وفاة الكاتب المصري الكبير سليمان فياض عن 86 عاما

05/03/2015 - 10:11:57

الكاتب سليمان فياض مع محمد شلبى الكاتب سليمان فياض مع محمد شلبى

حوار - محمد شلبى

توفي اليوم الخميس 26 فبراير الكاتب المصري الكبير سليمان فياض عن 86 عاما وعشرات الكتب في القصة القصيرة والرواية وسير أعلام العرب وعلم اللغة والقواميس وتطوير قواعد اللغة العربية فقدنا حكاء بارعا، وكاتبا شريفا


سليمان فياض - للهلال-  فى عيد ميلاده:  أحلم كثيراً بتأليف القصص فى الآخرة 


* سليمان فياض أحد أبرز أدباء الستينيات الذين قدموا عطاء أدبيا كبيرا فى مجالات الرواية والقصة القصيرة وأدب السير والتراجم فضلا عن إسهاماته في مجال البحوث والدراسات الإسلامية واللغوية والنحوية هو الحكيم الذي يعد نموذجاً للكاتب الموضوعي وحين ذهبت إليه في بيته بحي المنيل استقبلنا ببشاشة وترحيب واستعاد معنا بعض ذكرياته مع مجلة الهلال ومطبوعاتها ورغم أنه يحمل علي كتفيه أكثر من ثمانين عاما إلا أنه في حواره معنا أثبت أنه مازال يتمتع بذاكرة حديدية استعاد من خلالها أبرز المحطات في مسيرته الإنسانية والأدبية والفكرية «والهلال» إذ تجري هذا الحوار مع الأديب سليمان فياض ـ في عيد ميلاده- فإنها تكرم فيه أحد أبرز علامات أدباء الستينيات الذين قدموا عطاء أدبيا ولغويا وفكريا علي مدي أكثر من نصف قرن من الزمان.


إلتقيته وحاورته علي مدار ثلاث ساعات سابقت فيها الزمن لأنسج من فيضه هذا الحوار .


مرحلة التكوين


حدثنى عن مرحلة تكوينك فى القرية؟


- ولدت فى قرية برهمتوش هذه القرية الفرعونية التى تكونت أعلى تل من الرمال مثلها مثل كل القرى المجاورة فى هذا الجزء من شمال شرق الدلتا (دماص ، سقا، طمبول، إخطاب .. وحتى بحيرة المنزلة).


هذا الجزء تم تكوينه زراعيا من أوراق البردى والرمل والطمى الذى كان يأتى مع مياه النيل الجارفة .. وخوفا من شدة الفيضان بنوا هذه القرى على تلال مرتفعة حفاظا عليها من الغرق وكانت وسيلتهم للوصول إليها.. المراكب الصغيرة عمر هذه المنطقة حوالى 7000 سنة.


عشت فى هذه القرية إحدى عشرة سنة.. كنت محبا للأرض والزرع وأعشق التجوال بين شوارع القرية من خلال طريقها الدائرى.


* خلال هذه الفترة كيف تكونت ذائقتك الإبداعية ؟


- فى القرية أول شىء كنت أحبه هو أخبار الناس.. وهذه ترعة أبدعت من خلالها «أدب النميمة» ، وتجارب من حياة القرية.


وأول مجموعة كتبتها من قصص القرية.. «عطشان يا صبايا» .. وفيما بعد «أًصوات».


وبعد أن انتقلت إلى المدينة سواء فى السنبلاوين أو الزقازيق أو المنصورة أو القاهرة أو حتى حينما سافرت إلى السعودية.. دائما أعود للقرية فى إبداعى.


مرحلة القرية كنت أحيا فقط «لا أسجل ولم أكن مشغولا بشئ ولم يخطر فى بال أن أكون كاتباً أبداً.


* كم سنة عشتها ولم يكن فى ذهنك أن تكون كاتباً؟


- إلى أن وصلت إلى سن عشرين سنة.. حتى قراءاتى كانت ضعيفة جداً وكان يشغلنى المكان وسكانه بحكاياته.. من ولد .. ومن قتل ومن أنكر ابنه فألقاه أمام المسجد.


القرية فيها جزء عنف، حينما يثور يكون غضباً أعمى، فيظل الفلاح هادئاً إلى مرحلة معينة مثل الخلاف على الميراث أو مس الكرامة أو الإهانة .. يتحول بعدها إلى وحش فلا يكون له كبير.. وكان همى التعبير عن كل هذا بكل التفاصيل.


فى هذا الوقت كان عدد المتعلمين قليلاً جداً .. فلا يزيد على عشرة أو اثنى عشر متعلما فى القرية ومعظمهم شهادات متوسطة والبقية يمتهنون زراعة الأرض، لكن كان من حسن حظى أن أول من تعلموا فى الجامعة فى محيط قريتنا كانوا من عائلتى ومنهم أبى الذى درس عامين يجلس إلى شيخ من شيوخ الجامع الأزهر.. لكنه لم يكمل..


* ما ترتيبك بين إخوتك؟


- إخوتى ستة غيرى .. أنا أكبرهم .. سبقنى إلى الدنيا أخت .. اسمها «زينب» وماتت ودفنت فى البيت - وحينما كنت ألعب فى هذا المكان كانت زوجة جدى تنهرنى قائلة : لا تلعب فوق قبر أختك .. وهذه كانت عادة القرية - أن يدفنوا الأطفال الصغار فى البيت .


