وعيها السياسي بدأ مع ثورة 1919.. أم كلثوم .. مصر دايما فى خاطرها

23/02/2015 - 11:39:09

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - محمود الرفاعي

حينما تقرأ وتسرد مسيرة أم كلثوم السياسية، ربما تشعر للوهلة الاولي أنك تقرأ وتنبش في تاريخ مصر الجميل، فكوكب الشرق عاصرت مرحلة ربما تكون من أحلي وأصعب مراحل مصر السياسية وهى الفترة التي اهتزت فيها مصر الملكية وأيضا هي الفترة التي نبتت فيها الجمهورية.


بالأرقام، نري أن أم كلثوم التي ولدت عام 1904 ورحلت عن دنيانا عام 1975، عاصرت ثمانية حكام، فبدأت مسيرتها كطفلة في عهد عباس حلمي الثاني وأكملت المسيرة مع السلطان حسين كامل، ثم السلطان أحمد فؤاد، الذى حمل لقب "الملك فؤاد الأول"، وخلال عهده انتقلت أم كلثوم إلى القاهرة، وبعده جاء ابنه الملك فاروق الأول، وفى عهده تربعت أم كلثوم على عرش الغناء، وعندما قامت ثورة يوليو، عاصرت أم كلثوم ثلاثة رؤساء لمصر، هم محمد نجيب وعبد الناصر والسادات.


يكاد ويستحيل أن تجد أوراقا أو تسجيلات لكوكب الشرق تتحدث فيها باستفاضة عن حكم عباس حلمي الثاني أو حسين كامل، حتى التعليق على فترة حكم الملك فؤاد لم تتحدث فيها كثيرا، ولكن المؤكد أن علاقة الراحلة بالسياسة بدأت عام 1919 وبالتحديد وهي تبلغ من العمر 15 بعد أن زارت القاهرة لأول مرة وهو العام الذى شهد ثورة الزعيم سعد زغلول.


سمعت أم كلثوم لأول مرة عن السياسة وويلاتها وحروبها مع اقتراب الحرب العالمية الاولي من نهايتها "1914-1918" ورغم عدم مشاركة مصر فيها إلا أن مصر كانت تتضرر دائما من أية حروب يشارك فيها المحتل آنذاك بريطانيا، وربما يكون أول تعبير أو تصريح سياسي لأم كلثوم كان شعورها بالألم والخزي في ذلك الوقت من حكام مصر، حينما رأت وهى طفلة صغيرة قوات الاحتلال تخطف شباب وزهور مصر للعمل في السلطة "أعمالا متعلقة بالحفر وشق الترع والتنظيف" ومن يرفض الذهاب كان يضرب ويجلد أمام مرأي ومسمع الجميع، ولا تخفي سيدة الغناء العربى فرحتها أيضا حينما كانت تسمع عن مظاهرات المصريين التي كانت تقوم ضد قوات الاحتلال.


ثورة أم كلثوم الغنائية السياسية انطلقت مع رحيل زعيم الأمة سعد زغلول الذى توفي عام 1927، فحينها رفضت أن تغنى في حفلها قبل أن يمر 40 يوماً على وفاة الزعيم الخالد، وبعد فترة الحداد قررت أن تبدأ حفلها بنشيد سعد الذى كتبه أحمد رامي ولحنه محمد القصبجي.


كما قلنا من قبل إننا لم نعثر على تصريحات مباشرة للسيدة أم كلثوم ترحب أو تشجب فترة حكم الملوك، ومع فترة حكم الملك أحمد فؤاد، نري بشكل غير مباشر أن أم كلثوم لم تكن تحب سياسة حكمه، وكانت ترفض أساليبه وخضوعه للاحتلال، وذلك من خلال قصة روتها عام 1935، حين زار مستر هور وزير الخارجية الإنجليزي الأراضي المصرية وكان الشعب غاضبا من تلك الزيارة بسبب الاعتداءات الوحشية التى يرتكبها المحتل ضد المصريين، ومع ذلك كان الملك يرحب بالزيارة، قالت أم كلثوم عن هذه الزيارة:


" لا أنسي هذا اليوم حيث إنني كنت عائدة إلى منزلي بالزمالك، وشاهدت المظاهرات الحاشدة التي كانت ترفض استقبال الوزير، ويومها رأيت أربعة من الشباب يجرون هروبا من الرصاص المتطاير وطلبت من السائق أن يقف وفتحت باب السيارة لهم لكي يختفوا عن أنظار الإنجليز، حاولت أن أهديء من روعهم وتعرفت عليهم واحدا تلو الآخر، وأوصلتهم إلى كوبري أبو العلا كما طلبوا، ولكن ما أصابني بالحزن والألم هو معرفتي بخبر وفاة أحدهم وكان يدعي عبد الحكيم الجراحي بعد هذا الموقف بيومين".


