سيدة الغناء في عيون الأدباء والنقاد

23/02/2015 - 11:36:23

ام كلثوم مع توفيق الحكيم و نجيب محفوظ ام كلثوم مع توفيق الحكيم و نجيب محفوظ

كتب - محمد علوش

كان لسيدة الغناء العربي أم كلثوم صداقات عديدة من الكتاب والمثقفين والأدباء في جيلها، فلم يغفل كاتبا من كان قدر أم كلثوم وكتبوا وقالوا عنها الكثير سواء بوصفها أو مواقفهم معها..


في البداية قال عنها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين:


إن أم كلثوم بصوتها النادر في امتيازه سواء في الجمال أو في سلامة نطق اللغة العربية ساهم في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها عندما غنت الصيدة حتي في أصعب الكلمات لموسيقي الغناء، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي علي ألسنة العامة والخاصة.


وقال الأديب عباس محمود العقاد:


إن ميزة أم كلثوم بعد كل ما سمعته من أغانيها هي أنها المطربة الموهوبة التي أثبتت أن الغناء هو فن عقول وقلوب. وليس بفن حناجر وأفواه فحسب. فهي تفهم ما تغنيه، وتشعر بما تؤديه وتعطي من عندها نصيبا وافيا إلى جانب نصيب المؤلف والملحن فيقول السامع لاحقا ... آآه.


وكان العقاد قد كتب قصيدة احتفاء بكوكب الشرق بعد عودتها سالمة من رحلة العلاج الشهيرة عام 1962، تحت عنوان >فى الفن أنبياء<.


فيقول العقاد فى قصيدته:


أيها الكوكب الذى أسعد الأرض باللقاء


ردد الطرف فى الفضاء وما أرحب الفضاء


وأسأليه سؤال من يسأل الطير فى الهواء


هل سرى فيه مثل صوتك فى الحسن والنقاء


فى قديم الزمان أعنى وفى حاضر سواء ؟


وقال الدكتور الشاعر إبراهيم ناجي:


أم كلثوم تمتلك جوهرة يسجد لها عرش الدولار المعظم، ولا تقدر بمال في خزائن الأرض، وليست ثروة أم كلثوم بما تملك من مال فحسب، ولكن ثروتها الكبري هي ما تمتلك من ملايين القلوب التي تعبد عظمة الله في صوتها الحنون وهي بهؤلاء العباد أغنى من قارون كما هي مطربة الجنة يجلس علي كل وتر من أوتار صوتها إله.


وروى الأديب العالمي نجيب محفوظ لقاءه مع أم كلثوم قائلاً: مع حبي لأم كلثوم لم أعرفها معرفة شخصية ولم أتحدث إليها مباشرة إلا مرة واحدة فقط، وذلك في الحفلة التي أقامتها جريدة الأهرام لتكريمي بمناسبة بلوغي الخمسين سنة 1961 حيث اتصل بها الأستاذ محمد حسنين هيكل وعرض عليها حضور الحفلة فوافقت دون تردد وكانت مفاجأة لي، لأنني لم أتوقع أن يكون لها اهتمامات بالقصة والرواية، وكنت أسمع الكثير عن ثقافتها واهتمامها بالشعر. ولم أتخيل أن توافق بهذه السهولة على المشاركة في احتفال أدبي خالص. وكانت هذه هي المرة الوحيدة التى ألتقي فيها مباشرة بالسيدة "أم كلثوم" ويدور بيننا حوار.


ووصف الأديب فكري أباظة أم كلثوم بتحفة العصر ومعجزة الدهر، وقال:


قد تمر قرون وأجيال.. فلا تلد القرون والأجيال مثل هذا الكمال، ولا مثل هذا السحر الحلال. وكلام أم كلثوم عندي لا يقل عن غنائها روعة ولا تأثيرا، وهي تتكلم في كل شأن من الشئون فتبلغ القمه تحليلا وتعبيرا إنها هبة الله ونعمة الرحمن.


وعنها يقول أيضا:


أسأل نفسى دائماً أهى فقط ملكة الطرب؟ أم ملكة >خفة الروح


فى حفلة كبرى أقامتها لجنة الفنون العليا برئاسة الأستاذ المرحوم محمد محمود خليل فى نادى الموسيقى تكريما لمعجزاتها الفنية قلت: إن هذا العصر سيسمى فى عالم الشعر وعالم الطرب عصر أحمد شوقى، وعصر أم كلثوم .. نعم أعرفها منذ أن لم تكن معروفة إلى أن عرفها الملايين فى الشرق العربى كله، ومحطات الإذاعة فى جميع أنحاء العالم القديم فى أوروبا وآسيا وإفريقيا والأوقيانوس والعالم الجديد فى أمريكا الشمالية والجنوبية !


أعرفها منذ أن كانت تهرب من التخت فجأة، وتختفى تحته عندما ترى قطة داخل الصوان!


ومنذ أن كانت هى وأفراد التخت يسافرون من الفجر مقابل أجر متواضع إلى أن يصلوا فى المساء إلى قرية صغيرة لإحياء فرح، فتجد القرية مظلمة وتبحث عن دار أهل الفرح وتطرق باب الدار فيقولون لها بكل بساطة:


الله! ما هو الفرح اتأجل فتقول لهم : الله! ولماذا لم تخطرونا بالتأجيل ؟


فيقولون لها بكل بساطة : الله ! ما هى كل البلد عارفة؟!


ثم يتحدث فكرى أباظة عن ثقافتها فيقول:


كم ألف بيت من بيوت الشعر والزجل حفظتها >أم كلثوم< ورددتها وغنتها، ورنمت بها الآذان والأذهان والرءوس والقلوب ؟، كما ألف بيت، والله إنها - هى - لا تدرى فمن يا ترى يضع لنا تلك الإحصائية ؟!


