متحف أم كلثوم .. زيارة لوجدان أمة

23/02/2015 - 11:28:55

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتب - الشاعر : أحمد عنتر

على شاطئ نيل مصر الخالد وفي بقعة ساحرة منه تقع جزيرة الروضة ذات العبق التاريخي الجميل ؛ حيث بلغت أوج شهرتها في أواخر العصر الفاطمي ؛ و لم تكن مصادفةً أن يقع الاختيار على هذا الموقع ليُضافَ إلى ثرائه التاريخي - حيث يوجد مقياس النيل و قصر المانسترلي - هرمٌ ثالث يتمثل في متحف سيدة الغناء العربي أم كلثوم ؛ فكوكب الشرق التي انتمت الى النيل و واديه ؛ وشدت ؛ وترنمت بكلمات بيرم التونسى : >شمس الأصيل< وترقرق صوتها بين الضفتين : " أنا وحبيبي يانيل نِلْنَا أمانينا .." ..لم يكن غريبا أن يُطِلَ متحفُها على النيل؛ أو أن يتوسطه في جزيرة الروضة ؛ وهى التي اختارت _ ومنذ زمن بعيد ؛ حين أتيحت لها الفرصة _ أن يكون بيتُها مُشرفًا على النيل بشارع أبي الفدا في الزمالك ..تناجيه عيونها صباح مساء في شجنٍ متصل ..


المتحف...فكرة نبيلة تحولت إلى فندق ..!


قبل أن يُوَارَى جثمان أم كلثوم الثرى في الخامس من فبراير عام 1975 كانت الصحف القاهرية تَزِفُّ بشرى إقامة متحف لها ؛ برعاية وإشراف الدولة ؛ تقديرا لعطائها النبيل !! ..فقد نشرت جريدة الأهرام الرسمية في صفحتها الأخيرة يوم 4 / 2 / 1975 >وأم كلثوم لم تدفن بعد< وفي زاوية >من غير عنوان< وبقلم الناقد الفني كمال الملاخ ؛ نشرت خبرًا تحت عنوان :>تحويل فيللا أم كلثوم الى متحف قومي< يؤكد على صدور قرار وزارة الثقافة بشراء فيللا أم كلثوم وتحويلها الى متحف يضم تراثها الشخصي والفني .. وينتهى الخبر إلى أن المتحف سيفتح أبوابه أمام الجماهير وأبناء العالم العربي .. والسائحين !!


ولم تكد ذكرى الأربعين تحل حتى نشطت الذاكرة وبدأت الأوراق والقرارات تصب في هذا الاتجاه ..حيث صدر قرار رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد العزيز حجازي ؛ بناء على قرار رئيس الجمهورية ؛ بتشكيل لجنة تضم السادة : وزير السياحة؛ والدكتور أحمد كمال أبو المجد >وزير الإعلام< ويوسف السباعي >وزير الثقافة< والمهندس عثمان أحمد عثمان >وزير الإسكان والتعمير< ومحافظ القاهرة ؛ والسادة : الدكتور حسن الحفناوي >زوج الراحلة< والمهندس محمد الدسوقي عن أسرة " فنانة الشعب أم كلثوم .." كما نص في القرار .. وكُلِّفت اللجنة بدراسة مشروع إقامة >دار أم كلثوم للفنون< ووضع خطة التنفيذ.. وقد ألحق وزير الثقافة يوسف السباعي قرار رئيس الوزراء بصورة للمشروع في صورته النهائية بالتعديلات التي أدخلتها عليه لجنة التعليم والبحث العلمي والثقافة ؛ وغير ذلك من اقتراحات .. وتم إرساله الى المهندس محمد الدسوقي >بن شقيقة أم كلثوم وعميد العائلة بعد رحيلها< بعد ثلاث وعشرين سنة؛ عام 1998 ؛وفي مراحل التجهيز للمتحف ؛ جلستُ الى الراحل المهندس محمد الدسوقي فى منزله بشارع الكامل محمد بالزمالك ؛ وكان المرض قد أقعده؛ وأمام خزينة أم كلثوم شاركْتُه فحصَ الأوراق والوثائق وفرزها ..وحين وقعت أوراق القرار بين يديْ سألته : لماذا لم تتم إقامة المتحف بعد وفاة أم كلثوم مباشرة ؟ وما هو مصير الفيللا التي كانت المكان الوحيد اللائق لإقامته؟ وطلب الرجل بِرِقَّةٍ إعفاءه من الإجابة .. وألححتُ عليه فلبَّى مطلبي ولكنه طلب أن أُوقف المسجل الصغير الذي كنت حريصًا على أن أسجل به كل شاردة وواردة في جلساتي معه توثيقا وتأكيدا ..وبدأ يروِي قصة الفيللا .. وبصوتٍ واهٍ وأسىً نازف جاءت كلماتُه التي أنقلها عن شريط الصوت:.. بعد وفاة أم كلثوم انتظرنا سنوات أن تبدأ الحكومة في تنفيذ قرارها..كنا كلما سألنا جاءت الإجابة عن طريق بعض المسئولين أن مصرَ لتَوِّها خارجة من حرب اكتوبر وهناك أولويات أهمها إقامة البنية التحتية !!..