الحرب العالمية الثانية


تروى الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى كتابها عن أم كلثوم أن الحكومة البريطانية طلبت من مخابراتها العسكرية القبض على أم كلثوم ونقلها إلى لندن خوفا من أن يخطفها الألمان لاستغلالها فى الدعاية لصالحهم، وأكد ذلك مدير الإذاعة المصرية فى ذلك الوقت "سعيد لطفى"، وقال إن محطة الإذاعة البريطانية عرضت عليه سفر أم كلثوم إلى لندن لتسجيل أغنية مقابل مائة جنيه، ولكن أم كلثوم لم تقع فى هذا الفخ، ورفضت هذا العرض دون أن تعلم الهدف الحقيقى لهذه الرحلة. وفى نفس الوقت أنشأت حكومة إيطاليا سنة 1937 إذاعة لاسلكية للدعاية المضادة لدعاية الحلفاء، وعرضت هذه الإذاعة على أم كلثوم إحياء حفلات خاصة لها ورفضت أم كلثوم هذا العرض أيضاً.


الفاروقيات


أما علاقة كوكب الشرق بالملك فاروق، ففي البداية كانت تشجعه وتغني له وتؤيده ولكن مع حرب فلسطين وانتشار خبر صفقة الأسلحة الفاسدة انقلبت عليه.


لكن قبل ذلك قدمت عدداً من الأغاني، وكانت أولها أغنية بعنوان «جنة الوادي»أذيعت في مايو من عام 1936 بعد تولي الملك العرش بأشهر قليلة، وهي قصيدة من سبعة أبيات كتبها أحمد شوقي ولحنها رياض السنباطي، تقول بعض كلماتها:


الملك بين يديك فى إقباله .. عوّذت ملكك بالنبي وآله


حر وأنت الحر فى تاريخه .. سمح وأنت السمح فى أقياله


يفديك نصرانيّه بصليبه .. والمنتمي لمحمد بهلاله


يجدون دولتك التي سعدوا بها .. من رحمة المولى ومن أفضاله


يا جنة الوادي ونزهة روحه .. ونعيم مهجته وراحة باله


فاروق جمّلها وزان ضفافها .. عرش يلوذ الشعب تحت ظلاله


وكأنّ عيدك عيدها لما مشى.. فيها البشير ببشره وجماله


في فبراير من عام 1937، أنشدت أم كلثوم من شعر أحمد رامي الفاروقية الثانية احتفالاً بعيد ميلاد الملك، وهي من نوع النشيد العسكري المعروف بـ"المارش"، مطلعها:


إجمعي يا مصر أزهار الأماني .. يوم ميلاد المليك


واهتفي من بعد تقديم التهاني .. شعب مصر يفتديك


طلع السعد عليها .. يوم ناداها البشير .. قائلا فاروق هلا


واختارها الملك فاروق يوم الخميس 20 يناير 1940 لكي تحيي حفل زفافه التاريخي علي الملكة فريدة وغنت لتلك الاحتفالية بقصيدة لأحمد رامى وألحان رياض السنباطى


يا بدر لما جبينك لاح على العيون اللى تراعيك


تمت لنا كل الافراح وفضلت الارواح تناجيك


ما حلاك فى سماك فرحان ببهاك يا بهجة الروح يا قمر


تملأ القلوب بهجة وأحلام وتنادم الروح وتمنى


وإحنا على طول الايام نفضل نبارك ونهنى


واستمرت الأغاني، فقدمت بمناسبة الجلوس على العرش بعام 1941 اغنية جديدة من شعر أحمد رامي وألحان محمد القصبجي، مطلعها: "لاح نور الفجر فى عيد الجلوس.. باسما بالأمل المزدهر"، و امتدحت فاروق، وقالت: "يا مليكا عرشه في دولة العزّ مكين/ كل قلب في الحنايا لك راع وأمين".


