهم.. ولعل تجربتنا مع الإخوان شاهدة علي ذلك.. فهم عضوا اليد التي امتدت إليهم دوماً، فعلوا ذلك قبل 1952، بالسعي إلي النقراشي ثم اغتياله، وفعلوا ذلك بعد 1952 حينما دبروا لاغتيال عبدالناصر الذي استثني جماعتهم من الحل عندما قرر حل الأحزاب القائمة، وحينما احتضنوا الجماعة الإسلامية التي اغتالت الرئيس السادات رغم أنه هو الذي أخرجهم من السجون وسمح لهم بالنشاط في كل المجالات خاصة النقابية، وأيضاً حينما قرروا عام 2009 الانقضاض علي مبارك والإطاحة به من الحكم وهو الذي أتاح لهم التواجد في البرلمان بأكبر عدد من المقاعد في كل تاريخهم النيابي منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتي بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة.


وهكذا.. الشكوك تحيط من كل جانب في توبة عدد من أعضاء جماعة الإخوان.. وهي شكوك معتبرة والأهم هل سيقبل الرأي العام المصري مجرد الحديث عن مثل هذه التوبة ناهيك عن القبول بها.. فكيف يكون المصريون مستعدين لسماع أي شيء عن توبة لإخواني والمتفجرات تزرع يومياً في شوارعهم ومبانيهم ومنشآتهم وسياراتهم ويسقط بسببها ضحايا ما بين شهداء وجرحي.. المزاج العام المصري الآن ضد الإخوان ورافض لجماعتهم بل رافض لوجودهم وتجنب التخلص منهم.. فقد نجح الإخوان منذ يناير 2011 في شيء واحد فقط وهو حض المصريين علي كراهيتهم لاستبدادهم وفاشيتهم وهم علي سدة الحكم ولعنفهم وإرهابهم بعد أن تركوا هذا الحكم مكرهين، وهم - أي الإخوان - الآن مازالوا يصرون علي تعميق هذه الكراهية الشعبية لهم بما يرتكبونه من جرائم عنف تزيد قوائم ضحايانا وتضاعف من حجم خسائرنا وتعقد مشاكلنا وأزماتنا خاصة الاقتصادية وتعوقنا عن حل هذه المشاكل.. وإذا كانت توبة الإخوان بهذا الشكل وحتي في ظل توفر شروط صحتها غير مقبولة علي هذا النحو من الشعب، فلن يقدر أي مسئول حتي ولو كان وزير الداخلية الذي يتصدي هو ورجال الشرطة لأعضاء هذه الجماعة ويلاحقهم أمنياً.


ومع ذلك يبقي أمر يجب ألا نغفله، وهو ماذا سوف نفعل كمجتمع مستقبلاً مع أعضاء تلك الجماعة، الأعضاء العاديون والذين لم يثبت في حقهم قضائياً أنهم قتلوا أو حرقوا أو خربوا أو دمروا، إن هؤلاء وعددهم بالآلاف بالقطع يعيشون بيننا ويضمرون الشر لنا، حتي وإن لم يرتكبوا جرائم عنف لعجزهم عن القيام بها أو لخوفهم من العقاب.. إنهم يرقصون طربا كلما تعرضنا لعمل إرهابي وكلما سقط لنا شهداء وجرحي.


هؤلاء يحتاجون لإعادة تأهيل ونحن نحتاج للتوافق علي أسلوب التعامل معهم الآن ومستقبلاً لنأمن شرهم أولاً، ولندمجهم كأسوياء في المجتمع مجدداً حتي لا يتحولوا إلي مشجعين للإرهاب ولو باللسان فقط.


هؤلاء هم يمثلون لنا مشكلة تحتاج إلي حل لا بالتصفية مثل التنظيم السري للإخوان وإنما بالاحتواء.. لكن ذلك يجب أن يكون قراراً مجتمعياً وليس قرار شخص ما سواء كان سياسياً أو مفكراً أو مسئولاً.