كانت هناك إشارات ودلائل على عدم الجدية والتسويف.. حتى ذلك الوقت كنا نحتفظ بكل مقتنيات الراحلة ونحرص على صيانتها حيث كانت قد أوصتنا بضرورة تقديمها الى الدولة في حالة الشروع في بناء متحفها >ويضيف الرجل بأسى< من سوء حظ أم كلثوم أنها عاشت بعد رحيل عبد الناصر ..ليتها ماتت في حياته . لكان الاهتمام بها لائقًا!!


ثم يستطرد :


- .بالنسبة للفيللا كانت غالية جدا على أم كلثوم ؛ بَنَتْهَا على يديها طوبة طوبة سنة 1938 وصمَّمها المهنس النابغة علي لبيب.. بعد رحيل أم كلثوم أغلقناها ؛ وكنا قد تحملنا أجور ورواتب العاملين بها ست سنوات ..كان طبيعيا أن ترعاها الحشرات والجرذان بعد أن أُهْمِلَت الحديقة .. وأصاب التلف أخشاب الباركيه في أرضية الحجرات .. ونحن ننتظر أن تمنحنا الدولة ثمنا تقديريا لها يفي بالحقوق الشرعية لبعض الأفراد من فقراء الأسرة ممن لهم حق في الإرث..ثم سمعنا من مصادر وثيقة أن عثمان أحمد عثمان حاول أن يبعث الحياة في الفكرة مع إحدى الشخصيات النسائية المتنفذة والمعروف عنها مناهضتها لأم كلثوم ..لكنها نهرته بقولها : " لم يبق إلا الفنانات والراقصات والغوازي نعمل لهم متاحف !!"


وحينما ألححنا عليهم أن يتسلموا الفيللا ويقيموا المتحف فيما بعد ؛ وقد خيرناهم بين التنازل عن الفيللا مقابل ثمن معقول غير باهظ ؛ إذا كان في نية الدولة إقامة المتحف ؛ أو بيعها إلى أى مشترٍ بالثمن الذي تستحقه شريطةَ أن يحمل أىُ بناءٍ على أرضها اسم أم كلثوم وأن يوضع تمثال لها على مدخله ويخصص الدور الأرضي منه لعرض مقتنياتها في صورة متحف ولو صغيرا .. وكان قد وصلنا أكثر من عرض لشراء الفيللاا..فوجئنا بالرد:


