قدسها الفراعنة و أحياها الأمويون.. و غزاها عبد الناصر بثورته الصناعية .. حلوان .. مدينة أتلفها الإرهاب!

09/03/2015 - 9:31:29

مظاهرات الاخوان فى حلوان استهدفت المنشات الحكومية وأقسام الشرطة عدة مرات مظاهرات الاخوان فى حلوان استهدفت المنشات الحكومية وأقسام الشرطة عدة مرات

تقرير- رانيا سالم - يمنى الحديدى

حلوان مدينة قدسها الفراعنة، و أحياها الأمويون، و حازت على انتباه أبناء محمد على، وغزاها عبد الناصر بثورته الصناعية، وحولها التلوث لمدينة الأمراض، و الجهل والفقر لمدينة الإرهاب.


حلوان التى وصفها الأديب العالمى نجيب محفوظ فى بداية الثلاثينيات بأنها" الرخيصة النائية، المغموسة فى السكينة والتأمل، التياهة بمياهها المعدنية و حماماتها الكبريتية وحديقتها اليابانية، مصحة الأعصاب المتوترة والمفاصل المتوعكة والصدور المتهرئة و العزلة الغافية" فى روايته "بقى من الزمن ساعة".


ليعلن رثاءه الزمن الجميل الذى تحّول مع نهاية السبعينيات فى نفس الرواية على لسان بطله حامد برهان "وما حلوان إذا اغتصب هدوؤها الأبدى، وخيل إليه أن بوذا سيتيه من تأملاته العميقة محتجا، ثم يرحل وراء الهدوء إلى أعماق الصحراء".


يقيناً أن الرثاء المحفوظى لا يعبر عما لحق بالمدينة الآن، فلم تعد المصانع تطوقها فقط، ولكن أحزمة الفقر و الجهل والمرض ومؤخراً الإرهاب، لتضيف لها أحدث ألقابها مدينة الإرهاب والتلوث.


حلوان إحدى ضواحى جنوب القاهرة الراقية القديمة على شاطئ النيل، وهى تابعة لمحافظة القاهرة، ويصل تعدادها السكانى وفقاً للتعداد الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء فى 2006 إلى 643 مليوناً و327 نسمة، المدينة تبلغ مساحتها 119.200 كم2، والمساحة المؤهلة للسكان بها 20.350 كم2 ، وتضم مدينة حلوان ثلاثة أقسام، قسم حلوان، وقسم التبين وقسم مدينة 15 مايو، وتضم عدة ضواحى، حلوان البلد ووادى حوف وحدائق حلوان وعزبة الوالدة والمنشية وعرب راشد وعرب غنيم ومدينة الموظفين وعزبة زين.


الحديث عن تاريخ حلوان الذى يبدأ من الفراعنة أول سد مائى فى التاريخ بمنطقة وادى حوف لا يخفى ما وصلت إليه حلوان الآن، فقد تحول الحديث عنها فى الثلاثينيات كمدينة سياحية إلى مدينة صناعية فى الستينات، لتعلن فى 2015 كمدينة للمخدرات والسلاح والإرهاب.


التحول التاريخى للمدينة جاء فى أعقاب ثورة يوليو 52،عندما شيدت قلاع الصناعة مثل مصنع الحديد والصلب ومصانع الأسمنت والمصانع الحربية ومصنع النصر للسيارات ومصنع سيجوارت فى المعصرة والشركة المصرية لصناعة المعدات التليفونية (كويك تل)، ورغم تشيدهما بشكل بعيد نسبيا عن مدينة حلوان، الآن هذه المدينة لم تسلم من أشعة التلوث، وغبار الصناعات الثقيلة، ومخلفات الوقود، لتهب الرياح بما لا تشتهى السفن و يتحول المناخ الجاف النقى إلى مناخ رطب يجلب الأمراض، واقتلعت الأشجار والحدائق ليزداد التلوث.


وتكتمل الصورة للمدينة مع توغل التيارات الدينية المتطرفة بالمدينة، وزيادة معدلات الفقر فى الأحزمة المحيطة بمدينة حلوان التى جمعت القاصى والدانى من محافظات الصعيد التى اتخذت من هذه المدن مكاناً جديداً لعائلاتهم وسطوتها وتجارتها لتبدأ عائلات جديدة لم تعتد عليها مدينة البشاوات، هذه العائلات جعلت من حلوان حلقة الوصل بين القاهرة والصعيد لتنضم لخريطة توزيع السلاح والمخدرات.


