عندما غنت علي مسرح الأوليمبيا في باريس .. شريف الشوباشى : أم كلثوم غيرت صورة المرأة المصرية في العالم

23/02/2015 - 11:21:50

صورة ارشيفية صورة ارشيفية

كتبت - أمينة الشريف

يروى الكاتب الصحفى مدير مكتب الأهرام السابق في باريس شريف الشوباشى قصة غناء كوكب الشرق "أم كلثوم" على مسرح " الأوليمبيا" بباريس.


فقال " الشوباشى" ، فى البداية يجب أن نتحدث عن المناخ السياسى والنفسى السائد بعد هزيمة 1967، حيث إنها كانت بالنسبة للعالم العربى هزيمة مروعة، وجاء خبر الهزيمة على العرب فى فرنسا كالصاعقة، وسادت حالة من عدم الاتزان بين البلدان العربية.


أما على الجانب الفرنسى فكانت الدعاية الصهيونية متغلغلة جدا فى ذلك الوقت ، حيث إن فرنسا فى عام 1956 تحالفت مع إسرائيل وشنوا العدوان الثلاثى على مصر ، فكان الشعب الفرنسى مازال متشبعاً بالعدوان ، ويعتبرون الزعيم الراحل عبد الناصر ديكتاتوراً، ويصفون العالم العربى بالمجتمع المتخلف، ويزعمون أن إسرائيل بقعة حضارية فى هذا العالم تستوجب إنقاذها .


وأشار " الشوباشى" ، إلى أن المناخ السائد فى ذلك الوقت المتمثل فى الإعلام والمواطنين فى فرنسا، يشهد تضامناً كبيراً مع إسرائيل، إلا أن "ديجول" رئيس الدولة وقتها، اتخذ موقفاً عظيماً، حيث صرح بأنه لن تقف فرنسا مع من يأخذ مبادرة الحرب، وقام بإرسال خطاب للزعيم الراحل جمال عبد الناصر لكى يخبره بذلك، ويذكر أن " دجول " كان قائد المقاومة ضد القوات الألمانية عندما احتلت فرنسا، وعلى الرغم من موقفه المنحاز للسلام ونبذ العنف ، إلا أن الشعب والإعلام كانا يسبحان فى تيار مخالف تماما بتضامنهما مع الكيان الصهيونى.


واستطرد " الشوباشى" قائلاً : كان " برونو كوكاتريكس" وهو فرنسى الأصل، مدير مسرح " الأوليمبيا" ، وهو أحد أشهر المسارح الاستعراضية والغنائية فى باريس فى ذلك الوقت ، فكر فى تنظيم " أوليمبيات الأوليمبيا" يتضمن فنوناً استعراضية وغنائية تتخطى حدود المسرح الذى كان مخصصاً لنجوم باريس دون غيرهم، ويتمثل ذلك فى جلب عدد من الفنانين من مختلف دول العالم، وقام بزيارة مصر والتقى الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة، وطرح عليه هذه الفكرة، ورغبته في استضافة مواهب غنائية أو استعراضية لكى تمثل مصر فى " أوليمبيات أوليمبيا" المقامة فى باريس، فقام الأخير بطرح اسم " أم كلثوم" لكى تمثل مصر هناك .


وقال شريف الشوباشى، إن "كوكاتريكس" كان لا يعلم من هى " أم كلثوم" ، فسأل وزير الثقافة وقتها، هل هى فنانة استعراضية، أجابه " عكاشة " قائلاً : " أم كلثوم مطربة عظيمة وسوف تعلم مكانة أم كلثوم عندما تغنى على مسرح الأوليمبيا" ، وبالفعل التقى كوكاتريكس بالسيدة أم كلثوم فى منزلها الكائن بالزمالك، وطرح عليها الفكرة، فوافقت على الفور، إلا أنها اشترطت الحصول على مبلغ قدره 200 ألف فرنك، نظير إحياء حفلتين متعاقبتين، وهذا ما استقبله مدير مسرح أوليمبيا بإندهاش كبير، معتبراً أن المقابل الذى طلبته كوكب الشرق مبالغ فيه، حيث إنه لم يحصل عليه أشهر نجوم فرنسا مثل " جونيا ليبيه "، " أيديف بياف " والتى أطلقوا عليها أم كلثوم فرنسا بعد ذلك، إلا أنه وافق على حصولها على هذا المبلغ.


ويروى الشوباشى ما جاء على لسان " كوكاتريكس" في أحد الحوارات التليفزيونية عندما عاد إلى فرنسا لتجهيز الحفل الحاشد الذى يجلب نجوماً من مختلف بلدان العالم على رأسهم " أم كلثوم" ، حيث قال مدير مسرح " أوليمبيا" : عدت إلى فرنسا واضطررت لرفع ثمن التذاكر، إلا أن غالبية العرب فى فرنسا كانوا من العمال المهاجرين خاصة من شمال إفريقيا مثل عمال البناء وغيرهم، ممن لا يستطيعون شراء التذكرة المقدر ثمنها بـ 300 فرنك، نظرا لمستواهم المادى المحدود.


وعندما حدثت نكسة 1967، ظن "كوكاتريكس " أن ام كلثوم لن تحيى الحفلتين المتفق عليهما ، إلا أنه فوجئ بإصرارها على إحياء الحفلات ، ولم يكن على دراية بأنها سوف تتبرع بأجرها للمجهود الحربى ، وبدأ فى طرح التذاكر للبيع، وبعد مرور شهرين لم تبع التذاكر، فشعر " كوكاتريكس" بالندم وقتها، على الاتفاق مع أم كلثوم لإحياء حفل على مسرح " أوليمبيا" ، واعتبرها صفقة خاسرة ضمن صفقات كثيرة ناجحة.


وكان قد اتفق مع أم كلثوم على أن تصل إلى فرنسا قبل الحفل بـ 4 أيام، وعندما وصلت طلب من التليفزيون الفرنسى وقتها إجراء حوار معها، إلا أن التليفزيون لم يتحمس، فقام بالضغط على التليفزيون الفرنسى لإجراء حوار مع أم كلثوم فى المطار، وتم إذاعة الحوار فى نشرة الأخبار مساءً، وتضمن الحديث عن أسطورة الغناء العربى وكوكب الشرق ، وفى اليوم التالى للحوار التليفزيونى، فوجئ " كوكاتريكس" بتزاحم كبير من قبل المواطنين يقدر بالمئات أمام شباك التذاكر ، بالإضافة إلى طائرات قادمة من ألمانيا وإنجلترا، كما توافدت طائرات على متنها أمراء الخليج لحرصهم على حضور حفل أم كلثوم، وخلال يومين نفدت التذاكر .


ومن المواقف الطريفة التى يرويها "الشوباشى" ، أنه عندما تحدث عنها "كوكاتريكس" مدير مسرح " أوليمبيا" ، تعجبت الصحافة الفرنسية من اسم سيدة الغناء العربي متساءلة:اسمها أم إيه ؟!!" ، بالإضافة إلى موقف آخر حدث أمام شباك التذاكر حيث جاء أحد الأثرياء العرب وطلب حجز مقعد فى الصف الأول وعرض علي عاملة الشباك مبلغ 5000 فرنك ، إلا أن الموظفة قالت له إن الصف الأول " محجوز" ، فأخرج على الفور سلاحاً وكاد يقتلها، لولا تدخل " كوكاتريكس" الذى وفر له مقعداً إضافياً فى الصف الأول دون مقابل، للتغلب على الموقف .


وقال " الشوباشى" ، إنه يعد من المواقف الطريفة أيضاً عندما سأل "كوكاتريكس" أم كلثوم عن عدد الأغنيات التى تقوم بغنائها فى الحفل، فأجابته قائلة " 2 أو 3 على الأكثر"، مما أثار القلق لديه، ودار فى ذهنه تساؤل، كيف تقدم أم كلثوم 3 أغنيات فقط ؟، خاصة وأن زمن الأغنية فى فرنسا لا يتعدى الـ 3دقائق، فظن أن أم كلثوم سوف تنهى فقرتها فى زمن يقل عن 20 دقيقة، إلا أنه فؤجئ بأن أغنية أم كلثوم تستغرق أكثر من ساعة زمنية ، وغنت وقتها أم كلثوم " الأطلال ، أنت عمرى، وأغنية ثالثة" .


وروى " الشوباشى" موقفاً آخر أثار اندهاش " كوكاتريكس"، أثناء فقرة أم كلثوم الغنائية ضمن فعاليات مهرجان "أوليمبيات أوليمبيا " على مسرح "أوليمبيا في باريس، حيث قال فوجيء "كوكاتركيس" بوجود أكثر من 55 يهودىاً من المغاربة مما أشعره بالقلق وقام على أثر ذلك بتكثيف الحراسة وتعزيز الأمن، إلا أنه فوجئ بأن اليهود فى حالة انتعاش مثل الجميع ، وفى حالة صمت للاستماع لصوت كوكب الشرق ، بالإضافة لقيامهم بالـ "التصفيق والتصفير" ، تعبيراً عن إعجابهم الشديد بها.


فتوجه إليهم على الفور وطرح تساؤلا .. كيف تعشقون صوت أم كلثوم لهذه الدرجة وهي تغنى بضرورة التصدى لليهود ومحاربتهم ؟ ، فأجابوه قائلين : " أم كلثوم أعظم مطربة فى التاريخ" ولا يمكن إنكار هذا وهي تمتعنا بفنها وطربها الأصيل وهذا أمر لاعلاقة له بالأمور السياسية. وكانت هذه هى رحلة كوكب الشرق الأولى إلى باريس ، وقال عنها " كوكاتريكس" مدير مسرح " أوليمبيا": أم كلثوم تستطيع ترويض الجمهور ، وجاء ذلك بعد النجاح الساحق الذى حققته فى في هذه الحفلة.


وهناك قصة أخرى رواها "الشوباشى" عن رحلة أم كلثوم فى باريس، فقال إنها جمعت فرقتها وقالت لهم " أعلم أنه توجد هنا في باريس مغريات كثيرة، وأنتم قد ترغبون فى شراء العديد من الأمتعة والهدايا، إلا أن بلدنا فى أمس الحاجة إلى العملة الصعبة، فحاولوا أن تعودوا بهذه العملة وتقوموا بتغييرها فى مصر"، وهى لم تقم بصرف أية نقود، حتى توفرها للمجهود الحربى .


وأضاف، أنه عقب انتهاء حفل أم كلثوم، كُتبت عنها العديد من المقالات الصحفية فى فرنسا، بالإضافة إلي ظهور العديد من الكتب، وكانت بالفعل هذه الرحلة علامة فارقة لسمعتها الدولية، وعرف العالم بأسطورة أم كلثوم، وتغيرت نظرة العالم الغربى الدونية للمرأة المصرية، بعدما رأوا كوكب الشرق، و بعد نجاحها الرهيب فوجئت بـ" شارل ديجول" ، رئيس فرنسا آنذاك يرسل إليها برقية تهنئة ويقول لها فيها: التالى " مرحبا بك فى فرنسا..حققتى نجاحاً عظيماً، وانت تقدمين فناً راقيا .. وتقاليد فنية لها أصول وجذور فى التاريخ.. ونحن نرحب بك فى بلدنا " ، إلا أنها لم تقابله شخصياً .


وهذه من المرات النادرة التي يفعلها رئيس فرنسا خاصة مع فنان أو مطرب.



آخر الأخبار