>بيعوها17< ألف جنيه لفيللا على النيل في >أبوالفدا< بالزمالك00شيدتها ؛ وأقامت بها كوكب الشرق أم كلثوم!! .." ويستطرد - بعد أن طلبت إليه أن يعيد ماجاء في حديثه حيث أقنعته بأنني سأحتفظ بتسجيلاتي للتاريخ ولن أنشر منها ما يصيبه بلوم أو أذى أو يتسبب في حرج للراحلة الكريمة أو أسرتها ؛ وقد كان رحمه الله حريصا على ذلك - وأدرت المسجل.. وأعاد بالتفصيل فقرات حديثه السابقة 00 وأضف ...بعد يأس من جدية الدولة ..وإزاء إلحاحات الورثة لتنفيذ شرع الله في الميراث ..لم نجد إلا قبول العرض الذي تقدم به أحد المستثمرين >المليونير السعودي باخشوين


متحف أم كلثوم


كان من المقرر أن يتم افتتاح متحف أم كلثوم مساء الجمعة 28 ديسمبر2001- كما هو مثبت على اللوحة الرخامية بمدخل المتحف _ واختيار هذا اليوم يرجع لكونه موافقا لذكرى ميلاد كوكب الشرق ؛ حيث ولدت - كما تؤكد أوثق المراجع - في 28 ديسمبر عام 1898 .. لكن تم تأجيل الافتتاح يومين ليكون الأحد 30 ديسمبر حتى يتسنى للسيدة قرينة رئيس الجمهورية حضوره !! وقد أدهشني اهتمام( السيدة الأولى) بإنجاز المشروع ومتابعتها الدائبة لمراحله..وكنت أعزو ذلك إلى شئ من " كيد النساء ".. فإذا كانت سابقتُها قد عُرِفَ عنها إساءتها إلى أم كلثوم والإقلال من قيمتها وقدرها ؛ والحيلولة دون إقامة أى عمل يُكَرِّم الراحلة ؛ فها هى؛ خليفتُها ؛تحت رعايتها السنية تقيم لها متحفا تتابع مراحله وتحرص على افتتاحه بنفسها ومساحة المتحف لاتتعدى 250 مترا ولكنها على صِغَرِها تتسع لفيض غامر شاسع من الأصالة والجمال ..وقد تكون قارورة العطر صغيرة الحجم ولكنها تتسع لموجاتٍ لا تُحَد من العبير ..والزائر للمتحف يطالعه في الحديقة تمثال بسيط أنيق لكوكب الشرق أبدعه الفنان آدم حنين..على مقربةٍ منه تجسيد رخامي رأسي لآلة القانون - وهى آلة موسيقية شرقية فاعلة في التخت والأوركسترا الكلثومي - محفور عليها تاريخ ميلاد ورحيل كوكب الشرق تتصاعد منه الى الفضاء جدائل نحاسية تشكل >مفتاح صول< الموسيقي ..وكان من المقرر أن تصطف ؛ في الحديقة وعلى جانبىْ الممر المؤدي لمدخل المتحف ؛ تماثيلٌ نصفية للمبدعين الذين أسهموا في ترسيخ وتتويج الأسطورة الكلثومية - مؤلفين وملحنين مثل : محمد القصبجي ورياض السنباطي وزكريا أحمد ورامى وشوقي وبيرم التونسي وغيرهم .. وحالت الظروف دون تحقيق ذلك .


ما إن يخطو الزائر خطوته الأولى داخل المتحف إلا ويفاجأ بأم كلثوم أمامه وجها لوجه ..!! ..ففي فترينة زجاجية أنيقة تطالعه النظارة الكلثومية الشهيرة المرصعة بالماس..و لايملك إلا أن يتخيل وجه أم كلثوم خلفها ..!!..كذلك يتدلى من سقف الفترينة منديل أم كلثوم الشهير ..لقد تم اختزال عنوان المتحف وشخصية صاحبته في هذيْن الملمحيْن بالغي الخصوصية بها .. فنظارة أم كلثوم منذ عام 1953 وبعد عودتها من رحلتها العلاجية الى أمريكا ؛ صارت جزءا من وجهها المصري الأصيل ..أما المنديل الذي صاحبها في حفلاتها فهو رفيق أصابعها ..تدغدغه .. وتسِرُّ اليه .. تحنو وتقسو.. وتضغط عليه فيستوعب انفعالاتها وهى تشدو ..وهو ؛ أيضا ؛ كما اعترفت ؛ يمتص عرق يديها الناتج عن اضطرابها من لقاء جماهيرها التي تحسب لها كل مرة ألف حساب ؛ و هي معبودة هذه الجماهير..!!


