حديث الرئيس .. طمأنة للخارج وتعهدات للداخل

02/03/2015 - 9:37:55

السيسى السيسى

كتب - عبدالقادر شهيب

نظلم الرئيس عبدالفتاح السيسي وخطابه الأول في خطاباته الدورية التي سيطل فيها علينا إذا اعتبرناه كشف حساب له خلال سبعة أشهر مضت ، لأنه لم يتضمن العديد من الأعمال التي قام بها بل والإنجازات التي حققها ربما كان أبرزها إنجاز أكثر من نصف مشروع قناة السويس الجديدة.


لكن الخطاب استعرض بعضا من الأعمال فقط ليؤكد الرئيس السيسي أننا نمضي في طريقنا غير عابئين بالصعوبات والعراقيل ورغم ما نتعرض له من مؤامرات تحاك لنا في ظل ضربة شرسة ضارية نخوضها ضد إرهاب يلقي دعماً إقليمياً ودولياً لا يستهدف ترويعنا أو الانتقام منا أو تعطيل مسيرتنا فقط، وإنما يبغي تقويض كيان دولتنا الوطنية .


ولذلك ليس مستساغا معاقبة الرئيس علي أنه لم يتناول في خطابه قضايا وموضوعات مهمة مثل موضوع سد النهضة وعلاقاتنا مع اثيوبيا في هذا الشأن بل وكل دول حوض نهر النيل وإن عدنا لأول مرة وبعد انقطاع دام نحو خمسة أعوام للمشاركة في اجتماعاته، أو مثل أزمة الدولار والتخفيض الحادث في سعر الجنيه المصري الذي قد يرتب ارتفاعاً في أسعار السلع المستوردة من الخارج، أو أيضا مثل ما يؤرق عمال شركات قطاع الأعمال التي تعاني مصانعها أزمات هيكلية وبنيوية.


لقد جاء الخطاب الأول للرئيس السيسي في سلسلة خطاباته الشهرية المقبلة ليعبر عما يشغل بال الرئيس شخصياً من أمور مهمة، يري أن الشعب يشاركه الاهتمام بهذه الأمور، وذلك في ظل ما في حوزته من معلومات، وأيضا في ظل ما لديه من تقارير متابعة عن اتجاهات الرأي العام.. ومن أعاد سماع الخطاب سوف يكتشف أنه منح مساحة من الوقت لعدد من القضايا أكبر من غيرها من الأمور، وتحديداً أكثر من مجرد سرد ما قام به من أعمال وما حققته إدارته من إنجازات سواء علي صعيد السياسة الخارجية أو علي صعيد السياسة الداخلية وتحديداً أكثر علي مستوي علاقاتنا مع أمريكا وأوربا وإفريقيا، أو بالنسبة للمشكلة الاقتصادية الداخلية.


ولعل أهم قضية منحها الرئيس الاهتمام هي طمأنة كل الأطراف والقوي الدولية المختلفة بخصوص أمرين بالغي الأهمية .. الأول خاص بالعقيدة العسكرية المصرية لقواتنا المسلحة والتي تتبني مبدأ أساسياً - كما قال الرئيس - وهو أنها تحمي مصر ولا تعتدي علي أحد وتحمي أرضنا من داخل حدودنا وليس من خارجها .. وهذا يعني أن الضربات الجوية التي قامت بها قواتنا المسلحة لنحو 13 موقعا لداعش في الأراضي الليبية هو أمر فرضته ظروف الجريمة البشعة لهذا التنظيم الإرهابي المتمثلة في ذبح 21 مصرياً وتصوير ذلك لترويع كل المصريين .. وهذا ما عناه الرئيس السيسي بأنه ما كان في مقدوره تقديم العزاء للمصريين جميعا وللكنيسة قبل أن تثأر قواتنا المسلحة لنا ممن ارتكبوا هذه الجريمة .


لقد أراد الرئيس السيسي القول لكل من أثاروا لغطا متعمدا في الخارج - سواء إقليميا أو عالميا - بأن عقيدتنا العسكرية التي تتبناها قواتنا المسلحة لم تتغير ومازالت ثابتة، وأننا لن نستخدم قواتنا المسلحة في الاعتداء علي أحد ولن نغزو أراضي أحد .. ولكننا في ذات الوقت لن نسمح لأحد بأن يعتدي علينا أو يمارس جرائمه البشعة ضد أبناء وطننا.


كما أراد الرئيس السيسي أيضا طمأنة الذين أقلقهم في الخارج اعتزام مصر تنفيذ مشروعها النووي القديم لتوليد الكهرباء، وذلك بعد إبرام اتفاق بهذا الخصوص مع روسيا في أثناء زيارة الرئيس بوتين إلي القاهرة مؤخرا والتي تمت في هذا الشهر .. فقد ذكر الجميع سواء الذين أثاروا لغطا حول هذا الاتفاق داخل أمريكا أو إسرائيل، أو الذين تأثروا بهذا اللغط ، أن مصر ملتزمة بما وقعت عليه من اتفاقات في هذا الشأن يخص الأسلحة النووية، مؤكدا أن مصر ليس لديها أجندات خاصة سرية في هذا الشأن علي غرار ما فعلته وتفعله إيران، وأننا كل ما يعنينا ويهمنا فقط هو حل مشكلة الطاقة الكبيرة لدينا والتي نعاني منها ، فضلا عن أن ما سنقوم به من بناء محطات نووية ليس بدعة وإنما هو عمل سبقتنا إليه دول عديدة ومن حقنا أن ندخل هذه التجربة، وأيضا من حقنا أن نختار من يساعدنا في إنجاز وإتمام تجربة بناء المحطات النووية التي نريدها، وهذا ما لم يشأ الرئيس أن يكون موضوعا للنقاش ولذلك لم يتحدث عنه باعتبار الحقوق لا تطرح عادة علي طاولة النقاش مع أحد.


كذلك أراد الرئيس السيسي تنبيها وليس مجرد طمأنة دول الخليج وقادتها لما يحاك من مؤامرات لإثارة الوقيعة بينها وبين مصر، في ظل حروب الجيل الرابع التي تقوم علي إثارة الشائعات والترويج للأكاذيب من خلال الإعلام المرئي والمسموع والمقروء والالكتروني .. وفي هذا الصدد كان مفهوماً أن يعيد التأكيد علي أهمية ما حصلت عليه مصر من دعم الأشقاء العرب في الخليج .. فهذا الدعم كان أحد أسباب صمودنا بعد 30 يونيه في مواجهة التحديات والصعوبات الضخمة والهائلة التي واجهناها..


ولعل الرئيس السيسي هنا أراد علي الجانب الآخر طمأنة بعض المصريين بأن علاقاتنا مع دول الخليج لم يصبها أي أذي من خلال المؤامرات الإخوانية التي استهدفتها سواء بالتسريبات المنسوبة لأحد مساعدي الرئيس أو من خلال تصريحات مزعومة نسبت لأمين عام مجلس التعاون الخليجي، ولذلك قال في خطابه إنه تكلم لما يقرب من ألف ساعة مسجلة تليفزيونيا ولم تتضمن أحاديثه أية إساءة لأحد ما، ولذلك لن يسمح لأحد بأن يسيء لمسئول عربي أمامه، ومشيراً إلي أن الذين أساءوا لنا لم نسيء إليهم ويلاحظ هنا أنه تطبيقا لهذا المبدأ أو هذا السلوك لم يتحدث عن عدم تنفيذ قطر التزاماتها تجاه مصر بمقتضي المصالحة التي رعاها الراحل الملك عبدالله، أو تحفظها في الجامعة العربية علي ما قامت به مصر من ضربات جوية لمواقع خاصة بداعش رداً علي ذبح مصريين في ليبيا .


واستكمالا لطمأنة الخارج فقد سعي الرئيس عبدالفتاح السيسي لطمأنة المستثمرين العرب والأجانب وأننا جادون في إصلاح مناخ الاستثمار في مصر، وأننا راغبون حقا في استثماراتهم وتسهيل قيامهم بهذه الاستثمارات من خلال إزالة المعوقات والصعوبات التي تواجههم الآن، مشيراً إلي أن قانون الاستثمار الجديد سوف يتم إصداره قبل عقد المؤتمر الاقتصادي الذي دعت إليه مصر والذي استعدت له - كما قال الرئيس - بمجموعتين من المشروعات الاستثمارية ، مجموعة عكفت الحكومة علي إعدادها وأخري كلف هيئة قناة السويس بإعدادها وتخص منطقة قناة السويس.