وبعد خمس سنوات، ولمناسبة عيد ميلاد الملك في فبراير من عام 1946، عادت كوكب الشرق وغنّت من شعر رامي ولحن السنباطي ويقول مطلعها


أيقظي يا طير نعسان الورود .. تنهل الأقداح من خمر النّدى


وترى في بسمة الفجر الجديد .. مولدا باليمن والسعد بدا


أشرقت آمال مصر في سناه .. ومشت للمجد في نور اليقين


حقّّق الفاروق للنيل مناه .. في ظلال اليمن والعز المكين


صاحبة العصمة


واستمرت العلاقة القوية بين أم كلثوم والملك وتوطدت بقوة عام 1945 حينما أقامت حفلاً لتمويل جامعة الدول العربية وتأييد فكرة إنشائها، وحضر الملك فاروق هذا الحفل مع عدد من الملوك والزعماء العرب وفى حفل زفاف زواج الأميرة فوزية - شقيقة الملك فاروق - من ولى عهد إيران محمد رضا بهلوى الذى أصبح شاه إيران بعد ذلك وتغنت خلال الحفل بأغنية من كلمات بديع خيري وألحان السنباطي:


مبروك على سموك وسموه .. دا تاج إيران والنيل الغالي


ياللي القمر قــال لك في علوه .. أغيب وتطلعي انتي بدالي


يا بخت مملكتين بفرحكم الاثنين


وفى حفل آخر بالنادي الأهلي وبالتحديد يوم الأحد 24 سبتمبر 1944 فوجئ الحاضرون بدخول الملك فاروق وجلوسه إلى جانب أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى وارتجلت أم كلثوم تحية للملك فى أغنيتها، وبعد أن انتهت من الغناء طلب الملك إعلان قراره بمنحها وسام الكمال الذى يعطيها لقب "صاحبة العصمة" ويجعلها مساوية فى البروتوكول لأميرات الأسرة الملكية، وأثار ذلك ثائرة الأميرات حتى أن إحداهن أعلنت فى الصحف أنها سوف ترد الوسام الذى منحه لها الملك، وتبعها عدد من الأميرات وزوجات رؤساء الوزارات، وأصيبت أم كلثوم بصدمة جعلتها تنطوى على نفسها إلى أن زارتها فى بيتها السيدة صفية زغلول «أم المصريين» وهنأتها بالوسام الذى جعلها مساوية لأميرات أسرة محمد على.


حرب فلسطين


فى مايو من عام 1948 ذهبت الى فندق الكونتننتال بميدان الاوبرا لتشاهد موكب الجيش المصري المسافر الى فلسطين ويومها كانت الدنيا لا تسعها من الفرحة وهى تري هؤلاء الجنود وقد وطدوا العزم على تطهير قطعة من الأرض العربية من عصابات إسرائيل كان قلبها مع كل مقاتل .


كانت الراحلة يوميا تستمع الى الإذاعة من أجل أن تعرف أخبار الجنود في معاركهم، وحينما علمت بحصار الجنود في الفالوجا كان بعض أقاربها يحمل لها الأخبار من هناك وكانت تذهب إلى محطة الإذاعة لتبعث برسائل الى الجنود البواسل وتقدم لهم بنفسها الأغنيات التي يطلبون سماعها.


كانت أولي الازمات الكبرى التي عصفت بأم كلثوم مع الملك فاروق هي حينما رفضت طلب رجال الملك إلغاء حفلها الذى كان من المقرر أن يقام بعودة رجال الجيش من فلسطين، حيث نقل لها رجال الطبقة الملكية أمراً من الملك فاروق بمنع إقامة الحفل، ولكنها رفضت الامر وأقامت الحفل الذى حضره العديد من الجنود والضباط، ولم تكن أم كلثوم السبب الرئيسي وراء منع الملك من إقامة الحفل، ولكن بعد شهور من الحفل علمت بأن الملك كان يخشي أن تتسرب أنباء الأسلحة الفاسدة التي كان هو المستفيد من شرائها والتي تسببت فيما بعد باتهامه بكونه عميلاًَ إسرائيلياً استعمارياً، ولهذا أيضا قررت أم كلثوم عدم الغناء مرة أخري في القصر الملكي وأبدت استعدادها لإعادة الوسام الذي حصلت عليه منه.