ومقتنيات المتحف ثمينة ومتنوعة نقف عند أُولاَها : أزياء وملابس السيدة أم كلثوم ..وقد رُوعِىَ في عرضها أن تكون أولا : معروفة لدى الجماهير ؛ أى سبق لهم رؤيتها بها.. سواء في الصور أو التسجيلات التليفزيونية ..فهذا الثوب غنت به " يامسهرني " وذاك غنت به " الأطلال " في حفل تونس ؛ وهناك تسجيلات معروفة بذلك ؛ وهكذا ....ثانيا : رُوعِىَ أن تُعبِّر الأزياء المعروضة عن شخصية المحتفَى بها .. فأم كلثوم سيدة محافظة وقورة بدأت مسيرتَها بتلاوة القرآن الكريم .. وأنشدت قصائد المديح النبوي ومن الطبيعي أن تحتفظ ثيابها بالطابع المحافظ ذي الأكمام السابغة ..والذي يعكس مفهومَها للأناقة أنها تتمثل في البساطة .. كذلك يعكس >موديل< الثياب المعروضة إنتماءها العربي؛ فكُلُها تأتي في شكل العباءات العربية السمت والهيئة ..ولم يتم عرض أزياء عصرية من مقتنيات كوكب الشرق - التي كانت حريصة على الأناقة واقتناء الموديلات الحديثة - لأنها لاتكشف لنا أغوار أم كلثوم الحقيقية.


وإزاء هذا الملمح الفارق في شخصية أم كلثوم : إنتمائها القومي العربي.. تستوقفنا الصور والوثائق التي تحملنا على أجنحتها الأثيرية إلى تخوم الذاكرة ؛ حيث لازال الحلم القومي يحتفظ بسحره الآسر؛ يشرئب بوجهه من شرفة الزمن الجميل.


أم كلثوم : جامعة الوجدان العربي


كان ياما كان 00!!


الخميس الأول من كل شهر ..كلمة السر بين الجماهير العربية ..الموعد الوحيد الذي تَحَلَّقَ حوله الوجدان العربي..على اختلاف الميول والأذواق والأعمار والهويات الإقليمية المحدودة 00 إنها ليلة ميلاد جديدة للروح.. حين يحمل الأثير _ مختزلا الفن في عمره الحقيقي يتخلل دقائق تمتد عدة ساعات


_ عبر هذا الصوت العبقري من مسرح


حديقة الأزبكية ..أو من دار سينما قصر النيل ..أو سينما ريفولي حيث تصبح هذه البقعة المحدودة _ مساحةً


_مركزا للكون وملتقى الآذان والأسماع


.. وعبر ذبذبات الأثير تلتقي الأرواح العربية والقلوب ..ليس في الوطن العربي الكبير فحسب..بل تتجاوز حدوده إلى المهاجر الأوروبية والأمريكية..لتسجل ظاهرة فريدة وحقيقة دامغة ؛ عبَّر عنها بعض الصحفيين الغربيين بقولهم : .." إن العرب اختلفوا وتنافروا ..ولم يتفقوا إلا على صوت أم كلثوم.


الخميس الأول من كل شهر ..تنسى الأمة خلافاتها وتناحرها 00 إنه موعد سامر كوني إختارته أم كلثوم منذ أول عقد ربط بينها وبين شركة >ماركوني< صاحبة امتياز الإذاعة المصرية .. وبمقتضاه شق صوتها أجواء الفضاء ليلة الخميس 31 مايو 1934 ..وكان هذا الموعد صكا وميثاقا وقعته بحنجرتها لوحدة عربية انصهر فيها الوجدان .. وحدة لم يعرف أبعادها ميدان السياسة... نجحت ..ولم تنفصم عراها حتى بعد خفوت الصوت برحيل الجسد ..!!