هذا عن حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي الموجه إلي الخارج.. أما ما يتعلق بحديثه الموجه إلي الداخل فقد ركز علي عدد من القضايا والموضوعات التي رأي أنها تهم الرأي العام المصري.. وكان علي رأس هذه القضايا والموضوعات قضية وموضوع مقتل شيماء ومصرع عدد من الشباب أمام باب استاد الدفاع الجوي.. فقد أكد الرئيس أنه لن يتواني عن محاسبة كل مقصر أو متورط في ذلك إذا ما انتهت التحقيقات التي تجريها النيابة في تلك القضيتين، وانتهز ذلك ليؤكد أنه شخصيا ومعه كل السلطة لن يتدخل في شئون القضاء، وكشف لنا في هذا الصدد عن اتصاله التليفوني مع النائب العام لتقديم العزاء له، والذي أكد فيه الرئيس أنه لا ولن يتدخل في شئون القضاء وتحديدا في أية قضية منظورة أمامه سواء في مرحلة التحقيق أو مرحلة المحاكمة، ثم رد النائب العام عليه والذي تضمن بشكل مهذب رفضا من جانب القضاء لأي تدخل من جانب أحد في شئونه خاصة من السلطة التنفيذية.


أيضا عرج الرئيس في حديثه علي قضايا الشباب لأنه أولا يهتم بها وثانيا لأنه يري أن الرأي العام أيضا بدوره يوليها اهتمامه .. وهنا لم يكتف الرئيس السيسي فقط بالإعلان عن قرب الإفراج عن مجموعة من الشباب الموجودين في السجون وإنما تحدث أيضا عن الاهتمام بتوفير مشروعات صغيرة للشباب ، وأيضا تمكين الشباب سياسياً واقتصاديا من خلال مشروع قومي لتأهيل الشباب سياسياً ومجتمعياً تتبناه الرئاسة ومن خلاله يتم تدريب الشباب في دورات، كل دورة تضم ما بين 500 وألف شاب .. وفي هذا الصدد كشف الرئيس عن أنه يتم الآن في مؤسسة الرئاسة تشكيل مكتب إعلامي هدفه كما قال تحقيق التواصل مع قطاعات المجتمع وسوف يكون من بينها بالطبع أو علي رأسها قطاع الشباب.


وهكذا ..


ما اهتم به الرئيس السيسي في خطابه يوم الأحد الماضي كان هو ما رأي ضرورة أن يتحدث به سواء لطمأنة الخارج في أمور مهمة تخص قواتنا المسلحة ومشروعها النووي وعلاقتها الدولية والإقليمية، خاصة علاقتها مع الدول الخليجية، أو لطمأنة الداخل في قضايا مهمة شغلت ومازالت بال الرأي العام المصري.


ولذلك حرص الرئيس السيسي علي أن يتسم حديثه بالهدوء والحفاظ علي نبرة صوت واحدة تقريباً وأن يأتي حديثه بلا وسيط ، أي ليس من خلال لقاء صحفي ليحقق ما أراد أن يحققه من وراء هذا الحديث .


وربما هذا الهدوء تحديداً الذي تسلح به الرئيس في حديثه هو الذي جعل البعض يري أن هذا الحديث افتقد الروح القتالية التي كانت تنطق بها أحاديث الرئيس السابقة، خاصة أن اللحظة الراهنة التي كنا نمر بها كانت تحتاج أكثر من أي وقت مضي لهذه الروح القتالية .


نعم لقد تحدث الرئيس بوضوح أنه لن يقهر أحد إرادة المصريين، وأكد أننا نسعي للأمن والتعمير والبناء والخير ولذلك سوف ننجو من الفتن والشرور خاصة أننا لن نتوقف حتي نقضي علي تهديدات الإرهاب في سيناء، ونحافظ علي أمننا القومي علي حدودنا شمالا وغربا وجنوبا، لأن رؤيتنا الحفاظ علي كيان دولتنا الوطنية التي تصونها وحدة كل المصريين .


غير لأن الرأى العام كان يحتاج فى هذا الصدد للمزيد فى حديث الرئيس ، كان يحتاج لتأكيد صريح واضح أننا رغم عقيدة قواتنا المسلحة بأنها لا تغزو أحدا لن نتوانى عن تكرار ضرباتنا الجوية إذا ما تكررت جرائم داعش ضد المصريين فى ليبيا .


و كان يحتاج لمعلومات أكثر حول نتائج ضربتنا الجوية التى استهدفت 13 موقعا لداعش فى ليبيا .


ز كان يحتاج ايضا لمعلومات أكثر حول حربنا ضد الإرهاب فى سيناء .


و كان كذلك يحتاج لتأكيد أننا سوف نمضى فى التصدى بحزم لعنف و مؤامرات جماعة الإخوان و لمواجهة التطرف الدينى .


فنتمنى أن يتدارك الرئيس ذلك فى أحاديثه القادمة .