مصر وداعش وأخواتها .. أمريكا تؤسس لديمقراطية العنف فى الشرق الأوسط

02/03/2015 - 9:30:55

سامح شكرى اثناء القاء كلمة مصر فى مجلس الامن بشان الاوضاع فى ليبيا سامح شكرى اثناء القاء كلمة مصر فى مجلس الامن بشان الاوضاع فى ليبيا

كتب - السفير د.عزمى خليفة

ذهبت مصر إلى مجلس الأمن آملة فى إصدار قرار يسمح بعلاج الأوضاع فى ليبيا فى إطار منح حكومة ليبيا الشرعية والتى اعترف بها العالم الحق فى الدفاع عن نفسها ضد مجمل التنظيمات والميلشيات المسلحة التى استوطنت هذا القطر الشقيق وتمنع الحكومة الشرعية من مواصلة اعمالها من العاصمة طرابلس وذلك من خلال رفع الحظر عن السلاح المفروض على هذه الدولة ، وقد تم هذا الاستيطان تحت سمع وبصر القوى الدولية التى كان منوطاً بها حماية الليبيين ، إلا ان جلسة المشاورات التى عقدها مجلس الأمن سارت فى اتجاه معاكس ، فقد رفضت امريكا من البداية هذا التحرك وقد تجسد ذلك بمشروع القرار الذى تبنته بمشاركة بعض القوى الغربية كان فى مقدمتها كل من اسبانيا وبريطانيا وايطاليا وفرنسا، واستند التحرك الغربى إلى ضرورة احياء العملية السياسية التى يشرف عليها ممثل عن الامين العام للأمم المتحدة وتستهدف إقامة حكومة وحدة وطنية بين الحكومة السابقة المنتهية ولايتها والموجودة فى طرابلس وترفض تسليم السلطة استنادا إلى ما لديها من سلاح والحكومة الحالية التى تم انتخابها وتمركزت فى طبرق حقنا للدماء فى ظل استيطان عدد كبير من الميلشيات المسلحة مختلف مناطق ليبيا وبخاصة حول القوس الليبي الغنى بتوافر البترول.


مجمل الموقف فى مجلس الأمن يحتاج إلى إيضاح ، خاصة أن الاجتماع تم بناء على طلب من مصر وليبيا وقد تم فى اعقاب قيام مصر بغارة شنها سلاح الطيران المصرى على مواقع داعش فى درنة دفاعا عن نفسها فى أعقاب اختطاف واحد وعشرين مصرىاً وذبحهم على أيدى تنظيم داعش مستهدفا أحداث فتنة طائفية فى مصر باستهدافه للمسيحيين فقد كان الواحد وعشرون مصريا جميعهم من الاقباط مما أثار لغطا حول مغزى التحرك المصرى وهل الهدف منه كان مساعدة الحكومة الشرعية التى يعترف بها العالم أم كان اسباغ الشرعية على التحرك العسكرى المصرى، فضلا عن انضمام فرنسا التى حشدت دول العالم وراء إدانة ما حدث لمجلس تحرير شارلى ابدو وقررت بعدة عقد صفقة طائرات رافال مع مصر وانضمام إيطاليا أيضا التى لا تفتأ أن تكرر ليل نهار خشيتها من انطلاق الإرهابيين من ليبيا الى اراضيها التى تبعد عنها 350 كيلومترا.


بداية ينبغى الأخذ فى الاعتبار أن مجمل العلاقات الدولية تقوم على المصالح فكل دولة سواء كبرت أم صغرت تسعى لتحقيق مصالحها، أما الأخلاق والاعتبارات الإنسانية فإنها مسخرة لخدمة هذه المصالح ولخدمة تحقيقها وهو ما يفسر ما قد يبدو لنا " معايير مزدوجة " فى بعض الحالات وهو ما سبق واوضحته مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكىة السابقة عدة مرات ، ولم نستحسنه نحن ، فهناك فارق بين واقع توافق عليه المجتمع الدولى منذ ظهور الدولة القومية فى اعقاب الحروب الدينية فى أوربا وعقد صلح وستفاليا عام 1648وبين تقييمنا الأخلاقى نحن لهذا الواقع علما بان هذا التقييم لن يغير من الواقع شيئا.