الإخوة «هم سمير فياض .. رئيس المؤسسة العلاجية ، وأخت متخصصة كيمياء فى المركز القومى للبحوث ، وأخت كانت رئيس قسم نقل الدم بعين شمس والآن بمعهد ناصر، وأخت بمركز البحوث البيطرية.


وأخ كان مهندساً ودخل القوات المسلحة ويعتبر من الرعيل الأول الذى أدخل الكمبيوتر فى القوات المسلحة .. أيام جمال عسكر .. وأخت طبيبة علم نفس وافتتحت عيادة وفشلت .. ثم عملت مع د.أحمد عكاشة.


وأبى كان مدرسا فى الأزهر حصل على الابتدائية الأزهرية من طنطا.. ودخل الجامعة وكان حينها نظام الحلقات .. ولم يكمل تعليمه وعمل مدرسا إلزاميا بقرية بعيدة عنا (اسمها طحا).


* هل دخالت الكتاب كعادة أبناء القرية آنذاك لحفظ القرآن ؟


- فى القرية لا لأننى كنت فى مدرسة إلزامى.. تتبع مجالس المديريات على النظام الإنجليزى.. كانت البلديات هى من تنشئ المدارس، وكانت الدراسة فيها تقريباً على النظام الإنجليزى .. يعنى بدون دروس جغرافيا .. وكان اسمها علم الأشياء .. وكنا ندرس الصحة .. وندرس الرياضيات الأولى ماعدا الجبر والهندسة .. وكتب العربى كانت أفضل من الآن بكثير كانت تسمى القراءة الرشيدة وكانت مشوقة جداً لنا كأطفال.. فيها شعر من أدب الطفل لأحمد شوقى، وحكايات لقصص الأطفال .. وكنا نتعلم بطريقة قم فاقراً بصوت عال ، وللثانى يكمل .. ثم يسأل أسئلة وكانت طريقة رائعة فى التعليم، مدرسة مكونة من أربعة فصول أولى وثانية وثالثة ورابعة وغرفة الناظر وغرفة المدرسين وحوش فى الوسط ومبنية بالطوب اللبن، ولم يكن بها مكتبة .. لكن تكونا لغويا فيها .. أحسن من الآن بكثير لأن من يؤلف الكتب يكثر الكلام فتتوه الأطفال.


- وكان بيننا أطفال مبدعون مثلاً طفل أثناء اللعب أظنه ولا يكتب القصة .. فكان يحكى لنا عن الجن والعفاريت ، وكان يجذبنا جداً للسماع لما يقول .. لكنه مات بالبلهارسيا ، وكان بيننا رسام بالفطرة وهو ابن الحلاق.


* إذن لم تتعمد مطلقا الانتصار للغرب على الشرق.


- إطلاقاً .. التجربة كانت ساخنة.. لأنها حدثت بالفعل ويعلمها كل أهالى المنطقة.


وأصارحك بشىء أنا معجب بالغرب.. كما كان الغربيون معجبين بنا فى العصور الوسطى.. دائما الحضارة الظافرة تبلع ما قبلها .. وتصبح محل الإعجاب.


* حضور الندوات واللقاءات الأدبية - يؤثر كثيراً فى توجيه الإبداع؟


- هناك نصيحة لـ هيمنجواى فى ذلك يقول على الكاتب أن يتفادى مجالس الندوات ففيها تختلط الأمور على المبدع، تعرف إليهم وتردد عليهم بين الحين والحين وليس دائما، لأنهم إن احتلوا ذهنك فلن تبدع شيئاً وبالنسبة لى الأسلوب الذى اكتسبته من دراساتى وقراءاتى الحرة.. ارتأيت أننى لابد أن يكون لى أسلوب مباشر أغزو به القارئ ، فاللغة توصيل والأدب توصيل ، والقارئ المفروض أنه يصله ما أريد لأول وهلة ، ولا يحتاج إلى أن يفتح معجما ليفهم ما كتبت.


* إذن الجملة المركبة عبء على الإبداع.


- الأكلاشيهات والتراكيب الزائدة ثقل على الإبداع .. لأن المبدع يلجأ إلى أساليب غيره.. ومن الحكم الشائعة التى يعرفها كل الناس، فما الجديد إذن .


لذا على المبدع أن يتفادى ذلك كله، وأظن أن اشتغالى بالصحافة .. هو ما أنقذنى من الوقوع فى ذلك ، فقد عملت فى مجلة الراديو .. الإذاعة والتليفزيون .. وجريدة الجمهورية ، ومجلة البوليس.


فى يوم قال لى سعد الدين وهبة: أنت صحفى ممتاز - لكن مقدمات موضوعاتك أحس بأنها لغة أزهرية .