ويبدو أن مدينة حلوان قد ارتبطت بالثورات المصرية، فثورة 52 كانت إحدى المراحل الفارقة فى تاريخ المدينة، بل هى سبب جوهرى فيما آلت إليه أحوالها حتى الآن، أما ثورة 25 يناير فكان لحلوان السبق فى عمليات العنف والبلطجة، فقسم شرطة حلوان من أوائل الأقسام التى حرق فى مساء الجمعة 28 يناير 2011، ليعلن بعدها توغل الباعة الجائلين فى ميدان المحطة وشوارع حلوان، ورواج تجارة المخدرات والأسلحة.


ثورة 30/6 كانت الحلقة الأخيرة لظهور الوجوه الإرهابية المتوغلة فى أطراف حلوان، لتعلن عن كونها واحدة من مناطق المواجهات الساخنة بين قوات الأمن وأنصار الإخوان ومن على شاكلتهم من التيارات الإسلامية المتطرفة منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، فخرجت المظاهرات الدامية المليئة بالأسلحة.


وتحولت المساجد لمراكز الانطلاق فى كافة ضواحى حلوان، مسجد الاستقامة والرحمة بعرب غنيم، ومسجد الهدى بحدائق حلوان، ومسجد خالد بن الوليد بمنطقة أطلس، ومسجد أنصار السنة المحمدية بكفر العلو ومسجد الزهراء بالتبين، ومسجد المراغى والفتح بمدينة حلوان، ومسجد الخلفاء الراشدين بمنطقة المشروع الأمريكى شمال حلوان.


المظاهرات الدامية التى استمرت لشهور داخل مدينة حلوان، هوجمت خلالها المنشآت الحكومية وقسم حلوان لعدة مرات، وتحولت ضواحى كعزبة الولدة وعرب غنيم لتتصدر العناوين بعد استمرار العنف والبلطجة داخلها، فقد استغل أنصار الجماعات الإرهابية جغرافيا هذه الضواحى، بشوارعها الضيقة، والجانبية، و صعوبة التواجد الأمنى داخلها، فى ممارسة حرب شوارع بينهم وبين قوات الشرطة، عبر مهاجمتهم بالمولوتوف والشماريخ.


ظهرو فيديو كتائب حلوان الذى صور بعرب غنيم كان الأول من نوعه فى الإعلان عن كتائب مسلحة بحلوان، فالمقطع ظهر من خلاله 12 فرداً ارتدوا زياً وأقنعة سوداء وحاملين بنادق آلية عن ممارستهم للعنف والبلطجة، وخروجهم عما أسموه السلمية، وبعد أن ألقت قوات الأمن على أحد الأفراد الذين ظهروا فى الفيديو اعترف على باقى زملائه وأكد أنهم اشتروا الأسلحة من أحد تجار السلاح بمدينة الصف.


الهدوء النسبى الذى صاحب محدودية المظاهرات فى ضواحى حلوان المختلفة، وبعد نجاح قوات الأمن فى القبض على من أطلوا على أنفسهم كتائب حلوان، بدأت مرحلة العبوات الناسفة، فمن قبل تم ابطال ثلاث عبوات ناسفة بمحطة مترو حلوان، كما ألقى القبض على عدد من الإرهابيين بحوزته 11 قنبلة بدائية الصنع، ومؤخرا حدثت 4 انفجارات لعبوات ناسفة فى مناطق متفرقة داخل حلوان إحداهما أمام مركز خدمة اتصالات وأخرى أمام أحد البنوك الخاصة وثالثة أمام إحدى المدارس الخاصة، كما عثر فى اليوم ذاته على عبوة ناسفة بجامعة حلوان بالمول التجارى بالحرم الجامعى دون أن تنفجر.


أما عائلات الصعايدة والعرب فهى الأكثر قوة داخل هذه الضواحى، فقد اتخذت من هذه الضواحى موطناً جديداً لهم، ونجحت فى السيطرة على أعمال المقاولات، وكونت شبكة من الباعة الجائلين فى ميادين حلوان، وانتشرت تجارة المخدرات، والتى كانت تباع بشكل علنى فى ميدان المحطة بحلوان، فضلاً عن الأوكار "الدواليب" التى انتشرت بضواحى المعصرة وعرب غنيم وعزبة الوالدة وكفر العلو والصف، وطبيعى أن تمتلك هذه العائلات الأسلحة دون أن تتعامل فيها بالبيع والشراء، سطوة هذه العائلات جعلت منها الذراع اليمنى لنظام مبارك وقت الحزب الوطنى، وجعلتها تقف على الحياد مع النظام الإخوانى بما يحقق مصالحها الشخصية.