من هذا المنطلق رفضت واشنطن مد مصر بأى معلومات عن داعش وعن أماكن تمركزها فى ليبيا قبل الإغارة المصرية على مواقعها ، لأن داعش فى تقديرى صناعة أمريكية ومنوط بها تحقيق أهداف أمريكية فى المنطقة تتمثل فى اشاعة حالة من الفوضى يعاد السيطرة عليها وتعيد واشنطن تنظيمها فى إطار المصالح الأمريكىة ، ومن هذا المنطلق أيضا تحفظت قطر على بعض ما جاء فى بيان الجامعة العربية ، وهو حق منحه لها ميثاق الجامعة لأنها لا يمكنها اتخاذ موقف مناوئ لأمريكا التى تحتفظ حتى الآن فى الأراضى القطرية بأكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط، فضلا عن استخدامها قطر كرأس حربة فى الشرق الأوسط ، وقد قبلت قطر ذلك لأنه يحقق أهدافها المتمثلة فى حماية نظام الحكم بها من ناحية والادعاء أنها تصنع مستقبلا تعوض به عدم وجود تاريخ لها وموقعها الطرفى فى الخليج وتركيبتها السكانية حتى أن الشعب القطرى أصبح الأقلية الرابعة بعد الهنود والنيباليين والعرب وهامشيتها فى العمل العربى.


يضاف إلى ذلك أن واشنطن تستهدف الضغط على مصر لمنع محاكمة الإخوان المسلمين بل وبل وتطالب باشراكهم فى السلطة وحكم مصر ، لانها ترى أنهم تيار معتدل ويناسب مخططها فى المنطقة وهو مخطط بدا عام 2003 بطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع وهو مفهوم يقوم على إعادة رسم الخريطة السياسية فى الاقليم لتناسب المصالح الأمريكىة فى مرحلة تتجه فيها واشنطن للانسحاب من الخليج ووضع ترتيبات تضمن مصالحها فى المنطقة ، نظرا لتطورات كانت متوقعة فى أسيا أكثر أهمية من الشرق الاوسط ، وأسرع من ضرورة تنفيذ هذا المخطط ان واشنطن لم تعد فى حاجة إلى بترول الشرق الأوسط بعد نجاحها بالوصول إلى إنتاج حوالى 9 ملايين برميل يوميا بفضل التوصل لتكنولوجيا جديدة تضاعف الانتاج هى الحفر الافقى أو التكسير الهيدرولوجى مع تزايد الاعتماد على إستيراد البترول الإفريقى الذى أصبح يمثل حوالى من مجمل البترول المستخدم داخل أمريكا.


وحتى يؤتى الشرق الأوسط بثماره لواشنطن فقد استهدفت نزع العروبة عن المنطقة العربية وإحلالها بالشرق أوسطية من خلال خطوتين الأولى إذابة المنطقة العربية فى كيان أكبر وأكثر تعددا من الناحية الدينية والمذهبية والثانية هو الشرق الأوسط الممتد من باكستان إلى المغرب ومن ثم فإنه يشمل باكستان وافغانستان وتركيا وايران واسرائيل


أما الخطوة الثانية فهى تفتيت بعض الدول العربية إلى كيانات هشة صغيرة تقوم على أسس مذهبية أو دينية أو عرقية وقد نجحت فى تفتيت بعض دول الاطراف مثل السودان التى انفصل عنها الجنوب ومن المتوقع انفصال دارفور والشرق عنها ، ومصر الصومال التى انقسمت بالفعل إلى أجزاء ومثل سوريا التى تحولت لشبه دولة ومثل العراق الذى انفصل واقعياً إلى ثلاثة أجزاء.


إن المصالح الأمريكىة فى منطقتنا العربية لا تتعدى مصلحتين إستراتيجيتين هما حماية أمن إسرائيل وتتحقق عبر إضعاف وتفتيت الدول العربية والبترول العربى الذى لم تعد فى حاجة إليه ولكن يهمها ألا يقع فى يد دولة تنافسها مثل الصين أو روسيا إضافة إلى مصلحة قصيرة الأجل وهى مشاركة الإخوان المسلمين فى الحكم لوجود أزمة هوية لديهم تسمح لهم فى التفريط فى الثوابت القومية.