* العمل الصحفى يطغى على الإبداع .. وأنت مارست العمل الصحفى، والإذاعى، وكتبت عشرات الكتب فى السير .. عن علماء العرب، كما كتبت فى الكثير من القضايا التى تهم اللغة العربية.. هل ترى أن كل هذا أثر على مشروعك الإبداعى؟


- كنت أظن ذلك .. لكن من خلال تجربتى اكتشفت أن العقل البشرى جبار، وقادر على أن يوجه الإنسان للسير فى كل الدروب ، يصعد جبلاً ، يسير فى الغابة ، يسير فى الصحراء ، يعوم فى الماء، وقادر على أن يجمع بينها فى وقت واحد . ومادمت اكتسبت خبرة ما عن كل درب .. فلا خوف عليك .. لأنه لن تسمح خبرة منها أن يتداخل معها اتجاه آخر ، وهذا ما حدث معى حرفيا، فالعقل البشرى متعدد الثقافات ، وإلا كان الذى أحب القصص الروسية .. يخاف أن يكتب بالطريقة الإنجليزية ، فكل له طابعه ، مثلا .. طريقة التفكير الروسية لها طابع .. سبر الأغوار ، وطريقة التعبير الفرنسية دقيقة ومرهفة ، أما الإنجليز لغتهم كالقطار ، والأمريكان براجماتيين .. تعمل تأكل .. لا تعمل .. لا تأكل (دعه يعمل .. دعه يمر) ، شعارات محددة ، والغريب جداً أننى مقتنع بها.. فمنهجى هو التفكير الواقعى، إنجلترا ظهر فيها ما يسمى .. بالمنطق الموضوعى ، وكتب فى ذلك زكى نجيب محمود .. مؤلفاً كاملا.. لـ «برتراند راسل» لمنطق يرفض ألفاظ المطلقات فى أى لغة ، مثلاً الغيب.. فهو يرى أن الغيب الذى لا نعرفه ، إذن لماذا نسميه ونحن لا نعرفه أصلا.


أيضاً قضية الشك التى طرحها «ديكارت» .. لكنه عند علماء المسلمين .. الشك طريق لليقين ، وفى القرآن الكريم «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» ، (سورة الحجرات ، الآية 6).


ومن خلال ما سبق أرى أن الواقعية البراجماتية، وهى بدرجات، هناك درجة بالغة الذروة لكن عندى ضعيفة.


ولذلك الواقع يقول : إن كل منطقة لها واقعها ، فالسعودية يختلف واقعها عن واقعنا ، فلو كتبت بطريقة الواقعية المصرية فى السعودية .. ستقوم عليك الدنيا وعليه أعود لبداية السؤال .. أنا كنت حريصاً جداً.. لأننى أعتبر إبداعى القصصى بالذات .. حرمى المقدس - يعنى لو ظهرت فى رأسى قصة - أترك كل ما فى يدى مهما كانت أهميته .. وأكتب القصة أولاً وبدون تفكير.


ذات صباح .. حضرت دروسى واستعددت للخروج إلى حيث عملى بدار المدرسين حينما كنت أعمل مدرساً .. انفجرت فى رأسى قصة .. وأخذت تتحرك كشريط السينما .. ووجدتنى فى الحالة التى لا يحسها سواى.. وهى حالة ما أسميه بحلم اليقظة .. أى بين النوم والاستيقاظ .. حالة معلقة .. يتوهم فيها المخ أشياء مختلفة تماماً، تركت المنزل وفى الطريق وجدتنى أدخل كازينو الجزيرة .. صومعتى الخاصة للكتابة ، وجلست لأكتب .. 35 صفحة فلوسكاب.. قصة «القرين» .


وهى إحدى الغرائب فى القص المصرى ، وأؤكد على أن قرين «ديستوفسكى» يسير فى اتجاه .. غير الاتجاه الذى مشيت فيه أنا.


هذه القصة ؟ فرضت نفسها .. خرجت من الطين اللازب وحدها.


* لماذا تعد «أصوات» هى الرواية الأهم والأكثر تأثيراً فى إبداعك الروائى - والقصصى ؟


هى حالة بين القبول والمعارضة لحالة الختان فى المجتمع المصرى . أما الغرب فينظر إليها بمنظور آخر.. هو جريمة الشرق فى حق الغرب.


والنقاد أيضاً فكروا بطريقة أخرى .. وهى الأنا والآخر.


وقد أشرت إلى أن القصص الأولى التى عالجت تجربة الشرق والغرب.. كان روادها يحيى حقى فى «قنديل أم هاشم» ، توفيق الحكيم فى «عصفور من الشرق»، طه حسين فى «أديب» ، يوسف إدريس فى قاع المدينة» ، سهيل إدريس فى «الحى اللاتينى»، وأول من ناوش الآخر هو فارس الشدياق اللبنانى سنة 1830 .. وهو مصاب بالفالج ، حيث قام برحلة إلى فرنسا وإنجلترا أمضى فيها ثلاث سنوات، وعاد ليكتب مذكراته بعنوان «الساق على الساق فيما هو الفارياق «فارس الشدياق ».


حكى عن فرنسا وعن إنجلترا .. ما يجعلك توقن أن المجتمعات الغربية فى هذا القرن كانت متخلفة تخلفا تاما .. مع أنها دخلت عصر النهضة .. وليثبت لك أن التحضر يحتاج إلى وقت كبير لم تكن المدن نظيفة تسير فى الشوارع فى مجاريها الخاصة ورائحتها تملأ المدينة ، كانت القرى عندنا وقتها متحضرة عن ذلك .. فتحفر بئرا تتجمع فيه المجارى وبفتح البئر كل فترة.