آمنت أم كلثوم بتلك الوحدة ..وأغمضت عينيها طويلا على حلم قومي بهيج .. لم يتخلق سياسيا في وعيها إلا بعد اختماره واكتماله في وجدانها في سنوات التكوين :ألم تحفظ القرآن العربي ..؟؟!!


ألم تقرأ الموشحات والشعر العربي وتترنم بالقصائد العربية ؟؟!!


ألم تَرْتَدِ العقالَ والزىَّ البدويين وهى دون العاشرة ..؟؟!!


ثم قبل هذا وذاك: ألم تكن بنت مصر العربية التي تمتد جذورُها ضاربةً في أغوار العروبة وأعماقها؟!


إذن ليس من الغريب عليها أن تحاول جاهدة أن تحقق >جامعة عربية< من خلال صوتها العبقري واختياراتها النادرة من قصائد شعراء الأمة ..ففضلا عن غنائها للتراث العربي القديم بقصائد لأبي فراس الحمداني وابن النبيه وابن الفارض وصفىّ الدين الحلي والعباس بن الأحنف . والشريف الرضي وشوقي وحافظ ابراهيم ...وغيرهم ..فإنها ترنمت بقصائد الشاعرالأمير عبدالله الفيصل من السعودية >ثورة الشك و من أجل عينيك< وللشاعر اللبناني جورج جرداق >هذه ليلتي< وللشاعر السوداني الهادي آدم >أغدا ألقاك< وللشاعرالسوري نزار قباني >أصبح عندي الآن بندقية< وللشاعر الكويتي أحمد مشاري العدواني >شدا لك المجد وغنى الظفر _ يادارنا يادار< وقد عاجلها الموت قبل أن يكتمل مشروعها الفني القومي هذا ..إذ ضمت خزينتها أوراقا تحمل قصائد لأبي القاسم الشابي من تونس ؛؛ وعمر أبي ريشة من سوريا ؛ وبدوي الجبل من فلسطين ؛ ومحمد الفيتوري الذي لم تنجح له محاولة سابقة مع الراحلة الخالدة . كما حملت هذه الأوراق نصّاً تراثيا من شعر أبي نواس في التوبة والزهد كانت تنوي العودة به الى الشدو بالتراث العربي ؛ بل يتنامى وعيها بهذا الدور فتتجاوز الدائرة العربية إلى الدائرة الاسلامية فتغني >رباعيات< عمر الخيام الشاعر الفارسي و>ىحديث الروح< للشاعر الباكستاني محمد إقبال ..


طوف ..وشوف ..


وتؤكد مجموعة الأوسمة والنياشين المعروضة في المتحف أن شعبنا العربي عرف لها هذا الدور و ثَمَّنَ مواقفَها وقدر عطاءها الفني الأصيل ..فتبارت الأقطار العربية في تكريمها :في عام1946 تحصل على وسام الرافدين العراقي من الدرجة الأولى ؛ ووسام الاستحقاق السوري عام 1955 ...وفي بيروت بعد أن يعزف في استقبالها السلام الملكي المصري تمنحها لبنان وسام الأرز الوطني برتبة كوماندز عام1959 ...ويقلدها الملك حسين وسام النهضة الأردني في حفل خاص بتكريمها ...وفي العام نفسه يهديها الملك محمد الخامس ملك المغرب سوارا من الذهب مرصعا بالماس ؛ كما قدم لها عمدة مدينة فاس شمعة خضراء بطول المتر مرصعة بالذهب ... وفي عام 1958 يمنحها الملك الحسن الثاني ملك المغرب وسام الكفاءة الفكرية وهو أرفع أوسمة المملكة .. كما أهدتها تونس وسام وقلادة الجمهورية الأكبر عام 1968 .. .يضاف إليها في قاعة الأوسمة وسام نجمة الامتياز الذي قلده لها سفير الباكستان في حفل خاص أقيم بالقاهرة بعد شدوها بقصيدة >حديث الروح< لشاعر باكستان محمد إقبال عام 1967.