نجلاء ممرضة ثلاثينية من سكان عرب غنيم، عانت كثيراً من مظاهرات الإخوان التى استمر ت على مدار عام، لتضيف لمعاناة صغيريها، فلم يكفهم دخان المصانع الذى نال من صدورهم، ليستكمل بقنابل المسيلة للدموع التى زادت معاناتهم، تقول"المظاهرات اختفت، بس لسه خايفين من العبوات الناسفة"، معاناة ونجلاء وابنيها لا تنتهى من الجماعة الإرهابية،"فى كل لحظة مستنين هيعمل ايه ، مش غريبة عليهم هما حطوا قنبلة فى شوارع المدارس وحرقوا أتوبيس عام".


نجلاء التى تصف منطقتها بالشعبية، فلا تزال أعمال بناء المنازل على الأراضى الزراعية، والتى يمتد على مدار ضواحى عرب غنيم وعزبة الوالدة، تقول " المظاهرات أغلبها من السلفيين، بيمشوا مع الإخوان فى كل مظاهراتهم فى حلوان"، مؤكدة أن طبيعة المنطقة التى تسير فىها المظاهرات من مسجد الاستقامة مروراً بشارع السكة التى يربط عرب غنيم بعزبة الوالدة يصعب سيطرة قوات الأمن عليها، أو كما بينت "مدرعات الأمن وقوات الأمن مش بتقدر تدخل فى شوارع عرب غنيم الضيقة" وتفسر نجلاء صعوبة التواجد الأمنى إلى اتفاق كبار العائلات مع قوات الأمن بشكل ضمنى عدم دخولها هذه الضواحى وتعاملها مع المتظاهرين من خارجها.


إبراهيم خليل أربعينى يملك محلاً تجارياً أمام مسجد الإستقامة بعرب غنيم، اعتاد على المظاهرات الإخوانية التى يؤكد على اختفائها فى الوقت الحالى بعد سيطرة قوات الأمن على المسجد، لكن يبقى قلقه كجارته نجلاء من العبوات الناسفة، التى أصبحت هاجس كل أهالى مدينة حلوان، يقول "يوم الجمعة مش بفتح المحل، بس دلوقتى الوضع أحسن كتير"،خليل شبه المظاهرات بالطوفان الذى يغلب عليه المنتمون إلى التيار السلفى "ملهومش فى السياسة، بس فاكرين أنهم بيحموا الإسلام" على حد تعبيره.


التاريخ الحلوانى


حلوان المدينة التى جعلها التاريخ شاهدة على تحولات المجتمع، تقع على شاطئ النيل، فالمصريون القدماء عرفوا أهميتها، وبنوا فيها أول سد مائى فى منطقة وادى حوف، وهى أحد ضواحى حلوان، وفى ضاحية أخرى المعصرة يعتز أهالى هذه المنطقة بمولد كليم الله سيدنا موسى بن عمران عليه السلام وألقته أمه فى اليم هناك، وكانت تسمى أرض جاسان فى العصر الفرعونى.


المدينة اندثرت عبر العصور إلى أن أحياها عبد العزيز بن مروان والى مصر من قبل الأمويين، وكان قد خرج من الفسطاط العاصمة آنذاك متجها إلى الجنوب، بعد أن دب الوباء فيها فأعجبته حلوان واتخذها عاصمة مؤقتة لولاية مصر، وأنشأ الدور والقصور وغرست البساتين لتشرف هذه المدينة بمولد أمير المؤمنين وخامس الخلفاء الراشدين إنه الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز.


اسم حلوان أطلق على مدينتين، إحداهما اختطها وبناها عبد العزيز بن مروان فى عام 70 من الهجرة، ويطلق عليها حاليا اسم حلوان البلد، والثانية حديثة اختطها الخديو إسماعيل فى باطن الجبل بالجهة الشرقية من حلوان البلد، وتبعد عنها بحوالى ثلاثة كيلو مترات، ويطلق عليها حلوان الحمامات أو حلوان العاصمة كما يطلق عليها أهلها الآن، فبعد بنى أمية تم إهمال حلوان إلا أن عباس حلمى الأول أعاد اكتشافها، و كانت الصدفة دليله فى ذلك حيث أصيب أحد جنوده بمرض جلدى فاغتسل من مياه العيون الكبريتية، وأخذ الجنود المرضى يتدافعون على العيون طلبا للشفاء، ووصل الأمر إلى عباس باشا فأمر ببناء حمامات على هذه العيون.


أما بعد مجىء الخديو إسماعيل فقد حاول إنشاء مدينة جديدة شرق حلوان البلد، وكلف محمود باشا الفلكى بعمل الاكتشافات اللازمة لذلك، وبحث عن عيون حلوان وعندما اكتشفها أمر ببناء مكانين أحدهما للمياه المعدنية والثانية لوكاندة للسائحين والمرضى، وكان ذلك إيذانا بصدور الأمر العالى بإنشاء حلوان الجديدة فى باطن الجبل.


وقد ازدهرت حلوان فى عهد الخديو توفيق، فقد شيد فيها سراى لزوجته أمينة هانم، والتى تشغلها حاليا المدرسة الثانوية التجارية مما أدى إلى تدهور معظم أجزاء السرايا، كما انشأ الخديو توفيق المسجد التوفيقى، وأنشأت ابنته خديجة هانم قصرا لنفسها هناك، ومنذ ذلك الحين وحلوان تشتهر بأنها منطقة القصور والسرايات ومقصد الأثرياء المصريين والأجانب، وذلك للبعد عن ضوضاء وصخب الحياة إلى هدوء العيش والتأمل فى الكون وطلبا للشفاء.


الخديو إسماعيل حرص على تشييد هذه المدينة بشكل يحاكى أحياء القاهرة الحديثة، وشيد قصرا لوالدته خوشيار هانم، وقصرا لمنصور باشا يكن زوج ابنه توحيدة، والذى لا يزال اسمه يطلق على أهم شوارع حلوان.


العيون الكبريتية أهم ما يميز مدينة حلوان، فقد ارتسمت بطباع من جاء إلى المدينة منذ التاريخ لتقف شاهدة على هذا التاريخ ، فأول من أقام عليها حمامات فى العصر الإسلامى هو عبد العزيز بن مروان، الذى اكتشف هذه العيون وأقام حولها حمامات بشكل مغطس وزخرف مبانيها بالنقوش والآيات القرآنية، وقد عثر على بقايا هذه الحمامات أثناء حفر العمال لأساسات الحمامات التى شيدت فى عصر عباس حلمى الثانى.


وأهملت عيون الحمامات التى أنشأها ابن مروان و ظلت هكذا حتى أعاد اكتشافها عباس حلمى الأول، و أمر ببناء حمامات حول هذه العيون، و كانت بهيئة بناء يتكون من غرفتين يعالج بها رجال الجيش، وأراد أن يبنى حماما عاما ولكنه قتل قبل أن ينجزها.


الخديو إسماعيل أصدر فرمانا ببناء منتجع حرارى بحلوان، وعهد بإدارته إلى الطبيب رايل، وعندما زار إسماعيل هذا المنتجع أمر بإنشاء حوض كبير يملأ بالمياه الكبريتية لاستحمام الفقراء، ومشفى صغير وصيدلية واستراحة ينزل فيها المترددون عليها للعلاج، وأمر بوضع أنابيب لتوصيل مياه النيل إلى الحمامات، وإنشاء طريق الحمامات إلى النيل، وعمل قناة تحت الأرض لتصريف المياه الزائدة عن الحاجة، وقد قام الطبيب رايل بتنفيذ كل هذه الأعمال.


وقد اندثرت الحمامات التى شيدها إسماعيل لذلك أشار الخواجة سوارس على عباس حلمى الثانى بإعادة بنائها، وقامت شركة سكة حديد القاهرة حلوان بتنفيذ المشروع، وتولى سوارس إدارة الحمامات الجديدة، وصولا إلى كابريتاج حلوان، الذى تحول بأبوابه المهدمة إلى مكان للأشباح و ليس داراً للاستشفاء.


الملك فاروق حزى نهج أجداده، وبنى استراحته الخاصة فى حلوان و التى تطل على النيل و أطلق عليها ركن فاروق، واستقبل فيها العديد من الأمراء و سفراء الدول الأخرى، ومنها الأمبراطورة فوزية شقيقته و زوجها شاه إيران، وبالرغم من وجودها بحالتها الكاملة و تحولها إلى متحف لبيان تاريخ هذه المنطقة، إلا أنه مغلق منذ حوالى ثلاث سنوات إثر قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير وذلك لدواع أمنية.


تمثال بوذا فى موطنه بالحديقة اليابانية أحد أهم رموز مدينة حلوان، الحديقة التى أنشئت عام 1917 ضمن مشروع الحدائق المتخصصة على الطراز اليابانى، تمثال بوذا الشاهد على تاريخ هذه المدينة لم يسلم أيضا من التدهور الذى حل بها، فقد تآكل هو الآخر واتخذه رواد الحديقة مكانا لتسجيل ذكرياتهم بالنحت عليه وتشويهه .



آخر الأخبار