وهذا الكلام رداً على سؤال .. لماذا الفرنسيون يهتمون بالعطور؟


كذلك كان لديهم فى كل دور فى البيوت حمام واحد مشترك لكل الدور .. فيقفون طابورا .. لكن نحن كان لدينا لكل حمامه الخاص .


* ما فهمته الآن أنك لم تتعمد أن تنتصر للغرب على الشرق كما يزعمون؟


- لا .. لم أتعمد ذلك .. ولم يخطر على ذهنى مطلقا .. وأؤكد ذلك بواقعة مع السفير الفرنسى فى مصر حينما قدمنى له أحد الأصدقاء فى إحدى الحفلات بفندق المريديان ، وقال لى بالعربية الفصحى .. أنت هو ؟ قلت نعم أنا هو .


قال : أنا أمضيت ليلة أبكى عندما قرأت روايتك «أصوات» على المرأة الفرنسية الضحية ، ضايقنى جداً كلام هذا الرجل ، وتملكنى الغيظ .. فقلت له : لعلمك هذه السيدة ليست فرنسية .، قال :من أى جنسية هى ؟ قلت : أمريكية، وبالفعل حقيقة هذه السيدة أنها كانت عضو فى مجلس الولاية فى نيوجيرسى، وصحفية لامعة، حضرت مع زوجها المصرى الاصل .. والذى أغتنى من العمل بالمطاعم الشرقية التى تنشأ فى أمريكا وقتها وحضرت معه إلى قريته بمصر بعد غياب 30 سنة وحدث أنها ماتت حينما قام بعض عجائز القرية بختانها .. واتفق المأمور مع حكيم الصحة والعمدة على دفنها لإخفاء معالم الجريمة وأعلنوا أن الوفاة طبيعية.


تركت السفير الفرنسى حزينا لأننى هدمت له ما كان يصبو إليه .. فالسيدة لم تكن فرنسية حتى يتغنى بحقد الشرق على الغرب.


* هل ترى معى أن العجائز فى رواية «أصوات» لسن من قتلن «سيمون» إنما العجائز فى كل زمان هم من يكرهون الشباب ويفترسون النبت الطيب؟


- أنا أردت أن أقول : إن عجائز النساء.. هن حراس التقاليد .. فالمرأة ترى .. أن ابنها لا يتزوج ابنة الفقراء .. تقاليد ، ولا يتزوج الفتاة المسيحية .. ورأيى منذ البداية أن المرأة المصرية هى التى تحافظ على عامود الشخصية المصرية ومعتقداته.


* نحن نعيش حالة من التخبط .. هل تعيش معنا هذه الحالة .. أم أن مخزونك الثقافى والسياسى والدينى .. خلال هذا العمر المديد يعطيك نتائج تطمئن قلبك للقادم ؟


- لماذا نقول تخبطاً .. ولا نقول حالة من الحوار الثقافى الاجتماعى؟ نعم الحوار - ملخبط - لكن هناك وجهات نظر .. ولا تخف من الحوار أبداً .. ولا من الاختلاف ستصل لنتائج حتمية .. ولن تكون إلا الصحيحة.


* إذن أنت لا تعيش حالة القلق التى نعيشها ؟


- نعم - وقلبي مطمئن للقادم - ولست قلقا، بالتأكيد الديمقراطية ستصيبها بعض الجرح.. وتقييد بعض الحريات.. خاصة الإعلامية.. وفي المجمل عبرت عما يحدث الآن في «الفسبكة».. بعنوان «قل ولا تقل».. قل: جيش الشعب، ولا تقل الجيش والشعب، ولا تقل الشعب والجيش، لماذا؟ لكي تعمل الوحدة بين الجيش والشعب فتقلل الصراع، فحينما أفصل الاثنين عن بعضهما البعض.. لابد أن يكون هناك صراع بينهما.. أو قابلية للصراع.


هذه الساعة تحتاج إلى القوة المنظمة.. لأن الدولة تسيبت ولا توجد فيها قوى قادرة على التنظيم غير مؤسسة منظمة بطبيعتها - وهي القوات المسلحة.


من أجل الصمود في مواجهة التشظي الداخلى... والقهر الخارجى .


* ما هى أحلامك العامة... ومشاريعك الإبداعية الخاصة فى المرحلة القادمة ؟


- أحلم كثيراً أن أولف فى الأخرة فأنا أسأل نفسي دائماً.. يا تري.. ماذا سنصنع في الجنة.. هل سنؤلف فيها قصص؟


* ماذا تقول للشعب المصري وأنت تملك هذا التاريخ وهذه التجربة؟


- لابد أن يحتضن الناس بعضهم بعضاً.. سواء تدخلت الدولة أو لا.


* وهل كنت تفعل هذا في مشوارك وتحتضن الأدباء الصغار؟


- نعم.. وخير شاهد علي ذلك احتضاني لـ«محمد المخزنجي» فهو تلميذي.. ونشرت له ولغيره الكثير من الشباب الذين لا أذكر أسماءهم الآن.


* ما هي مشاريعك الإبداعية في المرحلة القادمة؟


- ضحك ملء فمه.. وقال أرجل في السادسة والثمانين وله مشاريع وأحلام؟ أنا أنام.. وأفكر في القصة.. وحينما أتقلب وأغير وضع نومي.. أنسي القصة.