الثورة ونجيب


شاء القدر، أن ينتهى نظام الملكية بمصر قبل ان يسئ او يضطهد أم كلثوم، فمع الأيام الأولي للثورة، يؤكد عدد من المصادر التاريخية أن أول أغنية لثورة الضباط الأحرار، كانت من أم كلثوم وهى قصيدة «مصر التي في خاطري».


وعندما أعلن قيام الثورة كانت أم كلثوم فى إجازتها السنوية فى رأس البر، فقطعت الإجازة وتوجهت إلى مجلس قيادة الثورة لتنضم إلى المؤيدين للثورة، ولكن بعض رجال الثورة كانوا يعتبرونها من "العهد البائد" لأنها غنت للملك فاروق وللبشوات وحصلت منه على أعلى وسام، فمنعوا أغانيها من الإذاعة، وقرروا أن تكون ليلى مراد هى مطربة مصر الأولى بديلاً عن أم كلثوم، واختاروا ليلى مراد لتطوف البلاد فى "قطار الثورة" لتغنى للدعاية للثورة وسط الجماهير، كما اختاروها للغناء فى أول حفل بمناسبة عيد الثورة.


وكذلك قبل ثورة يوليو، رشحت أم كلثوم نفسها لمنصب نقيب الموسيقيين فى عام 1951 وكانت تفوز بالمنصب بالتزكية ولا يرشح أحد نفسه أمامها اعترافا بمكانتها، لكن هؤلاء الضباط الأحرار الذين كانوا نشطين قبل الثورة أيضا، اقنعوا الموسيقار عبد الوهاب بأن يرشح نفسه لمنافسة أم كلثوم فما كان منها إلا أن أعلنت انسحابها واعتزال الفن واعتكفت فى بيتها.


نكسة يونيه 1967


حينما علمت أم كلثوم بنبأ النكسة المحزنة واستمعت الى خطاب عبد الناصر قالت: نزلت الى بدروم منزلي في الزمالك وجلست في غرفة مظلمة لا اتحدث مع أحد ولا أقابل احدا أكثر من أسبوعين فقد كنت في حالة أقرب الى الذهول من مفاجأة النكسة بعد ان امتلأت ثقة بالنصر من البلاغات العربية وأحاديث المذيعين.


واختمرت في رأسي أفكار نفذتها بعد ذلك، فقد سألت نفسي ذات يوم ماذا يمكن أن أقدم لوطني الجريح؟ ماذا يمكن أن افعل لأمسح دمعة أو أضمد جراحا لأضع ابتسامة فوق شفتي ابن شهيد؟ وخرجت بخطة للعمل أن أغني في كل مكان وأجمع نقودا وذهبا للمعركة.


انتصار أكتوبر


لم تعش كثيرا أم كلثوم في فترة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ولكنها تعايشت مع نصر حرب أكتوبر المجيدة، أعربت عن سعادتها وفخرها بهذا الانتصار العظيم الذى حققه جنودها بعد قهرهم للقوات الإسرائيلية وإلحاق الهزيمة بهم.


ثومة وجيهان


علاقة أم كلثوم بالسادات كانت قوية الى حد ما، ولكن هناك عدة شائعات أو أقاويل كانت تؤكد وجود مشاكل بين المطربة والسيدة جيهان زوجة الرئيس الراحل، وأبرز تلك المواقف ظهرت حينما قامت أم كلثوم بزيارة السادات كي تهنئه بالرئاسة، إذ قالت له (مبروك يا أبو الأناور بقيت الريس) ما أثار حساسية أشعلت المعارك ضدها فيما بعد... وثمة رواية أكثر إثارة لهذه الواقعة، تقدمها مصادر أخرى ، إذ يذكر بعضهم أن أم كلثوم هنأت السادات بالقول: (مبروك يا أبو الأناور) فنهرتها السيدة جيهان بالقول: (اسمه الريس إذا ماكنتيش تعرفي.. بذمتك كنت تقدري تقولي لعبد الناصر كده) ولا تنفى السيدة جيهان السادات ذلك نفياً قطعيا في حواراتها التليفزيونية.