وقال عنها أنيس منصور:


أم كلثوم أذابت الناس فيها أو ذابت هى فى الناس فهى تغنى أو هم يغنون لها أو هي تصفق لهم وهم يغنون، إن صوتها سيبقى لمئات السنين متعة شرقية ووثيقة تاريخية فهى السيدة الوحيدة في العالم التي تغني الأغنية الواحدة فى ساعة أو ساعتين، إن الأوبرا التى يشترك في غنائها العشرات من المطربين المختلفى الأصوات لا تزيد على ساعة ونصف الساعة وأحيانا ساعتين تتخللها استراحات قصيرة أو طويلة ولكن أم كلثوم بفستان واحد ومنديل واحد ووقفة واحدة ومنظر واحد ولحن واحد وأوركسترا واحد وفى ليلة واحدة تستطيع أن تذيب الناس فى عرق ودموع.


ويقول عنها الكاتب عبد النور خليل:


كنا فى زمن الحرب العالمية الثانية، وكنا نتعرض كثيرا لساعات الإظلام أثناء الغارات، وننتظر ساعات، وليس هناك من ضوء غير أشعة عملاقة تتجول فى السماء بحثا عن الطائرات المغيرة، وكان عندنا فى الشقة الصغيرة التى نقطنها فى حى شبرا راديو من الطراز القديم يعمل ببطارية أكبر منه حجما، وكنت أمضى ساعات >الغارة< أعبث بمؤشره وموجاته، ورغم المارشات العسكرية التى لا تنقطع من إذاعتين .. محطة عربية تتبع الحلفاء بلاشك تسمى نفسها إذاعة الشرق الأدنى، وأخرى ألمانية تسمى نفسها >برلين العربية< كانت كل منهما تصب دعاية وتنشر أخبارا عن الحرب وسير المعارك إلا أن مادتها المفضلة التى تجذب الانتباه إليها كانت صوت أم كلثوم وأغانيها، كانت ساعات الغارة تمضى حثيثة، وقد يجتذب انتباهى انفجار أو صوت مدو، أو تنساق عيناى وراء تلك المصابيح المضيئة التى تلقيها الطائرات المغيرة وتتعلق بين السماء والأرض قبل أن ينطفئ نورها .. كنت أطلق خيالى أسيراً لأحلام ورؤى ليس فيها على الإطلاق أى خوف من القنابل المتفجرة وأنا أسمع صوتها تغنى >على بلد المحبوب ودينى<.


وقال الكاتب الكبير مصطفي أمين:


رغم أن أم كلثوم كانت أشهر امرأة في العالم، إلا أنها كانت زاهدة في الشهرة وكانت إلى سنوات قريبة تخاف من الصحفيين، ولم تهاجم فنانة في مصر كما هوجمت أم كلثوم، نُشرت عنها القصص والأكاذيب.. أُلفت عنها الأكاذيب... أطلقت الشائعات، ولكن كل الطوب والأحجار التي ألقيت عليها لم تهدم الهرم بل زادته ضخامة.


وأضاف: أم كلثوم عدة شخصيات في امرأة واحدة، فهي مثلا على المسرح تظهر طويلة بالنسبة للناس مع أنها في حقيقة الأمر قصيرة.. وللناس تبدو بخيلة وهي كريمة ولأهل السنبلاوين تبدو فلاحة وهي سيدة صالون من الطراز الأول، ولأساتذة الجامعة سيدة لها فكر راق، وبالتحديد هي لم تدخل مدرسة. ومع ذلك أكبر النساء المثقفات في مصر.


وصور مصطفى أمين كوكب الشرق بقلمه فى المرحلة التي انتقلت من قريتها طماى الزهايرة فيقول:


كنت تلميذا فى المدارس الابتدائية، وكانت شابة صغيرة تغنى فى صالة سانتى بحديقة الأزبكية.


كانت ترتدى شبه عباءة، وعلى رأسها العقال، ورأيتها واقفة بين القانونجى القديم العقاد .. وبين الشاعر أحمد رامى أستاذى فى الترجمة بمدرسة المنيرة الابتدائية وكانت فتاة صغيرة فاتنة، تغنى القصائد والتواشيح، ولكنها كانت تستطيع دائما أن تسيطر على الموجودين فى الصالة فيتوقف الكلام، وينتبه السكارى، وتسكت المشاجرات والخناقات، وعرفتها بعد ذلك كصحفى يكتب عن نجمة مشهورة ثم عرفتها كإنسانة وامرأة عظيمة، وفى كل هذه السنين شعرت أن هذه المرأة شخصية غير عادية، إنها مثل النيل والأهرام إنها المرأة الوحيدة فى العالم التى مكثت أكثر من ثلاثين عاما، وهى سيدة الغناء فى منطقة واسعة تمتد من المحيط الهندى إلى المحيط الأطلسى<.


أما الكاتب توفيق الحكيم قال عنها:


أم كلثوم تؤدي كل قصيدة وكل أغنية وكل لحن الأداء الكامل إنها صفة الفنان الأصيل.


قال عنها الكاتب والروائي يوسف السباعي: إنها فنانة الشعب التي أعطت فأجزلت العطاء، وقدمت فبذلت بسخاء، ومن خلال صوتها أذابت روحها، ووهبتها لخير وطنها، عاشت عدة أعمار فنية، كانت فيها همزة الوصل بين أجيال وأجيال، إنها نسيج نادر لا يجود به الدهر إلا بعد أجيال وأجيال، وسيبقي فن أم كلثوم تراثاً خالداً تتغني به الدنيا وسيظل مشعلاً هادياً يضيء طريق الفن العربي.