سليمان فياض


* ولد محمود سليمان عبدالمعطي فياض في 7/2/1929 بقرية برهمتوش مركز السنبلاوين محافظة الدقهلية.


* حصل على شهادة العالية من كلية اللغة العربية جامعة الأزهر 1956 وعلي العالمية مع الإجازة (تعادل الماجستير) 1979.


* روائي وقصصي وباحث وناقد أدبي.


* من رواياته: مجموعاته القصصية عطشان يا صبايا - القرين لا أحد - أيام مجاور.: أصوات - بعدنا الطوفان - أحزان وحزيران - وفاة عامل مطبعة - الذئبة - الشرنقة - ذات العيون العسلية.


* من أدب السير عن علماء وأدب العرب:


* من دراساته اللغوية والنحوية: معجم الأفعال العربية الثلاثية - الدليل اللغوي العام والنحو العصري.


* من دراساته الإسلامية: الوجه الآخر للخلافة.. أئمة الإسلام الأربعة.


* من أدب رسوم الشخصيات «كتاب النميمة».


*l حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب «2003».


وقد عاشت العائلة فى السنبلاوين وأنا عشت فى السنبلاوين والزقازيق.


أبى كان يتبع الطريقة التيجانية .. والتى يوجد مقرها بالغورية ..بالقاهرة الفاطمية ورائدها الشيخ حافظ التيجانى.. والذى كان يحفظ 300 ألف حديث كما يقولون.


وكان يرتدى ملابسه فوق بعضها لكن مرقعة وإن لم تكن مرقعة كانوا يرقعونها .. كنوع من التقشف والزهد..


وكانت لهذه الطريقة مكتبة . وكان أبى يذهب إليها ويطلب منى أن أذهب إليها، ولا أذهب لأننى رأيت ما هو أهم منها . باب الخلق.


* قرأت فى السنبلاوين.. نجيب محفوظ (خان الخليلى، زقاق المدق) وهذا كان تقريبا سنة 1946م.


قرأت معجزات السيد البدوى .. منها حينما قالت له أمه إنها تريد أن تصلى فى الكعبة وكانت تجلس أمام الفرن لتخبز الخبز.


فقال لها : هيا .. وحملها والفرن معها على رأسه وذهب بها إلى مكة. وقد ذهبت إلى كتاب الشيخ يونس..


وفى أحد الأيام .. كان معى مقص صغير وكوفية .. وكان الشيخ يريد أن يأخذهما منى وبالفعل أخذهما. كنت أخذتهما بدون علم أبى وأمى - فصرخت وقلت لكل من فى الكتاب فذهب إلى أبى واشتكانى له، ثار أبى وانفعل وضربنى علقة ساخنة .. لكنه لم يتحدث أخذ منى .. وحينما أردت أن أقول .. قال لى : اخرس - فخرست .


ثم تغذى الشيخ ومشى - وسألت أبى لماذا ضربتنى ؟


- واحتميت بجدى . وقلت ما حدث.


فقال أبى لا تذهب إلى الكتاب ثانية .. وطلب من جدى أن يتكفل بتحفيظى القرآن .. وبالفعل حفظت القرآن على يدى جدى.


وكان سن دخول الأزهر وقتها لايدخل أولى ابتدائى إلا من أتم 14 سنة.


وكان سنى 13 سنة .. فظللت عاما لمراجعة حفظ القرآن وهذا لم يحدث حتى قرب ميعاد الامتحان.. فأجلسنى أبى ليسمع منى ما حفظت.. فلم أجب.. فضربنى.


لكننى خلال هذا الشهر الأخير راجعت القرآن وسمعت عليه فى كل مرة 15 جزءا أى مرتين فى شهر واحد.


وبعد ذلك دخلت الامتحان وكان الامتحان فى حفظ القرآن . وبعض المسائل الحسابية والإملاء، واجتياز هذا الامتحان كان شرطا لدخول معهد الزقازيق الأزهرى.


وكان أبى له زميل دراسة اسمه عبدالمنعم الجداوى.. هو من تكفل بى حيث أدخلنى لجنة الامتحان الشفوى.. ويبدو أنه كان كبير المقام بينهم . فسألنى بنفسه..


هل تحفظ القرآن؟


- قلت نعم ..


قال : اقرأ أول سورة آل عمران .. فقرأت أربع آيات..


فقال : فتح الله عليك.. قم وانتهى الامتحان.


لا أخفيك سرا أننى فى هذه الفترة كنت قد نسيت القرآن بنسبة كبيرة جدا . وظللت هكذا حتى تخرجت .. مع أننى فى كل عام كنت أمتحن فى حفظ القرآن (شفويا وتحريريا).


* كيف هذا؟


- كنا نحفظ أوائل السور وأوائل الأرباع فقط .. حفط للامتحان .. وليس حفظا حقيقيا .


- الزقازيق .


بعد نجاحى فى الامتحان .. انتقلت إلى الزقازيق وعشت وحدى بعيدا عن أهلى فى سن مبكرة .. كطالب مجاور لمعهد الزقازيق الأزهرى. وكتبت عن هذه الفترة من حياتى «أيام مجاور».


