نكسة عطاء

26/02/2015 - 11:36:32

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

كما قلنا في حلقة ماضية فالتضحية يجب أن تبذلها دون أن تسأل عن ثمن لها، ويجب أن تؤديها بما يتناسب مع إمكانياتك وإلا تحولت من مضحٍ إلى ضحية، لكن هل للتضحية أشكال؟ التضحية الحقيقية هي أن تبذل من وقتك أو مالك أو جهدك مدركا لما تفعل مقدرا لظروف من تضحي من أجله، تعطيه ما يحتاج ولا تمن عليه، تفعل ما تفعل وأنت تعلم جيدا أنه واجبك ولا تسأل مقابلا ولا تنتظر مردودا، وإلا فهي ليست تضحية لكنها سلوك ارتدى ثوب التضحية.


التضحية هروبا


غالبا يأتي هذا الشكل للهروب من الوحدة أو عدم اهتمام الآخرين، تحتاج الآخرين ولا يمكنك الحياة بدونهم، ترعبك الوحدة، لذلك تبذل نفسك لمن تجد فيه العوض، وأنت تفعل هذا لسبب من اثنين، إما لتضمن بقاء من تضحي من أجله بجوارك طالما هو محتاج إليك، وإما لأنك تعلم جيدا أنك لن تفوز به إلا عن طريق التضحية، هذه الشخصية تعتقل من تضحي من أجله، وهي شخصية تحاول دائما أن تصبح هي المنقذ الوحيد له لذلك فهي تشكل حياتها وفقا للآخرين، وعندما يختار الآخرون طريقا لهم لا يضمها تثور وتذكرهم بتضحيتها.


التضحية للسيطرة


شخصية تريد امتلاك الآخرين لذلك تضحي من أجلهم، شخصية تعطي لكن عطاءها مشروط بإمكانية تحكمها فيمن تضحي من أجلهم، لذلك كلما حاولوا الفرار منها أشهرت قائمة تضحياتها من أجلهم، وإذا لم تفلح هذه الطريقة هددت بتركهم، وإذا استعصى عليها إبقاؤهم أصابتها الأمراض محاولة للتأثير في مشاعرهم، وقد تصبح بالفعل حبيسة المرض، هى لا تدرك أنها تحتاج أن تجلس مع نفسها لتفهم أنها ما ضحت من أجلهم لأجلهم، لكنها كانت تضحي للسيطرة على وجودهم.


تضحية الانتحار


وهو نوع عجيب من التضحية، فالمضحي لم يجد وسيلة أخرى للانتحار، هو شخصية غير مستقرة لذلك تأتي تضحيته هيستيرية، يفني نفسه ويبالغ في تضحيته بصورة لم تطلب منه، يلذ له معاقبة ذاته، ومهما يعطي يتصور أنه قصر في حق من يضحي من أجلهم، عنده إحساس مرضي بالذنب، دائما متوتر لدرجة أنه ينقل توتره لمن يضحي من أجلهم إلى أن ينتهي بهم المطاف لإحساسهم هم أنفسهم بالذنب من أجله.


التضحية الفخ


وهي التضحية التي يبذلها إنسان غير مستعد لها لكنه وجد نفسه مطالبا بها فلم يدرس إمكانياته قبل الإقدام عليها، فأقبل عليها دون وعي وبدافع من العواطف، ولم يستعد جيدا لها، غالبا تقع النساء في هذا النوع، حيث إنها مخلوق عاطفي يتأثر لمتاعب الآخرين، لذلك قد تندفع في قرارها بحمل المسئولية دون أن تحسب وبدقة حجم العمل المطلوب منها، وما إذا كان هذا العمل يناسب إمكانياتها واستعداداتها أم لا، الأخطر أنها كثيرا ما لا تحسب مدى إمكانيتها على الاستمرار، والاستمرار شرط أساسي للإقدام على التضحية وإلا أصبحت تجربة فاشلة.


قبل أن نتخذ قرارنا بالتضحية لابد أن نعرف جيدا حجم الدور المطلوب منا ومدى استعدادنا له وهل سنتسطيع الاستمرار؟ وإلا عرضنا من نضحي من أجله لنكسة عطاء، فبعدما رتب نفسه على أن هناك من يمكنه مساعدته يجد نفسه وقد أصبح وحيدا في منتصف الطريق، لكن علينا أيضا أن ندرك جيدا، أننا يمكن  لنا أن نختار أن نضحي أو لا نضحي مع كل البشر وهذا يعني أننا مدركون لحجم مسئولياتنا، إلا إذا أصبح من سنضحي من أجلهم هم آباؤنا وأمهاتنا وفلذات أكبادنا، فلا اختيار لنا في هذا الحال، نحن مكلفون بهم مهما كان حجم التضحيات ومهما بلغت قلة إمكانياتنا.