وبالتالى فواشنطن تسعى إلى تحقيق مصالحها فى الاقليم ولم يكن من مصلحتها دعم الحكومة الشرعية ولا إعطاء الفرصة لمصر لتطهير ليبيا وهى دولة جوار من التنظيمات المتطرفة لأنها تسعى لإدماج بعض هذه التنظيمات فى الحكم ضاربة بذلك عرض الحائط بما يسمى الديمقراطية والتى أسفرت عن انتخاب حكومة شرعية تمنع بالقوة من دخول العاصمة الليبية لتمارس عملها، بل وتؤكد واشنطن على اهمية استمرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا وهذا الحظر موجه للحكومة لان التنظيمات والميلشيات الموجودة فى ليبيا تحصل على السلاح من خلال التهريب الذى تجيدة وتغض الدول المناط بها تنفيذ الحظر عيونها عنه.


ان تناقضات الموقف الأمريكى مسالة فى غاية الاهمية فانفصال السياسة الخارجية عن قيم المجتمع الأمريكى مسالة فى غاية الاهمية ينبغى على الاعلام العربى التركيز عليها فى المستقبل كاحد المداخل الرئيسية لتعديل الموقف الأمريكى، خاصة أن بعض وسائل الاعلام الأمريكىة مثل النيويورك تايمز والسى إن إن قد أشار إلى ذلك واستمرار الكتابة فى هذا الشان ستكون اساسية وبخاصة إذا أمكن الكتابة فى الصحف الأمريكية ذاتها وإذا أمكن التعاون مع بعض مراكز الفكر الأمريكية لاستقبال باحثين عرب من مختلف الدول العربية ليحاضرون أمام الرأى العام الأمريكى.


كذلك ينبغى أن نضع فى اعتبارنا أن امريكا تحارب - بافتراض حسن النية- داعش فى العراق لأنه مس مصالحها البترولية ولكنها لا تحاربه فى ليبيا لأنه أداة طيعة فى يدها لنشر الفوضى المطلوبة لتحقيق الإهداف الأمريكىة فى الاقليم .


كما ينبغى الاعتراف بأن واشنطن فى حاجة ماسة للإخوان المسلمين ولذا تصر على ضرورة إشراكهم فى الحكم رغم أن الشعب اسقطهم من الحكم كما أسقط الرئيس الأسبق حسنى مبارك وبنفس الأسلوب، وسبب هذا الاحتياج بسيط ويتمثل فى ان واشنطن تواجه مشكلة مع الإسلام السنى الذى لا توجد قيادة له تستطيع السيطرة عليه كما هو الحال فى الإسلام الشيعى ، وقد اثبتت تجربة حكم الإخوان لمدة عام أنهم مستعدون للقيام بهذه المهمة فقد جمعوا كل التنظيمات المتطرفة فى سيناء واستخدموها فى مواجهة الجيش والشرطة واستمرت فى دعمهم بعد السقوط والقاء القبض عليهم ، فجميع الحركات الجهادية ذات الفكر المتطرف خرجت من عباءة الإخوان المسلمين كما أشار وزير الخارجية سامح شكرى أمام مؤتمر واشنطن.


أما فرنسا فقد حققت هدفها بصفقة الرافال فالرئيس هولاند لن يعاد انتخابه والاقتصاد الفرنسى يعانى ضعفا وقد نجح فى إنعاشه بصفقة الرافال وبالتالى ماعاد يهمه مصر ومطالبها ولا ليبيا ومشاكلها والإرهاب لن يستطيع أحد منعه مهما كانت الظروف، أما ايطاليا فبالرغم من زيارة الرئيس السيسى لروما ، وتنسيقه مع رئيس الوزراء الايطالى بشان الإرهاب إلا أن واشنطن لديها مصالحها الواسعة مع ايطاليا إضافة إلى أنها أرادت ارسال رسالة للقاهرة مفادها أن الطريق لأوروبا لن يكون سالكا إلا من خلال البوابة الأمريكىة وبالشروط الأمريكىة التى ترفضها مصر.


ببساطة أن الأمن فى حوض المتوسط بأكمله اضحى مهددا من جراء السياسة الأمريكية و كما بدأت بالتاكيد على أن العلاقات الدوليه علاقات مصالح فأجد لزاما على التذكير أيضا أن تغيير الموقف الأمريكى يتطلب اتخاذ اجراءات تسمح بتغيير الموقف الأمريكى سواء تجاه ليبيا أو تجاه مصر نفسها و هى مسألة فى قدرة مصر و أوضحت مطلوبة فى ظل التعبئة الشعبية العالية التى وصل إليها الشعب المصرى .