كان يرسل لى أبى فى كل شهر جنيها ونصفاً ذهب - آخذ مقابلهم ورق كسند .. وكان الجنيه المصرى وقتها أعلى سعرا من الجنيه الذهب.. فتأخذ فارق قرشين. كنت أدفع منهم أجرة الغرفة التى أسكنها 25 قرشا، وآكل وأشرب فى اليوم بخمسة قروش - اشترى بها نصف كيلو لحم ، وبطيخة شيليان، وخضار ، ويتبقى نصف تعريفة ، رغم ذلك كان المبلغ لايكفينى .


* هل هناك من تعلم غيرك في الأزهر من الإخوة أو الأخوات ؟


- لا.. لأن أبى حينما أراد أن يدخل أخى الأزهر.. اعترضت تماما وحذرت والدى أمام جدى إن أصر على دخول أخى الأزهر.. سأتركه أنا.. وقلت : يكفى واحد فى العائلة.


* لماذا ؟


- لم استرح للمشايخ ولا للعمم .. ولا للبس العمامة.


* لماذا؟


- لأننى متمرد.


* قلت إن فى الأزهر ازدواجية المعايير ماذا تعنى بذلك؟


- لا .. أقصد ازدواجية الحياة نفسها .. مثلا «أنت تعيش حياة حرة وتدخل الأزهر تعيش حياة مختلفة لها قواعد وضوابط الأزهر.. بدءا من الزى الأزهرى ولبس العمامة..


مرورا بالسلوك اليومى فى الشارع وانتهاء بالدراسة داخل المعاهد الأزهرية


فالبلد كله يعانى من انفصام فى الشخصية بين التعليم الدينى والتعليم المدنى.. وللأسف لا تقارب بينهما ولا يتفقان أبدا.. حتى الآن فدائما تجد المشايخ يرددون «الإسلام دين ودولة» وللأسف كل عملهم أن يدعوا للحاكم على المنابر منذ الأزل وحتى اليوم .. فلم أقتنع بهذا..


وكذلك وجدت طلبة المدارس الفنية كالصنايع وغيرها يدرسون علوما تمنيت أن أدرسها.. وليست موجودة فى الأزهر .. كذلك لم يعجبنى مستوى الحياة بين طلبة الأزهر وأظن وبين أبناء القرى جميعاً.. فقر وبؤس .. ووجدت أن المظهر غير المخبر.


تجد أحدهم يعمل مرابيا كما ذكرت كل هذا تفصيليا فى «أيام مجاور، وما أردت أن أقوله وذكرته فى نهاية أيام مجاور أنه لا شخصية مقدسة لا العلماء ولاغيرهم من بنى البشر .. والقداسة لا وجود لها .. وطلبة الأزهر فيهم الخير وفيهم الشر مثلهم مثل باقى البشر.


* كيف تكونت ذائقتك الإبداعية؟


- تكونت مصادفة وأنا فى الصف الثالث الابتدائى فى الأزهر جلست مصادفة فى الفصل بجوار زميلى أبو المعاطى أبو النجا، ومع الوقت تكونت الصداقة بينى وبينه وكنت لا أحب أن أكتب موضوعات الإنشاء .. وكان يدرس لنا الفقه والإنشاء الشيخ/ القناوى .. وفى يوم أعطانا موضوعا بعنوان «الحرب والسلام» اشتريت كراسة وكتبت الكراسة بالكامل حوالى 32 صفحة عن الموضوع.. وسلمتها للشيخ.


وبعد ذلك حضر إلينا ونادى على اسمى كاملا محمد سليمان عبدالمعطى فياض.


فأجبته نعم.


قال : تعال واقرأ موضوعك لزملائك - فتوترت فقال : هذا كاتب - وكتب فى آخر الكراسة أرجو أن تذكرنى حينما تصبح كاتبا كبيرا.


- وظــل بعــدها أبو المعاطــى أبو النجا زميلى وصديقى حتى فى معهد المنصورة.. إلى أن وصلنا مرحلة الجامعة .. فدخل هو كلية دار العلوم.. ودخلت أنا كلية اللغة العربية.


* نعود إلى مرحلة تكوين الذائقة الإبداعية.


من خلال دراستى فى الأزهر وقراءاتى الحرة للترجمات وغيرها .. قلت أنا ذو الثقافتين .. لأننى استطعت أن أعمل توازنا بينهما وأظن أن كل الفلاسفة المسلمين استطاعوا أن يعملوا توازنا .. فكل من آثار قضية الدين والعلم .. وأولهم الكندى - الذى استطاع أن يعمل توازنا بين الدين والفلسفة، كذلك البيرونى الذى درس الفقه والنحو .. وجمع بين ثقافة الدين وثقافة اليونان والهند والصين ومصر .


* هل كنت مميزا فى المواد الشرعية؟


- حينما أحب أن أبحث .. أبحث بجد.. أحيانا مخ الإنسان يعمل بمقولة «من تبحر فى علم توصل به إلى سائر العلوم».


يبدو أن العملية عملية نمو التفكير .. وأنا شغلت بقراءة القصة أكثر من غيرها .. إلى أن انتقلت إلى معهد المنصورة.


