قصة .. أم كلثوم مازالت تغني

23/02/2015 - 11:23:34

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

تأليف - ناصر عبد الرحمن

في حي روض الفرج ... بيت قديم له بلكونة تطل على معالم ... يغلقها الحاج محمد عوف ذو الثمانين من عمره وهو ينظر في امتنان إلي الراديو الذي يحافظ عليه منذ أن اشتراه من سوق غزة ... كان الحاج محمد عوف يعمل تاجراً في سوق العتبة يشتري الراديوهات من سوق غزة .. كان يركب القطار من محطة مصر العريقة حتي حدودنا في غزة المصرية ... طريق يسلكه كل عشرة أيام ... له ذكريات وحكايات ... ويبتسم ويشير الي الراديو الذي اشتراه في آخر سفرية الي غزة المصرية قبل تغير الحال أيام 67 ليعمل في شارع الصناديقية ...


يوم وضع الراديو على الطاولة العالية بجوار زاوية الصالة الفسيحة المكونة من ثلاث كنبات حول طاولة الراديو يوم مشهود ... والي الآن مازال الراديو مكانه يفتح كل خميس لسماع حفلة أم كلثوم ... الساعة الخامسة ...


عوف يجهز القهوة قبل سماع صوت أم كلثوم ... يستقبل أغاني أم كلثوم بلهفة رغم سماعه هذه الاغاني آلاف المرات دائماً يتذوق معاني كلمات الأغاني بذائقة جديدة كل مرة ... لم يشعر مرة بالاكتفاء ولم يقرر مرة أن يترك أم كلثوم تغني وحدها دائماً يأنس بصوتها كأنها تغني له وكأنه يكتفي بها عن العالم ...


لم يعد المعلم عوف يريد الخروج للعالم بعد مرضه المزمن بصدره..


صاحب أم كلثوم منذ هجرته من الصعيد الي مصر... عام 44 نفس العام الذي غنت فيه أم كلثوم أغنية رق الحبيب ... لان صبياً وسط اخوته فوق صندل يحمل >فخار< من سوهاج ... هرب مع اخوته من الفقر والمرض والجهل والموت الي القاهرة على ظهر الصندل.


ليستقر المعلم عوف بجوار حديقة الازبكية ... لم ينس يوم ذهابه عند قريبه الذي يحرس إحدي بوابات حديقة الازبكية الاربع... وهو اليوم الذي ستغني فيه ست أم كلثوم رائعة الشاعر أحمد رامي رق الحبيب... تلحين العبقري مجدد الموسيقي بعد سيد درويش الموسيقار محمد القصبجي ... وبعد رجاء وافق الحارس السوهاجي ويستمع الي صوتها .. كانت فرحة عوف عارمة من شاب صغير أول ما يري في مصر حفلة لأم كلثوم ... يا لها من هدية ربانية لم ينس حلاوتها رغم تجاوز عمره منتصف السبعينيات ... كان ينتظر مرور النهار حتي يحل موعد الحفلة .. هذا لم يهتم كثيراً بجلسة السمر بعد العصر فرغم أنه يجلس بجوار دائرتهم يشرب الشاي وهم يتحدثون عن حديقة الازبكية التي أنشأها المهندس الفرنسي (باريل ديشان) 1872 على مساحة 18 فداناً وانها على اسم القائد المملوكي (أزبك) وأن الخديو إسماعيل هو الذي أنشأ المسرح المصري الذي يمثل فيه عباقرة التمثيل منذ يعقوب صنوع للقباني والروايات لمحمد تيمور وتوفيق الحكيم وعزيز أباظة.


يتعصب أحد الحراس وهو يشير بأصبعه انه أول من شاهد حفلة لأم كلثوم عام 43 أول يوم الخميس 4 فبراير يقفز الحراس عندما ينتبهون لأبواق سيارات ....


اكتمل جمهور مسرح الازبكية ... عوف من مكانه الخفي يتابع وجهاء المجتمع وأشرافه وقادته... في زينتهم ينتظرون ظهور الست أم كلثوم ... يا لها من هيبة ويا لها من لحظات لم يصل اليها فنان مثل أم كلثوم ... دقات ثلاث ... ثم كشف الستار العيون والقلوب تتجه نحو المسرح ... وكأن الأصوات اختفت وظهر الصمت وانفرد لدرجة ان عوف وضع يده على فمه خشية ان ينتبه اليه أحد.. لكن مع بداية عزف المقدمة الموسيقية للعبقري محمد القصبجي دار كأس النشوة بين الجميع في دقائق استسلم للجمال الجميع ودخل خيمة العسكر والاندماج .. تظهر أم كلثوم كالقمر ليلة تمامه ... تسلب عقل الجميع وتفتح القلوب الي طاقة الحب التي تتجلي وتظهر ... تغني الست رق الحبيب وواعدني يوم ... وكان له مدة غايب عني


يشعر عوف كأنه خرج من باب الدنيا الي الجنة بوابة النشوة والجمال .. يتمايل عوف كأنه يري السعادة والطرب لتزيل السيدة بصوتها تعب الهجرة من الصعيد الي القاهرة وينسي عوف ماضيه وحاضره ويتذوق حلاوة السكر ... يخرج عن وقاره ويفترش الارض ... فلا شئ يسع ما يشعر به سوي الارض التي خلق منها.


كيف تستطيع هذه الموهبة الفخمة والصوت الاستثنائي أن يجمع الجميع تحت سيطرة وسطوة حنجرتها وسحر بيانها وتمام اللحن وجمال صوتها ... وأن يتفق الجميع على حبها وتتباين ثقافتهم واختلافهم من حراس مسرح الازبكية الي عمال المسرح الي الجمهور المتباينة جداً من الوجهاء والاعيان من النساء والرجال من السعداء والتعساء.. الجميع يتمايل في نشوة واستسلام من تمسح عينها بالمناديل ومن يطفئ سيجارته ومن يلتفت ليخفي عن جاره الدموع ومن حالة من الاستحالة وعوف الذي يخفي دموعه هو الآخر وهي تغني (وإيه يفيد الزمن مع اللي عاش في الخيال... واللي في قلبه سكن ... انعم عليه بالوصال طالع علي النهار ... سهران بنور الأمل)


ويبكي المعلم عوف سنينه الخمسين التي مرت منذ سماع رق الحبيب لأول مرة وها هو الآن يصنع قهوته ويحتسيها على أنغام الموسيقار محمد القصبجي ... سبرتاية فنجان القهوة ... يجلس على السجادة ويديه جناحان فوق الكنبة البلدي .. يهز رأسه وهو يستمع الي صوت الست أم كلثوم .. يتنفس معها ويفصل عن العالم يدخل عالم الخيال على صوت أم كلثوم الطائر.


(وفضلت أفكر في معادي ... واحسب لقربه الف حساب ... وكان كلامي مع سحابي عن المحبة والاحباب).


يسكن في بيت قديم بدرب البيدق بالعتبة بجوار سور الازبكية ويعمل في صنع الصواني النحاس بحي سيدنا الحسين في شارع الصناديقية ويعيش في اجواء الاحياء الشعبية ذات التقاليد والاخلاق ... يشارك الحاج فوزي أبو العينين ويتجمع مع أهالي ونجاري شارع الصناديقية حول جهاز الراديو الذي يعيد اغنية رق الحبيب يوم الخميس


(ولما قرب معاد حبيبي ورحت اقابله ... هنيت فؤادي على نصيبي من قرب وصله... لقتني طايل من الدنيا كل اللي اهواه)


بنت جميلة تخرج من دكان والدها ... وهي تخفي نظرات الترحيب بابن عمها عوف الذي يستقبل اشارات الرضا بطلب الزواج منها .. وكان عمه - عازف الناس - جمّال في صعيد مصر يسافر بين المدن حتي السودان وهو يغني للجمال التي تبكي عند سماع صوته ... يدخل عوف عند عمه يفاجأ به يجلس في صمت يستمع الي صوت أم كلثوم في هيبة ووقار وعينه تبكي وكأنه أخذ مكان الجمل وبكا من فرط احساسه بصوت الست أم كلثوم (بس اللي فاضل لي أسعد بلقاه لما خطر ده على فكري ... حير أمري)...


يسكن عوف مع حبيبته وبنت عمه شقة في حي روض الفرج وصوت ام كلثوم واغنية رق الحبيب.


يركب عوف الترماي من روض الفرج حتي ميدان العتبة ثم يسير في شارع الازهر حتي شارع الصناديقية... وصوت أم كلثوم يعلو في دكاكين الشوارع بعد زيادة أعداد الراديوهات ويسر شراءها.. أم كلثوم يوم الخميس في الخامسة مساء


(والقرب سبب تعذيبي ... ولقتني خايف على عمري ليروح مني)


وفي عام 1991 ودخول أمريكا المنطقة ... يقف عوف والحاج فوزي وعم نبيل وعم محمد النجار والحاج هادي وباقي اهالي الصناديقية أمام شاشة التليفزيون يتابعون لاول مرة الحرب من خلال التليفزيون .. يتعثر الحاج عوف من جراء افتقار الاجانب وندرة السياحة ويترك شارع الصناديقية بعد فض الشركة بينه وبين صديق عمره الحاج فوزي


ويعود عوف متعباً تائهاً الي بيته في روض الفرج ... كعادته صمته أكثر من كلامه ... تفهم زوجته وحبيبته وابنة عمه فتتركه وتغلق عليه بابه بعد أن وضعت أغنية رق الحبيب داخل الكاسيت .. ولينتبه عوف الي صوت نديمته الست أم كلثوم.


(ولقتني خايف على عمري ليروح مني ... من غير ما أشوف حُسن حبيبي)


تنسيه الست كعادتها آلامه وأحزانه وهو في عالم خيالها وزهو صوتها


(رق الحبيب وواعدني يوم ... وكان له مدة غايب عني ... حرمت عيني الليل من النوم.. لاجل النهار مايطمني).


خبط على باب شقة روض الفرج ... يدخل ابنه الكبير يوم الاحد 2004 ليجد والده على سجادة نائما وقد انتقلت روحه بينما تغني ام كلثوم (غير اللي يتمناه قلبي ...سهرت استناه ... واسمع كلامي معاه).


ويجلس ابن عوف على نفس السجادة ... ينظر الي برواز والده وهو يستمع الي صوت الست ام كلثوم (واشوف خياله قاعد جنبي)


يلتفت ناصر الي يمينه ليري ابتسامة والده عوف وهو يهز رأسه في وقار وأنس على ايقاع محمد القصبجي


(رق الحبيب وواعدني يوم ... وكان له مدة غايب عني)


حمزة يفتح باب الصالة .. يلتفت في لطف وخفة ظل وهو يدعي عدم رؤية والده ويجري حتي يصطدم بوالده


يشير حمزة الي الكاسيت والي صوت أم كلثوم (مين دي اللي بتغني؟)


يجيب الاب (أم كلثوم)


فيسأل حمزة (هي مش ماتت)


فيجيب الاب وهو يهز رأسه (آه بس لسه بتغني)


(ولقتني خايف على عمري .. ليروح مني ... من غير ما أشوف ... حُسن حبيبي)