ظ و يبقى ما تحفظ الأوراق إلى جانب ما تعرضه قاعات المتحف من صور نادرة لكوكب الشرق في مراحل مختلفة من عمرها ؛ و صور تغطي زياراتها الفنية خارج الوطن ؛ والعديد من قطع الإكسسوار والحقائب والأحذية النسائية ؛ تبقى الخطابات المتبادلة بينها وبين القادة والملوك والرؤساء ؛ وكبار الشخصيات العامة ؛ ومخطوطات الأغاني بخطوط مؤلفيها وتعديلات أم كلثوم على بعض كلماتها ؛ وبراءات الأوسمة والنياشين المهداة إليها ؛ تبقى كلها من أهم الوثائق التي تُضفي التمايزَ والثراءَ على المتحف ويكفي أن يكون في طليعة هذه الوثائق أول عقد بينها وبين الإذاعة المصرية ؛ والمؤرخ بالخامس من يونيو عام 1934 أى قبل مرور أسبوع من عمر الإذاعة الوليدة في 31 مايو 1934.


ويستطيع أى زائرٍ للمتحف ؛ أو باحثٍ مهتم بسيرة أم كلثوم الفنية والاجتماعية ؛ أو عاشقٍ متتبع لتاريخ الفن والموسيقى والغناء العربي ؛ أن يجد ضالته المنشودة من مادة معرفية ؛ إذا قضى بضع سويعات في >المكتبة السمع / بصرية< التي تشغل قاعة صغيرة ملحقة بالمتحف ؛ يجدها الزائر عن يساره في مواجهة فترينات عرض الأزياء، وهذه المكتبة على صغرها شكلا ؛ تبقى ثرية قيمةً ومحتوىً وموضوعًا وقد واكب إعداد محتوياتها جمع بقية مقتنيات المتحف من آثار كوكب الشرق أى قبل سنوات خمس من ظهور المتحف إلى حيز الوجود.


في البداية كانت الفكرة في ذهن الوزير فاروق حسني أن تكون هناك قاعة تضم تسجيلات إذاعية صوتية ؛ وما تيسر من شرائط فيديو لحفلات أم كلثوم >بعد بداية البث التليفزيوني في مصر عام 1960< ومن خلال شاشات مجموعة من أجهزة الكمبيوتر يمكن للرواد - على اختلاف أذواقهم وتباين أمزجتهم _ أن يستمتع كلٌ بسماع لحنه المفضل ؛ أو متابعة مرحلة فنية من مراحل تاريخ أم كلثوم الفني.


وبدأ العمل في هذا الاتجاه ؛ وفي احد الاجتماعات التي كانت تُعقد دوريًا لعرض ومتابعة ماتم إنجازه من المشروع ؛ ومناقشة ما تتطلبه المرحلة التالية ؛ اقترحتُ أن تضم المكتبة الى جانب وجهها الألكتروني العصري ؛ مادةً ورقيةً مقروءة ً يمكن لمن شاء الرجوع إليها عند الحاجة ؛ خاصة وأن التعامل مع الكمبيوتر لم يكن شائعا وميسَّرًا كما هو رائج اليوم ؛ و قوبل الاقتراح بفتور وتحفظ ؛ وانتهى هذا الاجتماع وأنا على يقين وإصرار بأهمية طرح الاقتراح ومناقشته في اجتماع قادم.