- فى إبداعك الذى تفجر من المعايشة الواقعية للأحداث فى القرية.. هل ترى أن هذه المعايشة هى العامل الأعم فى تميزك السردى؟


فى بداية حياتى عملت مدرسا.. وعينت فى البدارى سكنت فى بيت مهجور منذ أربع سنوات .. لأنه كان يوما يسكنه المأمور وقتل به. وفرح بى أصحاب البيت .. لأننى حللت عقدة الشقة دون أن أعلم .


تكوينى الحقيقى تم فى المنصورة


ويرجع الفضل فى ذلك لطالب فى مدرسة الملك الكامل الثانوية كان فى الصف الثالث الثانوى واسمه عبدالجليل السيد حسن».. كتبت عنه بورتريه فى «كتاب النميمة بعنوان «الأستاذ».


هو أستاذى طبعا.. شاب درس فلسفة يونانية .. عقل منظم.. موثوق به فى المكتبة . أمين المكتبة دائما يلبس جبة وقفطان وسمين ودائما يكون نائم.. اسمه الحاج أمين، والملاحظ غير موجود. والمكتبة بها 30 ألف كتاب.


وجدنى هذا الشاب وأنا أقرأ بعض روايات الجيب والتى كنت نهماً لقراءتها جدا فى هذه الفترة وسبقتها فترة السنبلاوين وأظننى تخرجت من روايات الجيب .. وما شوقنى لهذه الروايات الحبكة.. كذلك مناقشة جميع الجوانب .. وكل الاحتمالات فإذا انتقل كل هذا إلى الحس الأدبى يصنع شيئا رائعا .


* لماذا اعتمدت علي الموروث والأسطورة الشعبية.. في بداياتك الأدبية .. تحديدا في روايتي «عطشان يا صبايا وأصوات»؟


- قبل ذلك لم تكن هذه القصص عطشان يا صبايا .. بل كتبت قصة بعنوان .. «الذبابة البشرية» وأرسلتها لمجلة «الآداب» .. فنشروها ..


أسلوبها أسلوب زياتى.. وجملها وسياقها منفلوطى لكن التجربة التى تحكمها فى غاية الرقة والشفافية، قال عنها صلاح عبدالصبور :


لغة هذه القصة لم تعجبنى .. هناك لغة أبسط من ذلك .. لكن الرواية التى بها .. هائلة .. واللفظة .. هائلة، استمر ورد علىَّ سهيل إدريس.. بأننى نشرت القصة من باب التشجيع .. رغم أنك فيها رومانسى.


لكنك كاتب واعد؛ قبلها كتبت عشر قصص.. وأرسلتها للزيات لاينشر ولايرد وأرسلت له مقالاً نشره .. كل هذا فى المرحلة الثانوية فى المنصورة .. لدرجة أننى قلت لنفسى .. «أنت مش قصاص واتنيل اسكت».. فى السنة الثالثة ولأننى كنت قارئاً لهم أصبحت صديقا لـ وحيد النقاش - والذى قال لى يوما- إن أخى «رجاء» يحتاجك أن تكتب معه صفحتين أدب فى رويتر فى مجلة الراديو . وبالفعل .. عملت معه. أعود إلى عبدالجليل حسن - حينما قال لى : من هم أحسن القصاصين فى نظرك .. قلت له فلان وفلان..


قال : كل هؤلاء قصصهم لعب عيال .. قلت له وهل هناك قصص ليست لعب عيال . قال .. لا يوجد قصص مطلقا.. الثقافة كتب فلسفة.. وعلم اجتماع .. هكذا كانت تركيبته.


وهذه الكلمة قالها عبدالعزيز الأهوانى.


فى تلك المرحلة توقفت عن الكتابة سنتين .. وفى الوقت نفسه أعمل على إخراج صفحتى الأدب منوعتين .


* علي ذكر الواقعية - في اتجاهك الإبداعي كتبت القصص الواقعية .. هل كنت تتعمد ذلك .. أم النشأة والبيئة هما ما فرضا عليك ذلك.


لا .. مطلقا ، وصلت إليها بعد تجارب ، كتبت قصة وحيدة من أدب الرومانسية فى البدايات بعنوان «سندريلا» تختلف تماما عن ذلك.. كانت عن التعلق وكانت بداية الواقعية هى فترة البسطاء الشرفاء يزعم ذلك الحزب الشيوعى والأدب الشيوعى والواقعية الاشتراكية ورغم محاولاتى العديدة.


وكل هذه القصص.. ولا واحدة فيها .. سمعت.. رغم أننى كنت قد تعرفت على نجيب محفوظ ويوسف إدريس لكننى كنت أجلس على أطراف القعدة الأدبية معهما.


أجلس كمراقب ومستمع .. ثم انقطعت عن الكتابة لمدة عامين مرة أخرى.


وفجأة ضربت رأسى «عطشان يا صبايا» فكتبتها وكتبت أربع عشرة قصة قابلت يوسف إدريس وقتها . كنت عائدا من السعودية ووفرت مبلغا من المال أستطيع أن أنشر به مجموعة قال أقولك نصيحة.. قلت نعم.. قال : حينما تحاول طبع كتاب لك.. إما أن تضمن أن «يفرقع» أو لا تطبعه، لأنه فى ذهنه أنه من عمل «أرخص ليالى» «نزل فرقع » قلب موازين أسلوب القص.. وبالفعل اخترت ثمانى قصص ونشرتها فى مجموعة «عطشان يا صبايا» وسافرت إلى السعودية حيث أعمل مدرسا.. وعدت وجدت مكتوبا عنها خمسة عشر مقالا لأن الساحة الأدبية أحست بنفس جديد، بعدها ..


دعيت إلى ندوة. حضرها رشدى صالح» قال لى: لماذا لم تكتب سوى «أصوات» من الأدب الشعبى؟ قلت له لا أعرف غير ذلك.


قال : أحكى لك. قلت: لا .. لابد أن أعايشه.


وقتها تسلل إلى ذهنى كلام هيمنجواى «لاتكتب إلا برؤيتك أنت، واكتب عن ما عشته أو عايشته بمعرفة وثيقة».


ولم أستخدم أسلوبه البرقى ولكنى استفدت من عدم الحشو.. ورأى هيمنجواى فى ديستوفسكى أنه كاتب عظيم جدا.. لكن ما يعيبه أن قصصه مليئة بالحشو.


* من أجل ذلك كانت رواياتك كلها قصيرة؟


- نعم .. لأن هذا كان هو طابع العصر .. فمثلا شتاينبك كان يكتب كذلك.. وأرى أن الدراما عنده أعلى من هيمنجواى.. فهو كاتب درامى من الدرجة الأولى.. حتى وهو يكتب فى أمور عقيدية مثل «إله مجهول» أيضا «اللؤلؤة» و«أفول القمر»، «الشارع السردين المعلب» التى كونت جيلنا كله؛ كل هذا فى الخمسينيات قلب كيان المؤلف المصرى.. لدرجة أن صديقنا محمد البساطى ظل أسيرا لما فعله بنا شتاينبك.


* هل الدراسة في الأزهر أثرت علي توجيه إبداعك؟


- الدراسة فى الأزهر تنمى منهج التفكير لدى المبدع والتعبير.. وقيل.. وقيل.. هذه وجهات نظر.. تفتح التفكير.


المنطق الأرسطى أثر فى منهج الفكر الإسلامى على تعدد الاتجاهات وأثر فى تأليف علم النحو.. وأثر فى علم الكلام.. ما يعادل الفلسفة الإسلامية.. وهل البعث بالجسد أو بالروح.. كلها احتمالات.. وكل هذا حينما يصل إلى عقل المبدع يكون له نتائج أخرى.. إذا كان المبدع مستعدا لهذا النوع من التفكير، وأنا نتيجة نشأتى مع أب متدين ومجتمع متدين.


- كنت سأكون مثلهم فى التدين.. لأن هذا تدين غيبى إنما هناك تدين علمى من خلال المعرفة.


* من لم يدرس فى الأزهر .. الجملة لديه لا حدود لها ويقال عنه إلهامه شيطانى.. وليس ملائكياً.. فهل كان شيطانك ملائكيا.. أم شيطانيا؟


- هذا صحيح جدا.. لمسته أثناء كتابتى «أيام مجاور»، و«الشرنقة» كنت أود أن أعبر عن أشياء خارجة بخلاف ما تعلمته فى الأزهر وبطريقة لايرفضها الأزهر .. فأكتب عن تجربة جنسية دون أن أذكر لفظاً يخدش الحياء.. ودون أن أذكر عضوا تناسليا أو أتتبع الجنس الصريح،، وهذا تحسبا للرقيب.


* الرقيب الداخلي .. أو الخارجي؟


- أدب النميمة كتب بدون رقيب داخلى.لأننى لو لدى رقيب داخلى قوى لتوقفت عن الكتابة فدائما أبحث عن المخرج لنفسى.. فكرة التوازن الداخلى.


* بمعني آخر ما معني ازدواجية المجتمع الأزهري؟


- فى الأزهر فى الزقازيق «أقمنا معركة مع شيوخنا» كنت أود أن ألبس بدلة.. يقولون .. لا «عمة وكاكولا» ، أود أن أمشى عارى الرأس بدون عمامة يقولون لا .. عيب.


أود أن أذهب إلى السينما .. يقولون .. قلة أدب.


وفى يوم وأنا أرتدى عمامة وكاكولا وأسير فى شارع عباس فى الزقازيق وقع منى «شلن» وسار أمام .. أثناء مرور أربع فتيات .. وفكرت فى أن العمة ستقع وسيضحكون على .. وتركت الشلن ومشيت ونظرت خلفى .. وجدت فتاة منهن أخذت الشلن وأخذن يضحكن على، كذلك طلبة الأزهر الذين كانوا يذهبون لممارسة الجنس فى دور البغاء فى حى كفر عبدالعزيز عجبا.


.. وهناك قصة واقعية ذكرتها فى حى كفر عبدالعزيز.. هذا الكفر كان كله كذلك .. وكان البغاء معترفا به فى مصر وقتها.


* لماذا حينما عقدت مقارنة بين الشرق والغرب في «أصوات».. انتصرت للغرب علي الشرق؟


- بصراحة.. كتبت هذه الرواية من أجل محاربة الختان.


* فقط .


- فقط.. والباقى خرج ردود فعل لما حدث.. فضرب نغمة الختان وقتها.. حدث له ترددات أخرى لم أقصدها.