في الأسبوع التالي؛ وقبيل بداية الاجتماع ؛ فاجأني السيد الوزير فاروق حسني بطلبه أن أقدم تَصَوُّرًا بالاقتراح السابق طرحه في الاجتماع الماضي ، وقمت _ بإيجاز _ بتقديم المقترح الذي يقتضي جمعَ كلِّ ما كُتِبَ في الصحف والمجلات والدوريات المصرية عن السيدة أم كلثوم؛ وكل مايتعلق بها من قريب أو بعيد؛ منذ نزوحها الى القاهرة عام 1924؛ حتى إنشاء المتحف؛ كذا كل مايعكس المناخ الفني السائد في عصرها ؛ وعلاقاتها بكبار الشخصيات العامة وأخبار مؤلفي و ملحني أغانيها ؛ فضلا ً عمَّا تم تأليفه من كتب متخصصة تذخر بها المكتبة العربية عن كوكب الشرق بكل أبعاد حضورها : الفني والشخصي والاجتماعي والإنساني.


وقوبل المقترح هذه المرة ببعض التأييد والاهتمام ؛ وإن تحفظ البعض بسبب صعوبة تنفيذ ذلك لاتساع الرقعة الزمنية >من عام 1924 إلى عام 2000< وكثرة المادة التي يصعب جمعها لتعَدُّد و تَنَوُّع و تَشَعُّب مصادرها.


وحسم السيد الوزير الموقف بإبدائه الموافقة علي البدء في تنفيذ المقترح فورًا؛ وأسند إليّ تلك المهمة ؛ بصفتي >مدير المتحف تحت الإنشاء ورئيس لجنة جمع المقتنيات< وتبيَّن لي ؛ آنذاك فقط ؛ حجم المسئولية وضخامتها !!؛ وبدأتُ البحث عن الخطوة الأولى .. ودائما ما أصعب الوصول إليها.


في لقاء غير مخطط له جمعني بالصديق الناشر محمد هاشم >صاحب دار ميريت للنشر ؛ وكانت تقطع خطواتها الأولى على طريق نجاحها الملحوظ فيما بعد< وتَطَرَقَ الحديث إلى آخر أخبار المتحف ؛ وبحماسِهِ المعروف عنه أبدى استعداده التام لأن تتولى الدار تنفيذ المطلوب من جمع وتصوير وتبويب و تصنيف المادة المطلوبة و تقديمها في مجلدات فاخرة للوزارة >حيث كانت الدار آنذاك تقوم بمهام مراكز الأبحاث< وأخبرني أن لديه أكثر من فريق عمل من طلبة قسم الوثائق والمكتبات بالجامعات المصرية سيتولى توجيههم إلى أرشيف الصحف والمجلات ودار الكتب و الوثائق لإنجاز المشروع.


وبالفعل قامت الدار بتنفيذ ما وعد صاحبها الذي تحمَّل أعباء كافة التكاليف خاصة والدار في بدايات الطريق ؛ ولم يتقاض أي مقابل إلا بعد استلام المتحف لأكثر من ثمانمائة مجلد استغرق إعدادها السنوات الخمس.


وهذه المجلدات ؛ إضافة إلى مجموعة الكتب الصادرة عن أم كلثوم ؛ بالعربية والفرنسية والإنجليزية ؛ التي تيسّر لنا جمعها وتزويد المكتبة بها آنذاك ؛ إلى جانب مجموعة ؛ غير قليلة ؛ من النوتات الموسيقية لبعض أغاني كوكب الشرق ؛ أصبحت ؛ كلها ؛ قلب المتحف النابض معرفة ومتعة و فنّاً ..


وقد كان هناك طموح يراودني طوال فترة رئاستي للمتحف ؛ أن تضم هذه المكتبة ؛ بعد أن غطت مجلداتها ما كُتِبَ عن أم كلثوم في الصحافة المصرية ؛ أن نقوم بجمع ما كُتِبَ عنها في الصحافة العربية ؛ و هى مادة غزيرة ؛ في أقطار زارتها واحتفت شعوبها بها ؛ مثل تونس والكويت ولبنان والإمارات والمغرب والسودان وغيرها ؛ وبالفعل بدأتُ الاتصالات لجمع هذه المادة ؛ ولكن لم يكتب لتلك المحاولة النجاح .. فدائما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ..